الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن على ابْن أَحْمد التلمساني القرطبي الأَصْل
كَانَ سلفه نزلُوا طليطلة ثمَّ لوسة ثمَّ غرناطة ولد فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب سنة 713 ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة بلوسة وَكَانَ سلفه قَدِيما يعْرفُونَ ببني وَزِير ثمَّ صَارُوا يعْرفُونَ ببني خطيب نِسْبَة إِلَى سعيد جده الْأَعْلَى واشتهر صَاحب التَّرْجَمَة بِلِسَان الدَّين بن الْخَطِيب وَنَشَأ فَقَرَأَ الْقُرْآن والعربية على أَبى الْقَاسِم بن جزي وأبي عبد الله بن النجار وَسمع من أَبى عبد الله بن جَابر وَجَمَاعَة عدَّة وتأدب بِابْن الجناب وَأخذ الطِّبّ والمنطق والحساب عَن يحيى بن هُذَيْل الفيلسوف وبرز فِي الطِّبّ وتولع بالشعر فبرع فِيهِ وَترسل فأجاد وفَاق أقرانه واتصل بالسلطان أَبى الْحجَّاج يُوسُف ابْن أَبى الْوَلِيد بن نصر الْأَحْمَر فمدحه وتقرب مِنْهُ واستكتبه من تَحت يَد أَبى الْحسن بن الجناب إِلَى أَن مَاتَ أَبُو الْحسن فِي الطَّاعُون الْعَام فاستقل بِكِتَابَة السِّرّ وأضاف إِلَيْهِ رسوم الوزارة وَاسْتَعْملهُ فِي السفارة إِلَى الْمُلُوك واستنابه فِي جَمِيع مَا يملكهُ فَلَمَّا قتل ابْن الْحجَّاج سنة 755 وَقَامَ ابْنه مُحَمَّد اسْتمرّ ابْن الْخَطِيب على وزارته واستكتب مَعَه غَيره ثمَّ أرْسلهُ إِلَى عيان المرسي بفاس ليستنجده فمدحه فاهتز لَهُ وَبَالغ فِي اكرامه فَلَمَّا خلع مُحَمَّد وتغلب أَخُوهُ إِسْمَاعِيل على السلطنة قبض على صَاحب التَّرْجَمَة بعد أن كَانَ أَمنه واستأصل نعْمَته وَلم يكن بالأندلس مثلهَا من المستغلات وَالْعَقار والمنقولات وسجن وَاسْتمرّ مسجونا إِلَى أَن وَردت شَفَاعَة أَبى سَالم ابْن أبي عيان فِيهِ وَجعل خلاصه شرطا فِي مسالمة الدولة وَكَذَلِكَ خلاص السُّلْطَان مُحَمَّد بن أَبى الْحجَّاج من السجْن فخلصا وانتقلا إِلَى أَبى عيان فاستقرا
فِي مَدِينَة فاس وَبَالغ فِي إكرامهما ثمَّ نقل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَدِينَة مراكش فَأكْرمه عمالها ثمَّ شفع لَهُ أَبُو سَالم مرة ثَانِيَة فَردَّتْ عَلَيْهِ ضيَاعه بغرناطة إِلَى أَن عَاد السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى السلطنة فَقدم عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة بأَهْله فَأكْرمه وقلده مَا وَرَاء بَابه فباشر ذَلِك مُقْتَصرا على الْكِفَايَة رَاضِيا بالدون من الثِّيَاب هاجرا للتأنق فِي جَمِيع أَحْوَاله صادعا بِالْحَقِّ وَعمر زَاوِيَة ومدرسة وصلحت أُمُور سُلْطَانه على يَده فَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن وَقع بَينه وَبَين عُثْمَان بن يحيى بن عمر شيخ الْقرَاءَات منافرة أدَّت إِلَى نفي عُثْمَان الْمَذْكُور فِي شهر رَمَضَان سنة 764 فَظن ابْن الْخَطِيب أَن الْوَقْت صفا لَهُ وَأَقْبل سُلْطَانه على اللَّهْو وَانْفَرَدَ هُوَ بتدبير المملكة فكثرت القالة فِيهِ من الحسدة واستشعر فِي آخر الْأَمر أَنهم سعوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان وخشى البادرة فَأخذ فِي التحيل فِي الْخَلَاص وراسل أبي سَالم صَاحب فاس فِي اللحاق بِهِ وَخرج مظْهرا أَنه يُرِيد تفقد الثغور الغربية فَلم يزل حَتَّى حَاذَى جبل الْفَتْح فَركب الْبَحْر إِلَى سبتة وَدخل مَدِينَة فاس سنة 773 فَتَلقاهُ أَبُو سَالم وَبَالغ فِي إكرامه وأجرى لَهُ الرَّوَاتِب فَاشْترى بهَا ضيَاعًا وبساتين فَبلغ ذَلِك أعداءه بالأندلس فسعوا بِهِ عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى أذن لَهُم فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِمَجْلِس الْحَاكِم بِكَلِمَات كَانَت تصدر مِنْهُ وينسب إليه واثبتوا ذَلِك وسألوه الحكم بِهِ فَحكم بزندقته وإراقة دَمه وَأَرْسلُوا صُورَة الْمَكْتُوب إِلَى فاس فَامْتنعَ أَبُو سَالم وَقَالَ هلا أقمتم ذَلِك عَلَيْهِ وَهُوَ عنْدكُمْ فأما مَا دَامَ عندي فَلَا يُوصل إِلَيْهِ فاستمر على حَالَته بفاس إِلَى أَن مَاتَ أَبُو سَالم فَلَمَّا تسلطن أَبُو الْعَبَّاس بعده أغراه بِهِ أعداؤه فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى قبض عَلَيْهِ وسجن فَبلغ ذَلِك سُلْطَان غرناطة فأرسل وزيره أَبَا عبد الله إِلَى أَبى الْعَبَّاس
بِسَبَبِهِ فَلم يزل بِهِ حَتَّى أذن لَهُم فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ عِنْد القاضي فباشر الدَّعْوَى أَبُو عبد الله فِي مجْلِس السُّلْطَان فَأَقَامَ الْبَيِّنَة بالكلمات الَّتِى أَثْبَتَت عَلَيْهِ فعزره القاضي بالْكلَام ثمَّ بالعقوبة ثمَّ بالسجن فطرق عَلَيْهِ السجْن بعد أَيَّام لَيْلًا فخنق وَأخرج من الْغَد فَدفن فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وجد على شَفير قَبره محروقا فأعيد إِلَى حفرته وَقد احْتَرَقَ شعره واسودت بَشرته وَذَلِكَ فِي سنة 776 سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَتكلم عِنْد أن أَرَادوا قَتله الأبيات الَّتِى مِنْهَا
(فَقل للعدا ذهب ابْن الْخَطِيب
…
وَفَاتَ فسبحان من لَا يفوت)
(فَمن كَانَ يشمت مِنْكُم بِهِ
…
فَقل يشمت الْيَوْم من لَا يَمُوت)
وَذكر الشَّيْخ مُحَمَّد القصباني إن ابْن الْأَحْمَر وَجهه رَسُولا إِلَى ملك الإفرنج فَلَمَّا أراد الرُّجُوع أخرج لَهُ ملك الإفرنج كتابا من ابْن الْخَطِيب بِخَطِّهِ يشْتَمل على نظم ونثر فِي غَايَة الْحسن والبلاغة فأقرأه إِيَّاه فَلَمَّا فرغ من قِرَاءَته قَالَ لَهُ مثل هَذَا يقتل وَبكى حَتَّى بل لحيته وثيابه وَمن مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة التَّاج فِي أدباء الماءة الثَّامِنَة والإكليل الزَّاهِر وَهَذَانِ الكتابان يشتملان على تراجم أدباء الْمغرب وَجَمِيع مَا فيهمَا من الْكَلَام مسجوع وَله طرفَة الْعَصْر فِي دولة بنى نصر ثَلَاث مجلدات وديوان شعره فِي مجلدين وَحمل الْجُمْهُور على السّنَن الْمَشْهُور واليوسفى فِي الطِّبّ مجلدان ونفاضة الجراب فِي علالة الاغتراب أَرْبَعَة أسفار ورقم الْحلَل فِي نظم الدول أرجوزة ونثر لَو جمع لزاد على عشرَة مجلدات وَمن نظمه
(مَا ضرني أن لم أجئ مُتَقَدما
…
السَّبق يعرف آخر الْمِضْمَار)
(وَلَئِن غَدا ربع البلاغة بلقعا
…
فلرب كنز فِي أساس جِدَار)