المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

[أحمد الجابري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌منهج العمل في الأبحاث

- ‌من نماذج الرواة:

- ‌ محمد بن عمر الواقدي:

- ‌ سيف بن عمر التميمي:

- ‌ أبو الحسن علي بن محمد المدائني:

- ‌ أبو مِخنف لوط بن يحيى:

- ‌ محمد بن إسحاق بن يسار المدني:

- ‌منهج العمل في الكتاب:

- ‌الفصل الأول مُعاويةُ رضي الله عنه قبل الخِلافة

- ‌اسمُهُ ونسبُهُ وكنيتُهُ ولقبُهُ:

- ‌مولده:

- ‌اهتمام أمِّه به، وتنبُّؤها بنبوغه:

- ‌صِفَتُه الخَلْقية:

- ‌زوجاتُه وأولادُه

- ‌إسلامُهُ:

- ‌القول الأول: أنَّه أسلم عام الفتح:

- ‌القول الثاني: أنَّه أسلم عام القضيَّة (الحديبية):

- ‌القول الثالث: أنَّه أسلم قُبَيْل الفتح (بعد الحديبية، وقبل الفتح):

- ‌معاوية رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: مع النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده:

- ‌ثانياً: مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نُسُكه:

- ‌ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعاً: روايتُه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌معاوية مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما

- ‌معاوية مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما

- ‌عمرُ يولِّي معاويةَ الشام:

- ‌تهنئةُ النَّاس هند بولاية معاوية:

- ‌كِتَابُ عمر إلى معاوية:

- ‌ثناءُ عمر على معاوية:

- ‌فتوحاتُ معاوية في عهد عمر:

- ‌معاوية مع عثمان بن عفَّان رضي الله عنهما

- ‌فتوحات معاوية وغزواته في عهد عثمان:

- ‌معاويةُ يرفع أمر الخلافات إلى عثمان بن عفَّان:

- ‌معاوية وفتنة مَقْتَل عثمان رضي الله عنه

- ‌بداية ظهور الفتنة بالكوفة، ونَفْيُ المتكلمين إلى الشام عند معاوية:

- ‌تفاقُم المِحنة، واستدعاء عثمان معاوية:

- ‌وصول الخبر إلى معاوية:

- ‌معاوية مع عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما

- ‌انقسام الصحابة والناس بعد مقتل عثمان رضي الله عنه

- ‌تلخيصٌ لما حدث في معركة الجمل (سنة 36 هـ)

- ‌الرسائل بين عليٍّ ومعاويةَ رضي الله عنهما:

- ‌موقعة صفِّين (سنة 37 هـ)

- ‌تعداد الجيشين:

- ‌النزاع على الماء:

- ‌المراسلات بين علي ومعاوية:

- ‌تنظيم الجيوش وبداية القتال:

- ‌مَقْتلُ عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، وظهورُ جيش عليٍّ على أهل الشام:

- ‌ردُّ العلماء تأويل معاوية رضي الله عنه وأهلِ الشام للحديث:

- ‌ليلة الهرير، وآخر أيام القتال:

- ‌توقُّف القتال والدعوة إلى التحكيم:

- ‌مرويَّاتُ قصة التحكيم:

- ‌خُلاصة الكلام في قصة التحكيم:

- ‌موقفٌ حميدٌ لمعاوية مع ملك الروم حال الفتنة:

- ‌عدد الصحابة الذين شهدوا صفِّين:

- ‌فأمَّا الصحابة البدريُّون (من شهدوا بدراً):

- ‌موقف أهل السنَّة مما وقع بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما:

- ‌أيُّ الطائفتين كان أدنى إلى الحق

- ‌هل أصاب عليٌّ رضي الله عنه الحقَّ كاملاً بهذا القتال

- ‌إعذار أهل السنة لمعاوية رضي الله عنه ومن معه، وإمساكهم عن الكلام فيهم:

- ‌معركة النَّهْرَوَان

- ‌التخطيط لقتل عليٍّ، ومعاوية، وعمرو رضي الله عنهم

- ‌استقبال معاوية خبر مقتل عليٍّ:

- ‌الفصل الثاني معاوية رضي الله عنه والخلافة

- ‌خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌دعوة معاوية للصلح، وتنازل الحسن عن الخلافة:

- ‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

- ‌عام الجماعة:

- ‌فوائد من قصة الصلح بين الحسن ومعاوية:

- ‌ أهم نتائج هذا الصلح

- ‌معاوية رضي الله عنه: خليفةٌ أم مَلِكٌ

- ‌أولاً: معنى الملك العَضوض:

- ‌خروج الخوارج على معاوية:

- ‌الفتوحات في خلافة معاوية:

- ‌أهم الولاة والعمال الذين استعملهم معاوية رضي الله عنه، أو عزلهم:

- ‌معاوية يعهد بالخلافة لابنه يزيد من بعده:

- ‌الخطوة الأولى: معاوية يفكر في الأمر، ويستشير فيه بعض خواصِّه:

- ‌الخطوة الثانية: أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام:

- ‌الخطوة الثالثة: استدعاء معاوية الوفود من الأمصار لأخذ البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الرابعة: الكتابة إلى أهل المدينة بطلب البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة الخامسة: قدوم معاوية المدينة بنفسه، وطلبه البيعة ليزيد:

- ‌الخطوة السادسة: لقاء معاوية مع المعترضين على بيعة يزيد:

- ‌الخلاصة في بيعة يزيد:

- ‌أسباب اعتراض بعض الصحابة على بيعة يزيد:

- ‌دوافع ترشيح معاوية لابنه يزيد للخلافة بعده:

- ‌1 - الحفاظ على وحدة الأمة، والخوف عليها من الاختلاف والنزاع:

- ‌2 - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:

- ‌الجواب عن أدلة المعترضين على تولية معاوية ليزيد من بعده:

- ‌إذن لماذا اعترض البعض على عهد معاوية بالخلافة ليزيد من بعده

- ‌هل كان معاوية مصيبا في عهده ليزيد بالخلافة من بعده

- ‌مرضه وفاته:

- ‌وصيته قبل موته:

- ‌موضع مقبرته:

- ‌عمره، وتاريخ وفاته:

- ‌مدة ملكه:

- ‌نقش خاتمه:

- ‌حزن الصحابة لموته:

- ‌ممَّا قيل فيه من رثاء

- ‌صفاته وأخلاقه:

- ‌1 - الحرص على السُنَّة (تَعلُّماً، وتطبيقاً، وأَمراً ونَشْراً):

- ‌2 - ستر الناس، والعفو والتجاوز عنهم:

- ‌3 - الحلم والأناة:

- ‌4 - التواضع:

- ‌5 - الخشية من الله:

- ‌6 - العدل:

- ‌الفصل الثالث مناقبه، وثناء العلماء عليه

- ‌أولاً: مناقبه وفضائله:

- ‌ثانياً: ثناء الصحابة رضي الله عنه والسلف عليه:

- ‌ أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم

- ‌ علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ أبو الدرداء رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عباس رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

- ‌ عبد الله بن عمر رضي الله عنه

- ‌ المسور بن مخرمة رضي الله عنه

- ‌ مجاهد بن جبر:

- ‌ محمد بن سيرين:

- ‌ محمد بن شهاب الزهري:

- ‌ أبو إسحاق السبيعي:

- ‌ سفيان الثوري:

- ‌ الفضيل بن عياض:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌ الذهبي:

- ‌ ابن كثير:

- ‌المفاضلة بين معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز:

- ‌أقوال السلف فيمن سبَّ معاوية رضي الله عنه

- ‌ عمر بن عبد العزيز:

- ‌ الحسن البصري:

- ‌ الإمام مالك:

- ‌ الإمام أحمد:

- ‌ شيخ الإسلام ابن تيْميَّة:

- ‌الفصل الرابع شبهاتٌ وردُود

- ‌الشُّبهة الأولى: الأحاديث الواردة في ذم معاوية رضي الله عنه

- ‌أ- حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه -وفي لفظ: فارجموه

- ‌ب- حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»

- ‌جـ- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة(1)، وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت:

- ‌د- عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب،…، قالت: فلما حللتُ ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية ف

- ‌الشبهة الثانية: تعامل معاوية رضي الله عنه بالربا:

- ‌الشبهة الثالثة: بيع معاوية رضي الله عنه الأصنام:

- ‌الشبهة الرابعة: سمُّ معاوية للحسن بن علي رضي الله عنه

- ‌الشبهة الخامسة: قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد:

- ‌الشبهة السادسة: قتل معاوية للأشتر مالك بن الحارث النخعي:

- ‌الشبهة السابعة: قتل معاوية لحُجْر بن عدي

- ‌الشبهة الثامنة: لعنُ وسبُّ معاوية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌الشبهة التاسعة: محاولة معاوية نقل منبر النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام:

- ‌الشبهة العاشرة: استلحاق معاوية رضي الله عنه زياد بن أبيه:

- ‌جريدة المصادر والمراجع

الفصل: ‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

لقد شهد الحسن مع أبيه هذه الحروب والقتالات، والمعارك والنزاعات، ورأى هلاك الناس وسفك دمائهم، فعافت نفسه الأبية الشريفة أن يكون مسعرا لأتون حرب مرة أخرى تُزهق فيه أرواح المسلمين، لينال هو في نهاية الأمر خلافة أو إمارة، أو عرضا زائلا من أعراض الدنيا.

إذن: لقد حانت اللحظة التي طالما انتظرها الحسن، أن يكون مُصلحا بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم يعد على وجه الأرض في هذا الزمان من هو أعظم فئة في المسلمين منه ومن ومعاوية.

لقد حانت اللحظة ليحقق الحسن نبوءة جدِّه عليه الصلاة والسلام، وليكون بحقٍّ: سيَّداً

(1)

، وهو لهذا الوصف أهل، فقد نعته به من لا ينطق عن الهوى، لذا عزم الحسن على المضيِّ في هذه الخطوة بكل ثقة وتصميم.

لكن: كيف؟!

‌كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

؟!

لقد وفَّق الله عز وجل الحسن إلى السير على نسق خطوات متتابعة حتى يصل إلى ما يريد؛ وهي:

الخطوة الأولى: طلبه من الناس حال بيعته أن يسمعوا له ويطيعوا، ويدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به، ويحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم؛ فبايعوه على ذلك.

فعن خالد بن مضرب قال: «سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم. قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت»

(2)

.

(1)

قال المهلَّب -كما في فتح الباري (13/ 67) -: "هذا الحديث -يعني: حديث: إن ابني هذا سيد- دالٌّ على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لكونه علق السيادة بالإصلاح".

(2)

إسناده صحيح: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 286 - 287).

ص: 148

وعن ميمون بن مهران قال: «إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين: بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به»

(1)

.

وبذلك: هيَّأهم الحسن لقبول أي قول يختاره، وأخذ عليهم العهد على مسالمة من يسالم، وهذا عهد عام، يدخل فيه معاوية وأهل الشام.

الخطوة الثانية: تذكير الحسن للناس بفضله ومكانته، فهو أميرهم، وابن بنت نبيهم، وهو أولى الناس أن يُطيعوه، وقد جاء هذا التذكير عقب محاولة اغتيال له بعد تولِّيه الخلافة بقليل.

فعن أبي جميلة ميسرة بن يعقوب: «أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه فمرض منها أشهرا ثم برئ، فقعد على المنبر؛ فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءً»

(2)

.

(1)

إسناده حسن: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 316 - 317)، وفي سنده جعفر بن بُرْقان، صدوق يهم، كما في التقريب (932).

(2)

إسناده صحيح إلى أبي جميلة: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 323)، وأبو جميلة هو: الطُهوي، صاحب راية علي، وهو مقبول، كما في التقريب (7039)، لكن يقوِّيه ما يأتي بعده.

ص: 149

وعن هلال بن يساف قال: «سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وأنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قال: فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من يومئذ»

(1)

.

الخطوة الثالثة: خروج الحسن بالجيش من الكوفة، وذلك نزولا على رأيهم.

لم يشأ الحسن أن يصطدم بمن معه مبكراً، وأن يفصح لهم عما في نفسه، فلما طلبوا منه الخروج للقاء أهل الشام؛ خرج بهم، ولكن لم تكن نيَّتُه نيَّتَهم.

فعن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي السفر، وغيرهم؛ قالوا: «بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي، ثم قالوا له: سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله، وارتكبوا العظيم، وابتزوا

(2)

الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكن الله منهم. فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة، في اثني عشر ألفا»

(3)

.

(1)

إسناده صحيح: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 318).

(2)

أي: أخذوا الشيء بجفاء وقهر. انظر: القاموس المحيط (ص: 503).

(3)

حسن بمجموع طرقه: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 319 - 320)، وفي طريق الشعبي: مجالد بن سعيد، ليس بالقوي، كما في التقريب (6478)، وفي طريق أبي إسحاق وأبي السفر سعيد بن يحمد: يونس بن أبي إسحاق، صدوق يهم، كما في التقريب (7899).

ص: 150

يقول ابن كثير: «ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يُسمع بمثله، فأمَّر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا بين يديه، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدا بلاد الشام ليقاتل معاوية وأهل الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها، وقدَّم المقدمة بين يديه»

(1)

.

الخطوة الرابعة: استشارة الحسن الأقربين منه في مبادرة معاوية للصلح:

تؤكد الروايات الصحيحة أن معاوية هو من بدأ بطلب الصلح، ودفع معاوية لهذا -غير رغبته في وقف القتال، والحفاظ على المسلمين كما سيأتي- أنه آنس من الحسن سماحة ورشدا، وكراهة للحروب والفتن، وقد صادف هذا ما يهواه الحسن ويتمناه، فبدأ باستشارة الأقربين منه.

(1)

البداية والنهاية (11/ 131 - 132).

ص: 151

فعن عمرو بن دينار: «أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي عليٌّ بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا، وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه

(1)

، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر

(2)

: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي، وقال: اقعد يا هناه

(3)

، اجلس، فجلست، قال: إني قد رأيت رأيا وأحب أن تتابعني عليه، قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقُطِّعت فيها الأرحام، وقُطِّعت السبل، وعُطِّلت الفروج - يعني الثغور- فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيراً، فأنا معك على هذا الحديث، فقال الحسن: ادع لي الحسين. فبعث إلى حسين فأتاه؛ فقال: أي أخي، إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه، قال: ما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين: أعيذك بالله أن تُكذِّب عليَّاً في قبره وتصدِّق معاوية، فقال الحسن: والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري، قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد عليّ، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك»

(4)

.

الخطوة الخامسة: قبول الحسن مبادرة معاوية، وتنازله له، مع اشتراطه الأمان لمن معه

(5)

:

(1)

أي: يجعل الخلافة له من بعده.

(2)

هو: عبد الله بن جعفر الطيار.

(3)

أي: يا رجل.

(4)

إسناده صحيح: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 331).

(5)

استفدتُ هذا التقسيم من صاحب كتاب: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص: 102)، وهو يسمي هذه الخطوات مراحل، وإن كنتُ اختلفتُ معه في عدد هذه الخطوات، وبعض تفاصيلها.

ص: 152

قال الحسن البصري: «استقبل -والله- الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قَتَل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء؛ من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له: واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه فتكلما، وقالا له: فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال

(1)

، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها

(2)

، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا، قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه»

(3)

.

ثم «قام الحسن فقال: يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني، أو حق جُدتُ به لصلاح أمة محمد، وإن الله قد ولَّاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك، {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ}، ثم نزل»

(4)

.

(1)

قال الحافظ في فتح الباري (13/ 65): "أي: إنا جُبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا من الأهل والموالي، وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة".

(2)

قال الحافظ في فتح الباري (13/ 65): "قوله: "إن هذه الأمة"، أي: العسكرين الشامي والعراقي، "قد عاثت" بالمثلثة، أي: قتل بعضها بعضا، فلا يكفون عن ذلك إلا بالصفح عما مضى منهم، والتألف بالمال، وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة، وتفرقة المال على من لا يرضيه إلا المال".

(3)

صحيح البخاري (2704).

(4)

إسناده صحيح: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 331 - 332).

ص: 153

وفي رواية أن معاوية تكلَّم، ثم طلب من الحسن أن يُكلِّم الناس.

فعن الشعبي قال: «شهدتُ الحسن بن علي رضي الله عنه بالنخيلة حين صالحه معاوية رضي الله عنه، فقال له معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم، وأخبر الناس أنك قد سلَّمت هذا الأمر لي. فقام فخطب على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه - قال الشعبي: وأنا أسمع - ثم قال: أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى، وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به، أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين، وحقن دمائهم، {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} ، ثم استغفر ونزل»

(1)

.

وكان الحسن يؤكد على سبب تنازله وقبوله الصلح بعد ذلك؛ وهو: رغبته في الحفاظ على دماء المسلمين، وتخوفه من السؤال بين يدي الله؛ فكان يقول:«خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر من ذلك وأقل، كلهم تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيما هريق دمه»

(2)

.

(1)

حسن بشواهده: أخرجه سعيد بن منصور -كما في فتح الباري (13/ 63) -، والطبراني في الكبير (3/ رقم 2559)، والبيهقي (16712)، وفي الدلائل (6/ 444)، وفي سنده مجالد بن سعيد، تقدَّم أنه ليس بالقوي، لكن يقويه هنا ما صحَّ قبله.

(2)

إسناده حسن: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم للصحابة، الطبقة الخامسة، 1/ 332)، وفي سنده علي بن محمد المدائني، تقدَّم أنه كان صدوقا، عارفا بأيام الناس.

ص: 154

ولم يكتفِ الحسن رضي الله عنه بذلك، بل أتى بقيس بن سعد بن عبادة قائد عسكره ليبايع معاوية

(1)

.

فعن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين قال: «لما بايع الحسن معاوية، ركب الحسن إليه إلى عسكره، وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا العسكر قال الناس: جاء قيس، جاء قيس، فلما دخلا على معاوية بايعه الحسن، ثم قال لقيس: بايع. فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجرة ولم يرفعها إلى معاوية! ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه، ومد يده حتى مسح على يد قيس وهي في حجره.

قال جرير: وحكى لنا محمد -يعني: ابن سيرين- صنيعه، وجعل يضحك، وكان قيس رجلا جسيما»

(2)

.

وكان قيس بن سعد معرضا في بداية الأمر عن البيعة، ثم شرح الله صدره لهذه البيعة، هو ومن معه.

فعن عروة بن الزبير قال: «كان قيس بن عبادة مع علي مقدمته، ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم بعدما مات علي، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، فقال لأصحابه: ما شئتم؟ إن شئتم جالدت بكم أبدا حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أمانا، فقالوا له: خذ لنا أمانا، فأخذ لهم أن لهم كذا وكذا ولا يُعاقَبوا بشيء; وإني رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه شيئا، فلما ارتحلوا نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ»

(3)

.

(1)

تذكر بعض الروايات في تاريخ الطبري (4/ 552 - 553) أن معاوية حاول استمالة قيس في زمن علي بن أبي طالب، وكان عامله على مصر، فلما فشل في ذلك أثار بين الناس أن قيسا معه، حتى بلغ ذلك عليَّاً فعزله، وجعل الأشتر مكانه! وهذا مع نكارة متنه، ومعارضته للثابت المتقدم من تواجد قيس مع علي ثم مع الحسن من بعده؛ فإنه من مراسيل الزهري، وقد قدَّمنا الكلام عنها.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (3/ 50 - 51).

(3)

إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (30581).

ص: 155