الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ـ
المبحث الأول: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي
.
اتفق التبريزي مع أبي العلاء في عناصر المنهج التالية:
[1]
توثيق الرواية.
[2]
توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان:
[3]
الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة والاستعمال اللغوي أوالكلامي.
[4]
توظيف خصائص الصنعة الشعرية.
[5]
توظيف قرينة السياق اللغوي وغير اللغوي.
[6]
الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة.
[7]
دعم الشرح بالآيات القرآنية، والقراءات والأحاديث النبوية، والأمثال العربية.
وتفرد أبوالعلاء عن التبريزي بالعنصرين التاليين:
[1]
تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
[2]
الشرح بالإعراب.
وتفرد التبريزي بالعناصر التالية:
[1]
ذكر غرض القصيدة، وسبب قولها قبل الشروع في شرحها.
[2]
ذكر بحر القصيدة ولقب القافية.
[3]
ذكر مفرد الجموع، وجموع المفرد، والمذكر والمؤنث، وكون اللفظة من الأضداد أم لا.
ونلاحظ على هذا المنهج عدة ملحوظات:
الملحوظة الأولى: يمكن تقسيم عناصر المنهج عندهما إلى مجموعتين
عناصر متعلقة بالنحو
…
عناصر بعيدة عن النحو والتصريف
والتصريف والعروض
ـ توثيق الرواية.
ـ الشرح بالإعراب.
…
ـ غرض القصيدة.
ـ القرائن النحوية والصرفية
…
ـ توظيف خصائص الصنعة الشعرية
…
ـ ذكر البحر ....
ويمكن أن نقرأ هذا التقسيم بأنه لايكفي للوقوف على معنى النص الاقتصار على الجوانب النحوية والصرفية والعروضية فقط، بل لابد مع تلك العناصر عناصر أخرى. وهذا يتفق مع ما توصل إليه أحد الباحثين د. عبد الحكيم راضي من ((عدم كفاية كل من النحو والغريب والتصريف للحكم على لغة الشعر)) (1).
ويصدق على ما سبق قول علمين من أعلام ثقافتنا، أما الأول فقدامة بن جعفر إذ يقول: ((العلم بالشعر ينقسم أقسامًا، فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه. وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع (
…
) ولم أجد أحدًا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابًا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر)) (2). ومعنى ما ذهب إليه قدامة أن المعرفة
(1) النقد اللغوي في التراث العربي: ص 86، مجلة فصول، تراثنا النقدي ج2
(2)
أبو الفرج قدامة بن جعفر: نقد الشعر، ص61، تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان
((بالغريب والنحو والمعاني لازمة لكل من الشعر والكلام العادي وأنها كافية في هذا الأخير، لكنها غير كافية بالنسبة للشعر؛ إذ يبقى هناك معرفة الجودة والرداءة)) (1).
أما القول الثاني فقول ابن خلدون حيث يرى ((أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة، والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان)) (2).
فهو لم يفرد النحو ولا التصريف بمسئولية الإبانة عن المعنى بل أشرك معهما البيان.
الملحوظة الثانية: أن المنهجين يكمل بعضهما بعضا، والهدف في النهاية الوصول إلى المعنى الصحيح للبيت، فإن كان أبوالعلاء أغفل ذكر غرض القصيدة وبحرها، فإن التبريزي كان حريصا أشد الحرص على هذين الأمرين، لأهميتها في فهم النص (3).
الملحوظة الثالثة: العدد الإجمالي لأبيات أبي تمام: 7496 بيتًا، شرح منها أبوالعلاء 830 بيتًا؛ أي: بنسبة 11% من أبيات الديوان، أما التبريزي فقد شرح
(1) د. عبد الحكيم راضي: النقد اللغوي في التراث العربي: ص 87، مجلة فصول، تراثنا النقدي ج2
(2)
المقدمة: 3/ 961، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(3)
وقد سبق أن أوضح البحث في موضع سابق (ص 175) أنه على امتداد مسيرة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى زمن الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، كان الموضوع أوالغرض الشعري حاضرا في القصيدة جنبا إلى جنب مع شكلها، وكان حضورا واضحًا متحددًا في ذاته من ناحية، وحضورا يشكل سياقا تُفْهم أفكار القصيدة ومعانيها في ضوئه من ناحية أخرى؛ أي إن الحضور الموضوعي في القصيدة كان ينهض بوظيفتين مزدوجتين: إحداهما ذاتية، هي وضوح الفكرة العامة للقصيدة، والأخرى سياقية هي تحديد مفردات المعنى الشعري. ينظر: د. عبد الرحمن محمد القعود: الإبهام في شعر الحداثة، ص 177ـ 178
2288 بيتًا، تتضمن 830 بيتا التي شرحها أبوالعلاء؛ أي أن الأبيات التي انفرد بها التبريزي شارحا 1458 بيتا؛ أي بنسبة 19.5%.
ونلاحظ أن أبا العلاء لم يطبق منهجه إلا على هذا العدد القليل من أبيات أبي تمام 830 بيتًا، ويبدو أنه لم يقصد بشرحه لديوان أبي تمام إلا الأبيات المشكلة التي تحتمل أكثر من تأويل؛ لذلك لا نجد هذا العنصرـ عنصر تأويل البيت كل التأويلات الممكنة ـ عند التبريزي؛ وكأن التبريزي ترك هذه الأبيات لأبي العلاء، الأغزر علما، والأكثر إحاطة باللغة لتوضيح هذه الأبيات والوقوف على معانيها، وتقديم التأويلات الممكنة لها. أما الأبيات التي شرحها التبريزي فلم يصادف فيها هذا الغموض، أوما هومعقد؛ لذلك غاب هذا العنصر عنه.
الملحوظة الرابعة: لقد سار التبريزي على منهج أستاذه في شرح الديوان، فقد وضع أبوالعلاء الأساس، وقام التبريزي بالبناء على هذا الأساس وتطويره، ومد أركانه وجنباته.
لقد ارتكز أبوالعلاء على ((المسموع اللغوي)) أوعلى ((الاستعمال اللغوي)) كأداة لشرح الأبيات التي شرحها؛ ثم توسع التبريزي كثيرا في الاستناد إلى ((المسموع اللغوي)) أو ((الاستعمال اللغوي))؛ فقد كان هوالأساس في الشرح (1).
(1) يراجع العنصر الثالث من عناصر المنهج عند التبريزي (ص 130)، وتراجع عبارات التبريزي في الاستعمال اللغوي: فهويستخدم لفظ ((استعمل)) بأشكال متعددة: ((يُسْتَعمل))، ((اُسْتُعمل))، ((المستعمل))، ((استعملوا))، ((يستعملون))، ((الاستعمال))، وتارة يستخدم للتعبير عن نفس المصطلح قوله:((وقد حكيت))، ((وأهل اللغة يحكون))، ((والعادة))،أو ((لأن العادة))،أو ((جرت العادة)).، ((وهذا كما نقول في الكلام))، وتارة يستخدم كلمة:((تردد ذكر))، ((تردد الكلام))، ((والأكثر في كلامهم))، ((وكثر ذلك حتى قالوا))، ((ولم يزل القائل يستعير))، ((معروف))، ((وغير معروف))، ((ولم يذكروا))، ((الغالب))، وتارة يستخدم عبارة:((ومن كلام العرب))، وتارة يستخدم عبارة:((قليل في كلامهم)).
وقد استغل التبريزي هذا العنصر ووظفه بحيث يظهر الانحرافات الاستعمالية عند أبي تمام، ورد بعض روايات الديوان؛ لأنها لا تناسبه، أوترجيح عدم قولها، كما استخدمه لإبراز ما وراء الكلمة من ظلال بلاغية.
ولا شك أن اتفاق أبي العلاء والتبريزي على ((المسموع اللغوي)) ـ كأداة للشرح ـ أمر له دلالته ((المهمة))، وهي:((أن التفسير للنصوص العربية يجب أن يكون في حدود المستعمل عند أهل العربية))، بمعنى أن المفسر للنص العربي لا يجوز أن يأتي بتفسير للنص العربي ليس معروفا عند العرب (1).
أما العنصر المهم الثاني الذي اهتم به التبريزي اهتماما بالغا مقتديا بأستاذه أبي العلاء فهوعنصر ((الاهتمام الدلالي بالكلمة))، هذا الاهتمام الذي يظهر في بيان الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وتتبع التطور الدلالي للكلمة، والاهتمام بالمعنى السياقي. وهذه كلها أمور مهمة جدا في تفسير النص، والوقوف على المعنى الصحيح، أوالتأويل المناسب له، وقد أشار البحث في موضعين آخرين أسباب اهتمام أبي العلاء والتبريزي بتتبع التطور الدلالي للكلمة.
********
(1) وهذا هوالمنهج الذي اعتمد عليه مفسروالقرآن بالمأثور، ومنهم مثلا الإمام ((الطبري))، حيث إن منهجه في التفسير يستند إلى ((الرجوع إلى اللغة ولسان العرب، وإلى الشعر العربي)). [ينظر: مدخل إلى علم التفسير، د. محمد بلتاجي، ص 111، مكتبة الشباب، 2000].