المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌المقدمة الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

[أحمد الجابري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌منهج العمل في الأبحاث

- ‌من نماذج الرواة:

- ‌ محمد بن عمر الواقدي:

- ‌ سيف بن عمر التميمي:

- ‌ أبو الحسن علي بن محمد المدائني:

- ‌ أبو مِخنف لوط بن يحيى:

- ‌ محمد بن إسحاق بن يسار المدني:

- ‌منهج العمل في الكتاب:

- ‌الفصل الأول مُعاويةُ رضي الله عنه قبل الخِلافة

- ‌اسمُهُ ونسبُهُ وكنيتُهُ ولقبُهُ:

- ‌مولده:

- ‌اهتمام أمِّه به، وتنبُّؤها بنبوغه:

- ‌صِفَتُه الخَلْقية:

- ‌زوجاتُه وأولادُه

- ‌إسلامُهُ:

- ‌القول الأول: أنَّه أسلم عام الفتح:

- ‌القول الثاني: أنَّه أسلم عام القضيَّة (الحديبية):

- ‌القول الثالث: أنَّه أسلم قُبَيْل الفتح (بعد الحديبية، وقبل الفتح):

- ‌معاوية رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: مع النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده:

- ‌ثانياً: مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نُسُكه:

- ‌ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعاً: روايتُه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌معاوية مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما

- ‌معاوية مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما

- ‌عمرُ يولِّي معاويةَ الشام:

- ‌تهنئةُ النَّاس هند بولاية معاوية:

- ‌كِتَابُ عمر إلى معاوية:

- ‌ثناءُ عمر على معاوية:

- ‌فتوحاتُ معاوية في عهد عمر:

- ‌معاوية مع عثمان بن عفَّان رضي الله عنهما

- ‌فتوحات معاوية وغزواته في عهد عثمان:

- ‌معاويةُ يرفع أمر الخلافات إلى عثمان بن عفَّان:

- ‌معاوية وفتنة مَقْتَل عثمان رضي الله عنه

- ‌بداية ظهور الفتنة بالكوفة، ونَفْيُ المتكلمين إلى الشام عند معاوية:

- ‌تفاقُم المِحنة، واستدعاء عثمان معاوية:

- ‌وصول الخبر إلى معاوية:

- ‌معاوية مع عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما

- ‌انقسام الصحابة والناس بعد مقتل عثمان رضي الله عنه

- ‌تلخيصٌ لما حدث في معركة الجمل (سنة 36 هـ)

- ‌الرسائل بين عليٍّ ومعاويةَ رضي الله عنهما:

- ‌موقعة صفِّين (سنة 37 هـ)

- ‌تعداد الجيشين:

- ‌النزاع على الماء:

- ‌المراسلات بين علي ومعاوية:

- ‌تنظيم الجيوش وبداية القتال:

- ‌مَقْتلُ عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، وظهورُ جيش عليٍّ على أهل الشام:

- ‌ردُّ العلماء تأويل معاوية رضي الله عنه وأهلِ الشام للحديث:

- ‌ليلة الهرير، وآخر أيام القتال:

- ‌توقُّف القتال والدعوة إلى التحكيم:

- ‌مرويَّاتُ قصة التحكيم:

- ‌خُلاصة الكلام في قصة التحكيم:

- ‌موقفٌ حميدٌ لمعاوية مع ملك الروم حال الفتنة:

- ‌عدد الصحابة الذين شهدوا صفِّين:

- ‌فأمَّا الصحابة البدريُّون (من شهدوا بدراً):

- ‌موقف أهل السنَّة مما وقع بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما:

- ‌أيُّ الطائفتين كان أدنى إلى الحق

- ‌هل أصاب عليٌّ رضي الله عنه الحقَّ كاملاً بهذا القتال

- ‌إعذار أهل السنة لمعاوية رضي الله عنه ومن معه، وإمساكهم عن الكلام فيهم:

- ‌معركة النَّهْرَوَان

- ‌التخطيط لقتل عليٍّ، ومعاوية، وعمرو رضي الله عنهم

- ‌استقبال معاوية خبر مقتل عليٍّ:

- ‌الفصل الثاني معاوية رضي الله عنه والخلافة

- ‌خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌دعوة معاوية للصلح، وتنازل الحسن عن الخلافة:

- ‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

- ‌عام الجماعة:

- ‌فوائد من قصة الصلح بين الحسن ومعاوية:

- ‌ أهم نتائج هذا الصلح

- ‌معاوية رضي الله عنه: خليفةٌ أم مَلِكٌ

- ‌أولاً: معنى الملك العَضوض:

- ‌خروج الخوارج على معاوية:

- ‌الفتوحات في خلافة معاوية:

- ‌أهم الولاة والعمال الذين استعملهم معاوية رضي الله عنه، أو عزلهم:

- ‌معاوية يعهد بالخلافة لابنه يزيد من بعده:

- ‌الخطوة الأولى: معاوية يفكر في الأمر، ويستشير فيه بعض خواصِّه:

- ‌الخطوة الثانية: أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام:

- ‌الخطوة الثالثة: استدعاء معاوية الوفود من الأمصار لأخذ البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الرابعة: الكتابة إلى أهل المدينة بطلب البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الخامسة: قدوم معاوية المدينة بنفسه، وطلبه البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة السادسة: لقاء معاوية مع المعترضين على بيعة يزيد:

- ‌الخلاصة في بيعة يزيد:

- ‌أسباب اعتراض بعض الصحابة على بيعة يزيد:

- ‌دوافع ترشيح معاوية لابنه يزيد للخلافة بعده:

- ‌1 - الحفاظ على وحدة الأمة، والخوف عليها من الاختلاف والنزاع:

- ‌2 - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:

- ‌الجواب عن أدلة المعترضين على تولية معاوية ليزيد من بعده:

- ‌إذن لماذا اعترض البعض على عهد معاوية بالخلافة ليزيد من بعده

- ‌هل كان معاوية مصيبا في عهده ليزيد بالخلافة من بعده

- ‌مرضه وفاته:

- ‌وصيته قبل موته:

- ‌موضع مقبرته:

- ‌عمره، وتاريخ وفاته:

- ‌مدة ملكه:

- ‌نقش خاتمه:

- ‌حزن الصحابة لموته:

- ‌ممَّا قيل فيه من رثاء

- ‌صفاته وأخلاقه:

- ‌1 - الحرص على السُنَّة (تَعلُّماً، وتطبيقاً، وأَمراً ونَشْراً):

- ‌2 - ستر الناس، والعفو والتجاوز عنهم:

- ‌3 - الحلم والأناة:

- ‌4 - التواضع:

- ‌5 - الخشية من الله:

- ‌6 - العدل:

- ‌الفصل الثالث مناقبه، وثناء العلماء عليه

- ‌أولاً: مناقبه وفضائله:

- ‌ثانياً: ثناء الصحابة رضي الله عنه والسلف عليه:

- ‌ أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم

- ‌ علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ أبو الدرداء رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عباس رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عمر رضي الله عنه

- ‌ المسور بن مخرمة رضي الله عنه

- ‌ مجاهد بن جبر:

- ‌ محمد بن سيرين:

- ‌ محمد بن شهاب الزهري:

- ‌ أبو إسحاق السبيعي:

- ‌ سفيان الثوري:

- ‌ الفضيل بن عياض:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌ الذهبي:

- ‌ ابن كثير:

- ‌المفاضلة بين معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز:

- ‌أقوال السلف فيمن سبَّ معاوية رضي الله عنه

- ‌ عمر بن عبد العزيز:

- ‌ الحسن البصري:

- ‌ الإمام مالك:

- ‌ الإمام أحمد:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌الفصل الرابع شبهاتٌ وردُود

- ‌الشُّبهة الأولى: الأحاديث الواردة في ذم معاوية رضي الله عنه

- ‌أ- حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه -وفي لفظ: فارجموه

- ‌ب- حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»

- ‌جـ- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة(1)، وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت:

- ‌د- عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب،…، قالت: فلما حللتُ ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية ف

- ‌الشبهة الثانية: تعامل معاوية رضي الله عنه بالربا:

- ‌الشبهة الثالثة: بيع معاوية رضي الله عنه الأصنام:

- ‌الشبهة الرابعة: سمُّ معاوية للحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌الشبهة الخامسة: قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد:

- ‌الشبهة السادسة: قتل معاوية للأشتر مالك بن الحارث النخعي:

- ‌الشبهة السابعة: قتل معاوية لحُجْر بن عدي

- ‌الشبهة الثامنة: لعنُ وسبُّ معاوية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌الشبهة التاسعة: محاولة معاوية نقل منبر النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام:

- ‌الشبهة العاشرة: استلحاق معاوية رضي الله عنه زياد بن أبيه:

- ‌جريدة المصادر والمراجع

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌المقدمة الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه،

بسم الله الرحمن الرحيم

‌المقدمة

الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المتفرِّد بعظمته وكبريائه، المقدَّس بصفاته وأسمائه، لا يعزبُ عنه مثقال ذرَّةٍ في أرضه ولا سمائه، أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأَسْبل من عطائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدَّخرها ليوم لقائه، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله خاتَمُ أنبيائه، وصفوة رسله وأُمنائه، رفع الله ذكره فلا يُذكر إلا ذُكِر معه، وجعل شريعته ناسخةً للشرائع فلو كان موسى حيًّا لاتبعه، بُعث للعالمين وكان النبي يُبعث لقومه، صاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن ولده ووالده وأمِّه.

أما بعد؛

فمن المعلوم بجلاء، أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوم الغبراء،

ص: 1

كما أن الكواكب نجوم السماء، رَسَمَ معالمَ مكانتهم ودافع عنهم كتابُ الله، وشهد على عدالتهم الصادقُ رسولُ الله؛ {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم}

(1)

، ما انقطع الوحي حتى تاب الله عليهم وأكرمهم، وشاع في الخافقين ذكرُهم والثناءُ عليهم، فليس لأحد أن يغمزهم بعد قول الله:{ثم تاب عليهم}

(2)

، وليس لأحد أن يتقصدَّهم بسوء بعد أن أكَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلهم:«خير أُمَّتي - وفي لفظ: خير الناس -: قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»

(3)

، ونهى عن سبِّهم وأذيتهم:«لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً؛ ما بلغ مُدَّ أحدهم»

(4)

.

ومع ذا: فلا يخلو زمان من هؤلاء، الذين يجيدون الطعن والتشويه والافتراء، يبتلي الله عز وجل بهم العباد ليخرج ما في صدورهم، فيثبِّت طائعهم، ويزيغ مفتونهم، كما قال تعالى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}

(5)

.

(1)

سورة التوبة (100).

(2)

سورة التوبة (117).

(3)

متفق عليه: أخرجه البخاري (2651) ومسلم (2535) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.

(4)

صحيح مسلم (2540)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(5)

سورة آل عمران (179).

ص: 2

يقول أبو المعالي الجويني: «قد كثرت المطاعن على أئمَّة الصحابة، وعظم افتراء الرافضة وتخرُّصهم، والذي يجب على المعتقد أن يلتزمه: أن يعلم أن جلَّة الصحابة كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحلِّ المغبوط، والمكان المحوط، وما منهم إلا وهو منه ملحوظ محظوظ، وقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم، والرضا عن جملتهم، بالبيعة بيعة الرضوان، ونصِّ القرائن على حسن الثناء على المهاجرين والأنصار»

(1)

.

ولعلَّ هذا السبَّ والافتراء من إرادة الله عز وجل الخير لهم، حتى يجرى عليهم الأجر، وإن كان انقضى العمر!

يقول الشافعيُّ: «ما أرى أن الله تعالى لا يمنع الناس عن شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ليزيدهم ثواباً عند انقطاع أعمالهم»

(2)

.

وقد اختلفت أنصبة الصحابة رضي الله عنه من هذه التهم والافتراءات، والشتائم والترَّهات، فالقليل منهم من ألسنة هؤلاء الكذابين: ناجٍ مُسلَّم، وكثيرٌ منهم ناجٍ مخدوش، وثلَّةٌ -ليست هيِّنة- مَكْدُوسةٌ في نار الكذب والتدليس والافتراء!

ومن هذه الثلة الأخيرة، بل لا يكاد يُعرف أحدٌ من الصحابه ناله هذا القسط الكبير من التشويه، والافتراء، والبغي كما ناله هو؛ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان! فقد تتابعت عليه سهام المغرضين تَتْرى، حاملةً من الافتراءات والسموم ما لا يكاد يُعدُّ ولا يُحصى، وأَجْمعَتْ فرق أهل البدع على الحطِّ منه وذمِّه، مع تواصٍ غريب فيما بينهم، وإن تباعدت أزمانهم وأماكنهم!

(1)

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص: 432 - 433).

(2)

مناقب الشافعي للرازي (ص: 136).

ص: 3

فهذا أحد رؤوس المعتزلة وشيوخهم، وأبرز متكلميهم وحاملي لواءهم؛ أبو عمرو الجاحظ (ت: 255 ه) يصل به الطعن إلى تكفير معاوية رضي الله عنه، فيقول عنه: «ثُمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتى ردَّ قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّاً مكشوفاً، وجحد حكمه حجداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجتماع الأمة أنَّ سمية لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وأنه إنما كان بها عاهراً

(1)

، فخرج بذلك من حكم الفجَّار إلى حكم الكفَّار»

(2)

!

إلى أن قال: «على أنَّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربتْ عليهم نابتةُ عصرنا، ومبتدعةُ دهرنا؛ فقالت: لا تسبُّوه، فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أنَّ من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة»

(3)

.

ونقل أبو الحسن الأشعري (ت: 324 ه) عن الخوارج أيضاً أنهم: «يكفِّرون معاوية»

(4)

.

(1)

هذه الشبهة التي يُتهم بها معاوية رضي الله عنه يأتي تفصيلها وبراءته منها في الفصل الرابع من هذا الكتاب، فانظرها هناك.

(2)

رسالة للجاحظ في رأيه في معاوية والأمويين، طُبعت ضمن مجموع رسائل الجاحظ (2/ 11) بتحقيق عبد السلام هارون.

(3)

المصدر السابق (2/ 12).

(4)

مقالات الإسلاميين (1/ 109).

ص: 4

وشيخ الرافضة في زمانه جمال الدين الحسين بن يوسف بن المطهّر الحلّي

(1)

(ت: 726 ه) يقول عنه في كتابه (منهاج الكرامة): «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن معاوية الطليق ابن الطليق، اللعين ابن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»

(2)

. إلى آخر ما قاله هناك

(3)

.

وأما في زماننا: فلا تسل عن كمِّ المؤلَّفات والمقالات، والحوارات والحلقات، التي تَلُوك عرض معاوية رضي الله عنه، في جهل من البعض وعدم دراية بصحيح الأخبار من سقيمها، ولا بعدالة وخُلُق من يتحدَّثون عنه

(4)

، أو عن عمدٍ وقصدٍ من آخرين، من خلال خطة ممنهجة لإسقاط عدالة الصحابة

(5)

؛ مبتدئين بمعاوية.

ومع انتشار ذلك كله: بدأ يغشى رمدُ الحيرة الثقافية الإسلامية تجاه الصحابة عيونَ بعض أبناء هذه الأمة!

لأجل هذا: شمَّر علماء أهل السنة عن ساعد الجدِّ، للدفاع عن عرض معاوية رضي الله عنه، وسلُّوا سيوفهم لردِّ ذلك العدوان، ودفع تلك الغارات، التي تحاول النَيْل من هذا الصحابي الكريم، وهيهات!

(1)

قال ابن تغري بردي عنه في النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة (9/ 267): "ولابن تيميّة عليه ردّ فى أربعة مجلّدات، وكان يسمّيه ابن المنجّس، يعنى عكس شهرته كونه كان يعرف بابن المطهّر".

(2)

هذا حديث باطل، يأتي تخريجه والحديث عنه في الفصل الرابع من هذا الكتاب (ص: 236).

(3)

انظر: منهاج السنة النبوية (4/ 378 - 379).

(4)

كما وقع من المودودي في كتابه: "الخلافة والملك"، وسيد قطب في كتابه:"كتب وشخصيات"، وعباس العقاد في كتابه:"العبقريات الإسلامية، معاوية بن أبي سفيان".

(5)

كما فعل محمد بن عقيل الحضرمي في كتابه: "النصائح الكافية لمن يتولى معاوية".

ص: 5

وكان من إبداع العلماء في رد تلك الافتراءات: أن نوَّعوا أساليب المواجهة، وعدَّدوا جبهات الدفاع، فلم يتركوا ثغراً من ثغور هذا الميدان إلا ووقفوا عليه، بل وتقدموا -أحياناً- بالهجوم، فدخلوا معاقل أفكار المعتدين، ودكُّوا حصونها، وأتوا على بنيانها من القواعد؛ فخرَّ السقف على رؤوس أصحابها.

ففريق من هؤلاء الأفذاذ: يتولَّى الكلام عن فضائل الصحابة عامَّةً، مُذكِّراً القارئ بأنَّ معاويةَ داخلٌ في حد الصحبة، فله نصيبه من تلك الفضائل العامَّة.

وآخرون: يُذكِّرون بفضائل معاوية الخاصَّة، عبر كتبٍ وأجزاءَ مُفردَة؛ كما فعل أبو بكر ابن أبي عاصم في كتابه:(فضائل معاوية)

(1)

، وابنُ أبي الدنيا في كتابه:(حلم معاوية)

(2)

، وغيرهما.

وفريقٌ ثالث: يصنِّف في ردِّ الشُّبهات، وتزييف التُّهم الباطلات، كما فعل ابنُ العربي المالكي في كتابه:(العواصم من القواصم)، وشيخ الإسلام ابن تيْميَّة في كتابه:(منهاج السنة النبوية)، وغيرهما.

ولا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد؛ بل نجد من هؤلاء العلماء من ضمَّن تصنيفه في العقائد بيان عقيدة أهل السنة في هذا الجيل الرباني الفريد، بوجهٍ عام، كما فعل الطحاويُّ في كتابه:(العقيدة الطحاويَّة)، وابن تيْميَّة في كتابه:(العقيدة الواسطيَّة)، ومن هؤلاء المصنِّفين في العقيدة من ضمَّن تصنيفه شيئا من فضائل معاوية بوجهٍ خاص؛ كما فعل الخلَّال في كتابه:(السُّنَّة)، والآجري في كتابه (الشريعة)، وغيرهما

(3)

.

(1)

ذكره الحافظ ابن حجر في المعجم المفهرس (ص: 123).

(2)

طبعته دار البشائر عام (1424 ه= 2003 م)، بتحقيق: إبراهيم صالح.

(3)

وللمعاصرين جهد مشكور لا يُنكر في الدفاع عن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، وبث فضائله، وتذكير الناس بمكانته؛ من ذلك على سبيل المثال:

- الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، لعبد العزيز بن حمد بن حامد.

- فتح الواحد العلي في الدفاع عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لعبد الله السعد.

- سل السِّنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان، لسعد بن ضبيدان السبيعي.

- درء الغاوية عن الوقيعة في خال المؤمنين معاوية، لزكريا بن علي القحطاني.

- من أقوال المنصفِّين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه، لعبد المحسن العبَّاد.

إلى غير ذلك من المؤلَّفات التي سيرد ذكر بعض أسمائها في ثنايا الكتاب.

ص: 6

وهم في فعلهم هذا كله: مؤتمُّون بنصوص الكتاب والسنة، وأقوال المشهود لهم بالعلم والفضل من أكابر هذه الأمَّة، غير متعصبِّين ولا مُتشدِّدين، ولا بالعصمة للصحابة مُدَّعين، ولا لبعض النصوص -كما فعل خصماؤهم- تاركين، فرضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.

واستمراراً لمسيرة هذا الركب المبارك، الذي يبعثه الله بين فترةٍ وأخرى على مدار الأيام، ليظهر بهم ما اندثر من تراث الأئمَّة السابقين، ويعيد نشر الفضائل للسابقين بين الحين والحين، ورغبةً مني في أن أُنظَم في سلك هؤلاء المدافعين عن خير هذه الأمة بعد المرسلين؛ جاء هذا الكتاب:

«فتحُ المنَّان بسيرة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه» .

جمعتُ فيه شتات ما تفرَّق من سيرته، وبيَّنتُ فيه شيئاً من فضله ومكانته، مع ردِّ أشهر الأباطيل والافتراءات التي تُكلِّم بها في عرضه، وغُضَّ بها من قدره، علَّ هذا أن يكفَّ بأس المبتدعة الذين لا يزالون يتناسلون، ويهدي بعض الحيارى الذين وقعوا في شِباك الشبهات المنتشرة فهم تائهون يتساءلون، وأن يكون مُعيناً لكل باحث عن الحقِّ، في سيرة رجل من أصحاب خير الخلق صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان معاويةُ رضي الله عنه قد وقع بينه وبين بعض إخوانه من الصحابة كعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه بعض نزاعٍ وشقاقٍ، ومال بعض الناس إلى طرف على حساب طرفٍ آخر، فمن فضل الله علينا أن أَوْجدنا في بيئةٍ وزمانٍ وضح فيه الحقُّ، وتبينت مآخذ كلِّ طرف من الطرفين، فلم نُربَّ أو نُنشَّأ على بغض طرف منهما، أو المغالاة في محبة أحدهما، وهذا مُعينٌ بإذن الله -بعد عون الله- على تحرِّي الإنصاف والحق.

يقول الذهبيُّ: «وخَلَفَ معاويةَ خلقٌ كثيرٌ يحبُّونه ويتغالون فيه، ويفضِّلونه، إمَّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإمَّا قد وُلدوا في الشام على حبِّه، وتربَّى أولادهم على ذلك.

ص: 7

وفيهم جماعةٌ يسيرةٌ من الصحابة، وعددٌ كثيرٌ من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النَّصب -نعوذ بالله من الهوى-.

كما قد نشأ جيش عليٍّ رضي الله عنه ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبِّه، والقيام معه، وبغض من بغى عليه، والتبرِّي منهم، وغلا خلقٌ منهم في ذلك.

فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالياً في الحب، مُفْرطاً في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟

فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتَّضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصَّرنا، فعذرنا، واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحَّمنا على البغاة بتأويلٍ سائغٍ في الجملة، أو بخطأٍ -إن شاء الله- مغفور، وقُلنا كما علَّمنا الله:{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا}

(1)

»

(2)

.

(1)

سورة الحشر (10).

(2)

سير أعلام النبلاء (3/ 128).

ص: 8