الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
الحمد لله وحده لاشريك له، حمدًا توجبه سوابغ نعمه، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما كثيرا،
ثم أما بعد:
فقد شُغِف الباحث بالنحو حبا منذ فترة طويلة، وتمنى أن يكون له إسهام في دراساته ولو بقدر بسيط، وتعَمَّق هذا الحب خلال سنوات الدراسة. وفي السنة التمهيدية أضاف أستاذنا د. محمد الطويل إلى هذا الحب حبًا آخر، هو حب البحث عن مناهج العلماء، فقد أشار في محاضراته إلى قلة الدراسات في هذا الجانب، وإلى إغفال الدارسين له؛ فعقد الباحث العزم أن يكون موضوعه جامعا بين
جانبين: جانب الدراسة النحوية، وجانب الحديث عن المنهج.
وزاد من تحمس الباحث لهذا العزم والجمع بين الدراسة النحوية والحديث عن المنهج عدة أمور:
ـ الأول: ما قرأه الباحث لشيخنا الجليل محمود محمد شاكر في كتابه
((رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)) من لوم وتقريع شديدين للباحث الذي لم ((يجد من وقته ساعات للتأمل والأناة والصبر للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجده أمامه مطبقا في كتاب كامل (يقصد كتابه المتنبي) وأحس به كل منهم إحساسا خفيا دعاه إلى المعارضة أو الثناء. وهذا خذلان كبير غفر الله لنا ولهم وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم)) (1). فكان هذا اللوم والتقريع لافتين انتباه الباحث لأهمية البحث عن مناهج العلماء، خاصة إذا علمنا أنه ليس من وكد العالم ((أن يبدأ أول كل شيء فيُفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يُقبل منه بل يرد عليه = ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وها أنذا قد طبقته. هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول)) (2).
(1) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ص 17، مكتبة الأسرة 1997م
(2)
السابق: 20
ـ الثاني: ما أبانه علماؤنا من أن ((الكشف عن المناهج لدى مفكري الإسلام يعتبر بالإضافة إلى قيمته التاريخية أفضل مدخل للتراث الإسلامي في جملته؛ فهو الذي يوضح الخطوات القياسية أو الاستقرائية التي اتبعها المفكرون والعلماء المسلمون في مختلف أوجه النشاط التي مارسوها سواء كانت نظرية أم تجريبية)) (1).
ـ الثالث: أن هناك علاقة بين أقوال العلماء ومناهجهم، فـ ((في نظم كل كلام وفي ألفاظه، ولابد، أثر ظاهر أو وسم خفي من نفس قائله، وما تنطوي عليه من دفين العواطف والنوازع والأهواء من خير وشر أو صدق وكذب = ومن عقل قائله، وما يكمن فيه من جنين الفكر، من نظر دقيق، ومعان جلية أو خفية، وبراعة صادقة، ومهارة مموهة، ومقاصد مرضية أو مستكرهة)) (2).
وكانت الخطوة التالية: مَن من العلماء يمكن أن يختاره الباحث لدراسة أقواله النحوية ومنهجه؟ وكان شغف د. الطويل بأبي العلاء دافعا آخر لاختياره
للدراسة، وزاد من اقتناع الباحث بهذا الاختيار ((قلة الإشارة إلى جهده في الدرس اللغوي فيما كتب عنه هنا وهناك)) (3) على الرغم من أن حظ أبي العلاء من الدراسة عظيما؛ فأثار ما أثار من جدل ومناقشة في الشرق والغرب، وأخذ العلماء والباحثون ـ منذ القدم وحتى اليوم ـ في الكتابة فيه وعنه.
وكان من قدر الله أن اطلع الباحث على مقال بمجلة فصول بعنوان ((خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام)) للأستاذ الهادي الجطلاوي، فعلم الباحث أن الديوان له شروح كثيرة جمعها التبريزي في شرح واحد منها شرح لأبي العلاء؛ فعزم الباحث على اختيار هذا الشرح ليكون منطلقا لدراسة أقوال أبي العلاء النحوية ودراسة منهجه.
(1) د. حامد طاهر: الفلسفة الإسلامية مدخل وقضايا، ص 37، دار الثقافة العربية
(2)
محمود محمد شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 15
(3)
د. جمال محمد طلبة: الفكر اللغوي عند أبي العلاء، ص 5
ولكن الباحث وجد أن أقوال أبي العلاء متداخلة مع أقوال التبريزي، ولم يكن هناك تمايز واضح تماما بين كلام كل منهما بالرغم ما قام به محقق الديوان من جهد مشكور لإبانة هذا التمايز؛ فقرر الباحث أن يضم شرح التبريزي إلى شرح أبي العلاء في هذه الدراسة.
وقد يتبادر إلى الذهن أنه قد يكون شرح التبريزي مخالفا في أقواله ومنهجه لشرح أبي العلاء وهذا أمر غير صحيح، لأن التبريزي ـ كما عرف عنه ـ كان ناقلا وملخصا لشروح السابقين، وهو ((خير من يمثل هذا الأسلوب)) (1). وقد عرف بين العلماء بأنه ((إمام المنهج الانتخابي التهذيبي التكميلي)) (2). ولكن هذا طبعا لا ينفي عنه إمامته في اللغة والنحو.
ومما يسوغ هذا الضم أيضا وطمأن الباحث إلى أن أقوال ومنهج كلا الرجلين متشابهة إلى حد كبير ما ثبت أن التبريزي تَلْمَذَ لأبي العلاء، وكان أبو العلاء بمثابة الأستاذ له.
وعلى ما سبق فقد جاءت الرسالة في بابين رئيسيين، يسبقهما تمهيد وتتبعهما خاتمة.
أما التمهيد فيشمل مقدمة عن الديوان وقيمته، وتراجم أبي تمام وأبي العلاء والتبريزي. والباب الأول: الدراسة النحوية والصرفية لشرح أبي العلاء والتبريزي، والباب الثاني: دراسة منهج أبي العلاء والتبريزي في شرحهما. والخاتمة تلخص أهم النتائج.
ويحب الباحث أن ينوه بأمرين:
(1) د. سليمان الشطي: المعلقات وعيون العصور، ص 71، سلسلة عالم المعرفة، ع 380 سبتمبر 2011، الكويت
(2)
د. أحمد جمال العمري: شروح الشعر الجاهلي الجزء الثاني: مناهج الشراح،271، دار المعارف ط1، 1981م
الأول: إن الكلام عن المنهج، أومناهج علماء اللغة لا يستأثر به باحث في مجال لغوي معين عن باحث آخر، فالمتخصص في الدراسات النحوية ليس بأولى بالكتابة في هذا الموضوع من المتخصص في الدراسات البلاغية أوالمتخصص في اللغة، أوالعكس، بل هو ـ كما يعتقد الباحث ـ متاح للجميع بلا تثريب. كما أن الدعوى برفض الدراسات البينية، والاقتصار على الدراسات المتخصصة أمر يجده الباحث فيه نوع تعنت، وإغلاق لأبواب اجتهاد جديدة، فالأمر فيه سعة.
ولم نجد عند علمائنا الأقدمين هذا الفصل الحاد بين علوم اللسان العربي، فـ
((كتاب)) سيبويه مثلا ساهم في الدراسات الأدبية إسهاما ملحوظا، ((ويكفي دلالة على دوره في تنمية البحث الفني في لغة الأدب رجوع عبد القاهر الجرجاني إلى الأصول التي سنها سيبويه، والأمثلة التي أوردها في كثير من قضايا اللغة الأدبية، نضيف إلى ذلك مؤلفات لغوية أخرى مثل الخصائص لابن جني والصاحبي لابن فارس وفقه اللغة للثعالبي، كما نضيف ذلك الفرع من الدراسات اللغوية حول القرآن (
…
) وبإمكاننا الزعم بأن الأفكار التي أثيرت في تلك البيئة من بيئات البحث كانت وراء كثير من الانتقالات في تاريخ البحث في لغة الأدب)) (1).
كما نجد في كثير من كتب أصول الفقه ((بدءا من ((رسالة)) الشافعي ومرورا بأمهات كتب الأصول مثل ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري، و ((المستصفى)) للغزالي، و ((المحصول)) للرازي وغيرها، [أنَّ] هذه المؤلفات تضم في ثناياها ـ بخاصة في مقدماتها ـ كثيرا من المباحث الدائرة حول اللغة في مختلف صور استخدامها، وحول كثير من مستويات بحثها، بخاصة ما يتصل بالصيغة والتركيب والدلالة)) (2).
(1) د. عبد الحكيم راضي: النقد اللغوي في التراث العربي، ص 80، مقال بمجلة فصول ع تراثنا النقدي ج 2/ 1986م
(2)
السابق: 80
الثاني: الكتابة في المنهج عند أبي العلاء والتبريزي استلزمت تتبع بعض الأمور البعيدة بعض الشيء عن مجال النحو والصرف، وهذا أمر فرضه الحديث عن المنهج، ولا دخل للباحث فيه.
منهج البحث:
اعتمد الباحث على المنهج الوصفي الإحصائي التحليلي.
- الدراسات السابقة:
في جانب المنهج لم يقف الباحث على دراسة تتناول هذا الأمر إلا:
1ـ دراسة للدكتور أحمد جمال العمري، بعنوان: شروح الشعر الجاهلي: الجزء الثاني، مناهج الشراح، تناول فيه في بضع صفحات منهج التبريزي عامة في شروحه.
2ـ مقال بمجلة فصول، مجلة النقد الأدبي بعنوان:((خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام))، للهادي الجطلاوي.
أما الدراسات عن أبي العلاء التي تتناول جهده في الدرس اللغوي فهي قليلة، وما وقف الباحث عليه من هذه الدراسات هو:
1ـ فصل بعنوان: من ملامح الإبداع النحوي، عند أبي العلاء، في كتاب: مشكلات نحوية، د. محمد عبد المجيد الطويل.
2ـ الفكر اللغوي عند أبي العلاء المعري في ضوء علم اللغة الحديث، د. جمال محمد طلبة.
3ـ المسائل النحوية والصرفية في شرح أبي العلاء المعري على ديوان ابن أبي حصينة، رسالة ماجستير، للباحث هاني محمد عبد الرازق القزاز.
أما التبريزي فلم أقف على أية دراسات عنه.
والله أسأل أن أكون قد وفقت فيما تناولت وقدمت
، الباحث: إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
****