المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - حب معاوية لابنه، وتوسمه فيه النجابة الدنيوية: - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

[أحمد الجابري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌منهج العمل في الأبحاث

- ‌من نماذج الرواة:

- ‌ محمد بن عمر الواقدي:

- ‌ سيف بن عمر التميمي:

- ‌ أبو الحسن علي بن محمد المدائني:

- ‌ أبو مِخنف لوط بن يحيى:

- ‌ محمد بن إسحاق بن يسار المدني:

- ‌منهج العمل في الكتاب:

- ‌الفصل الأول مُعاويةُ رضي الله عنه قبل الخِلافة

- ‌اسمُهُ ونسبُهُ وكنيتُهُ ولقبُهُ:

- ‌مولده:

- ‌اهتمام أمِّه به، وتنبُّؤها بنبوغه:

- ‌صِفَتُه الخَلْقية:

- ‌زوجاتُه وأولادُه

- ‌إسلامُهُ:

- ‌القول الأول: أنَّه أسلم عام الفتح:

- ‌القول الثاني: أنَّه أسلم عام القضيَّة (الحديبية):

- ‌القول الثالث: أنَّه أسلم قُبَيْل الفتح (بعد الحديبية، وقبل الفتح):

- ‌معاوية رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: مع النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده:

- ‌ثانياً: مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نُسُكه:

- ‌ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعاً: روايتُه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌معاوية مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما

- ‌معاوية مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما

- ‌عمرُ يولِّي معاويةَ الشام:

- ‌تهنئةُ النَّاس هند بولاية معاوية:

- ‌كِتَابُ عمر إلى معاوية:

- ‌ثناءُ عمر على معاوية:

- ‌فتوحاتُ معاوية في عهد عمر:

- ‌معاوية مع عثمان بن عفَّان رضي الله عنهما

- ‌فتوحات معاوية وغزواته في عهد عثمان:

- ‌معاويةُ يرفع أمر الخلافات إلى عثمان بن عفَّان:

- ‌معاوية وفتنة مَقْتَل عثمان رضي الله عنه

- ‌بداية ظهور الفتنة بالكوفة، ونَفْيُ المتكلمين إلى الشام عند معاوية:

- ‌تفاقُم المِحنة، واستدعاء عثمان معاوية:

- ‌وصول الخبر إلى معاوية:

- ‌معاوية مع عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما

- ‌انقسام الصحابة والناس بعد مقتل عثمان رضي الله عنه

- ‌تلخيصٌ لما حدث في معركة الجمل (سنة 36 هـ)

- ‌الرسائل بين عليٍّ ومعاويةَ رضي الله عنهما:

- ‌موقعة صفِّين (سنة 37 هـ)

- ‌تعداد الجيشين:

- ‌النزاع على الماء:

- ‌المراسلات بين علي ومعاوية:

- ‌تنظيم الجيوش وبداية القتال:

- ‌مَقْتلُ عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، وظهورُ جيش عليٍّ على أهل الشام:

- ‌ردُّ العلماء تأويل معاوية رضي الله عنه وأهلِ الشام للحديث:

- ‌ليلة الهرير، وآخر أيام القتال:

- ‌توقُّف القتال والدعوة إلى التحكيم:

- ‌مرويَّاتُ قصة التحكيم:

- ‌خُلاصة الكلام في قصة التحكيم:

- ‌موقفٌ حميدٌ لمعاوية مع ملك الروم حال الفتنة:

- ‌عدد الصحابة الذين شهدوا صفِّين:

- ‌فأمَّا الصحابة البدريُّون (من شهدوا بدراً):

- ‌موقف أهل السنَّة مما وقع بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما:

- ‌أيُّ الطائفتين كان أدنى إلى الحق

- ‌هل أصاب عليٌّ رضي الله عنه الحقَّ كاملاً بهذا القتال

- ‌إعذار أهل السنة لمعاوية رضي الله عنه ومن معه، وإمساكهم عن الكلام فيهم:

- ‌معركة النَّهْرَوَان

- ‌التخطيط لقتل عليٍّ، ومعاوية، وعمرو رضي الله عنهم

- ‌استقبال معاوية خبر مقتل عليٍّ:

- ‌الفصل الثاني معاوية رضي الله عنه والخلافة

- ‌خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌دعوة معاوية للصلح، وتنازل الحسن عن الخلافة:

- ‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

- ‌عام الجماعة:

- ‌فوائد من قصة الصلح بين الحسن ومعاوية:

- ‌ أهم نتائج هذا الصلح

- ‌معاوية رضي الله عنه: خليفةٌ أم مَلِكٌ

- ‌أولاً: معنى الملك العَضوض:

- ‌خروج الخوارج على معاوية:

- ‌الفتوحات في خلافة معاوية:

- ‌أهم الولاة والعمال الذين استعملهم معاوية رضي الله عنه، أو عزلهم:

- ‌معاوية يعهد بالخلافة لابنه يزيد من بعده:

- ‌الخطوة الأولى: معاوية يفكر في الأمر، ويستشير فيه بعض خواصِّه:

- ‌الخطوة الثانية: أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام:

- ‌الخطوة الثالثة: استدعاء معاوية الوفود من الأمصار لأخذ البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الرابعة: الكتابة إلى أهل المدينة بطلب البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الخامسة: قدوم معاوية المدينة بنفسه، وطلبه البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة السادسة: لقاء معاوية مع المعترضين على بيعة يزيد:

- ‌الخلاصة في بيعة يزيد:

- ‌أسباب اعتراض بعض الصحابة على بيعة يزيد:

- ‌دوافع ترشيح معاوية لابنه يزيد للخلافة بعده:

- ‌1 - الحفاظ على وحدة الأمة، والخوف عليها من الاختلاف والنزاع:

- ‌2 - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:

- ‌الجواب عن أدلة المعترضين على تولية معاوية ليزيد من بعده:

- ‌إذن لماذا اعترض البعض على عهد معاوية بالخلافة ليزيد من بعده

- ‌هل كان معاوية مصيبا في عهده ليزيد بالخلافة من بعده

- ‌مرضه وفاته:

- ‌وصيته قبل موته:

- ‌موضع مقبرته:

- ‌عمره، وتاريخ وفاته:

- ‌مدة ملكه:

- ‌نقش خاتمه:

- ‌حزن الصحابة لموته:

- ‌ممَّا قيل فيه من رثاء

- ‌صفاته وأخلاقه:

- ‌1 - الحرص على السُنَّة (تَعلُّماً، وتطبيقاً، وأَمراً ونَشْراً):

- ‌2 - ستر الناس، والعفو والتجاوز عنهم:

- ‌3 - الحلم والأناة:

- ‌4 - التواضع:

- ‌5 - الخشية من الله:

- ‌6 - العدل:

- ‌الفصل الثالث مناقبه، وثناء العلماء عليه

- ‌أولاً: مناقبه وفضائله:

- ‌ثانياً: ثناء الصحابة رضي الله عنه والسلف عليه:

- ‌ أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم

- ‌ علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ أبو الدرداء رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عباس رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عمر رضي الله عنه

- ‌ المسور بن مخرمة رضي الله عنه

- ‌ مجاهد بن جبر:

- ‌ محمد بن سيرين:

- ‌ محمد بن شهاب الزهري:

- ‌ أبو إسحاق السبيعي:

- ‌ سفيان الثوري:

- ‌ الفضيل بن عياض:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌ الذهبي:

- ‌ ابن كثير:

- ‌المفاضلة بين معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز:

- ‌أقوال السلف فيمن سبَّ معاوية رضي الله عنه

- ‌ عمر بن عبد العزيز:

- ‌ الحسن البصري:

- ‌ الإمام مالك:

- ‌ الإمام أحمد:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌الفصل الرابع شبهاتٌ وردُود

- ‌الشُّبهة الأولى: الأحاديث الواردة في ذم معاوية رضي الله عنه

- ‌أ- حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه -وفي لفظ: فارجموه

- ‌ب- حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»

- ‌جـ- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة(1)، وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت:

- ‌د- عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب،…، قالت: فلما حللتُ ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية ف

- ‌الشبهة الثانية: تعامل معاوية رضي الله عنه بالربا:

- ‌الشبهة الثالثة: بيع معاوية رضي الله عنه الأصنام:

- ‌الشبهة الرابعة: سمُّ معاوية للحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌الشبهة الخامسة: قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد:

- ‌الشبهة السادسة: قتل معاوية للأشتر مالك بن الحارث النخعي:

- ‌الشبهة السابعة: قتل معاوية لحُجْر بن عدي

- ‌الشبهة الثامنة: لعنُ وسبُّ معاوية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌الشبهة التاسعة: محاولة معاوية نقل منبر النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام:

- ‌الشبهة العاشرة: استلحاق معاوية رضي الله عنه زياد بن أبيه:

- ‌جريدة المصادر والمراجع

الفصل: ‌2 - حب معاوية لابنه، وتوسمه فيه النجابة الدنيوية:

‌2 - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:

وهذا أمر واضحٌ وبارز، وقد صرَّح به بعض العلماء، كابن كثير، وابن خلدون، وغيرهما، بل قد ورد عن معاوية نفسه ما يؤيده.

فقد قال معاوية رضي الله عنه: ««لولا هواي في يزيد؛ لأبصرت طريقي»

(1)

.

ولما نصحه عمرو بن حزم أن يُراجع نفسه، وينظر في الأصلح للأمة من بعده؛ قال له معاوية:«وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم»

(2)

.

وسيرد ما نُفصِّل به معنى هذه الأحقية، وأنها من وجه دون وجه.

وقال ابن كثير: «فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه»

(3)

.

(1)

في إسناده ضعف: أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (153)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (59/ 214) من طريق محمد بن الحسن الهمداني، عن مُجالد بن سعيد، عن الشعبي؛ به. ومُجالد هذا قال عنه الحافظ في التقريب (6478):"ليس بالقوي"، وقال عن الهمداني هناك (5820):"ضعيف". وثَمَّ أسانيدُ أخر أوهى من هذا في تاريخ دمشق.

وفي سؤالات السُّلمي (رقم: 272) قال الدارقطني: "خَطَبَ معاويةُ فقال في خُطبتِه: لولا هوايَ في يزيدَ لأبصرتُ رُشدي". هكذا مرسلاً.

(2)

إسناده صحيح إلى ابن سيرين راوي الأثر: تقدَّم تخريجه.

(3)

البداية والنهاية (11/ 308).

ص: 195

وقال ابن خلدون: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه، لأنّه مأمون على النّظر لهم في حياته، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه؛ من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة، فتنتفي الظنة في ذلك رأسا، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.

والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه: إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول، حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع.

وإن كان لا يُظنُّ بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور، مباحا كان أو محظورا، كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف»

(1)

.

(1)

تاريخ ابن خلدون (1/ 262 - 263).

ص: 196

وقال أيضا: «عهد معاوية إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة، بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه، مع أن ظنهم كان به صالحا، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يُظنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا الله لمعاوية من ذلك»

(1)

.

فهذه النصوص يتضح منها أن معاوية يرى أن من أبناء الصحابة الموجودين من هو أفضل من ولده، لكنه لا يرى أحدا يجتمع عليه الناس عامة، ويوافق عليه أهل الشام خاصة؛ مثل ولده يزيد، وهو قد عاين الملك، وصحب أباه، وتقدَّم الجيوش كما في حصار القسطنطينية.

يقول د. الصلَّابي: «ولا شك أن الصحابة وأبناءهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لا تكن لغيره في قيادة الأمة، بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه، ومناصرة أهل الشام وولائهم الشديد له، ثم اطلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره، وقد أنس معاوية رضي الله عنه من ولده يزيد حرصاً على العدل، وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة؛ فيرد عليه يزيد بقوله: كنت والله يا أبه عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب

(2)

. وغير ذلك من الأسباب»

(3)

.

وهذه النصوص كلها تفسر الأحقية التي عناها معاوية لولده، ويضاف لذلك -بلا شكٍّ-: عاطفة الأبوة.

وقد ورد التصريح عن معاوية بهذه النكتة، أعني: تقديم الأنفع وإن لم يكن الأفضل، ليس عن يزيد فحسب، بل عن نفسه أيضا.

(1)

المصدر السابق (1/ 257 - 258).

(2)

في إسناده ضعف: أخرجه ابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (48)، وفي سنده رشدين بن سعد، قال عنه الحافظ في التقريب (1942):"ضعيف رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين؛ فخلط في الحديث".

(3)

معاوية بن أبي سفيان للصلّابي (ص: 485).

ص: 197

فعن زرارة بن أوفى: «أن معاوية خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إنا نحن أحق بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيضته التي انفلقت عنه، ونحن ونحن، فقال صعصعة: فأين بنو هاشم منكم؟ قال: نحن أسوس منهم، وهم خير منا»

(1)

.

وعن ثابت مولى سفيان قال: «سمعت معاوية، يقول: إني والله لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنفعكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقا»

(2)

.

فمن هذا الباب قدَّم معاوية ولده يزيد على غيره، وهذا -كتأصيل شرعيٍّ- لا ينكره العلماء.

(1)

إسناده لا بأس به: أخرجه ابن سعد في الطبقات (المتمم للصحابة، الطبقة الرابعة، ص: 118)، وفي سنده علي بن زيد ين جدعان، مع كونه ضعيفا، كما في التقريب (4734)، إلا أن الراوي عنه هنا: حماد بن سلمة، وهو من أعرف الناس لحديثه، قال أبو حاتم -كما في علل الحديث لابن أبي حاتم (4/ 11) -:" أضبط الناس لحديث ثابت وعلي بن زيد: حماد بن سلمة؛ بين خطأ الناس".

(2)

في إسناده ضعف: أخرجه ابن سعد في الطبقات (المتمم للصحابة، الطبقة الرابعة، ص: 116)، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ضعيف، كما في التقريب (7974).

ص: 198

قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة؛ قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر»

(1)

.

ومع ذلك، فيزيد لم يكن مغموصا عليه شيءٌ في دينه، يدل على ذلك:

1 -

أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإلا: كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتهم بها فيما بعد، وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم؟!

يقول ابن العربي: «فإن قيل: كان منها -أي: من شروط الإمامة- العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا عالماً؛ قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى»

(2)

.

2 -

ما يذكره أهل التاريخ في ترجمة يزيد، ومن ذلك قول ابن كثير:«وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم، والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمال، حسن المعاشرة»

(3)

.

(1)

السياسة الشرعية (ص: 15).

(2)

العواصم من القواصم (ص: 222 - 223).

(3)

البداية والنهاية (11/ 646).

ص: 199

وقال الشيخ محب الدين الخطيب: «إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ -أي: يزيد- مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز! وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر؛ فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر.

وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم؛ فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم»

(1)

.

3 -

أنه كان قائدا لأول جيش غزا مدينة قيصر، أي: القسطنطينية، وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة؛ فقال:«أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»

(2)

.

قال المهلب: «في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر»

(3)

.

لهذه الأسباب والدوافع قدَّم معاوية ابنه يزيد على غيره ليكون خَلَفاً له، ولم يجد في حجج المعارضين ما يجعله يتراجع عن رأيه، فحاصل اعتراضهم -كما قدَّمنا- يرجع لأمرين، وكلاهما له توجيه في فعل معاوية كما يلي.

(1)

حاشية وتعليق مطبوع مع العواصم من القواصم (ص: 214).

(2)

صحيح البخاري (2924).

(3)

فتح الباري (6/ 102).

ص: 200