الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - كتاب بَدْءِ الوَحْي
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ:
1 - بابٌ كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)
1 -
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىُّ قَالَ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِىَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» . أطرافه 54، 2529، 3898، 5070، 6689، 6953 تحفة 10612 - 2/ 1
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيْرة بن بَرْدِزْبَه الجُعْفِي البُخَاري رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن). وليُعْلم أن حديث: «كل أمر ذي بال» .. إلخ، اضطربت فيه الألفاظ الواردة، بعضها:«باسم الله» ، وبعضها:«بحمد الله» . وخَالَ بعضُهم التعارض، وظن اختلاف الألفاظ اختلاف الحديث. والحال أن الحديث واحد، ومع اضطراب كلماته حسَّنه الحافظ الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح، وهو شيخ الإمام النووي، دقيقُ النَّظر، واسع الاطِّلاع، وليس صاحبه النووي مثله في الحديث. فالعمل بالحديث إما بصورة الجمع، فيراد ذكر الله، ويؤيده ما ورد في رواية:«بذكر الله» ، وإما يرجَّح اللفظ الأول، لأن أول ما نزل من القرآن:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ} ، فالتَّأسي به يحصل بالشروع بالبسملة، وأيضًا يؤيده افتتاح كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الملوك، وكُتُبِهِ في القضايا بالبسملة. وراجع «الفتح» و «العمدة» للتفصيل
(1)
.
(1)
أي فيما ذكر في المقدمة.
وبالجملة: فلا إيراد على الإمام البُخاري في افتتاحه الصحيح بالتسمية دون التحميد، وما يُذكر من حمل الابتداء بالحقيقي في لفظ، وبالإضافي في لفظ، أو العرفي، فلا يُعبأ به، لأن مدارَ ذلك على تعدُّد الحديث. وذِكَرُ الاحتمالات التِّسْعةِ من بين صحيح وباطل ههنا كلها من سَقْط الكلام.
(باب): لفظُ الباب مضاف. أو مبني كمَثْنَى وثُلاث. قال الرَّضِيّ: إن المفردات على سبيل التوارد مبنية. وقد عَلِمت من عادات المصنِّف رحمه الله تعالى أنه يُصدِّرُ الأبواب بصيغة السؤال، ولا يجيب عنه، بل يوجه النَّاظر إلى الحديث ويكون الجواب فيه.
(بَدْء): مهموز، وقيل: بدو، بمعنى الظهور، والأول أولى، لما في بعض النسخ:«كيف ابتداء الوحي» ولأنه نظير قوله فيما بعد: «بَدْء الأذان» و «بدء الحيض» ، فهذا بَدء الوحي على شاكلة أخويه. واعتُرضَ عليه، أنه لو قال: كيف كان الوحي؟ لكان أحسن، لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي مطلقًا، لا لبيان كيفية بدء الوحي فقط. وأجاب عنه شيخ الهند رحمه الله تعالى أن البدء ههنا عام، سواء كان زمانيًا، أو مكانيًا، أو باعتبار صفات المَوْحَى إليه، فيدخل فيه سائر ما يتعلق بالوحي، وجواب آخر للشاه ولي الله رحمه الله تعالى فراجعه من تراجمه.
وما سنح لي بعد الإمعان في صنيعه، والنظر إلى نظائره، كبدء الأذان وبدء الحيض، أن البَدء عنده لا يختصُ بالحصة الابتدائية، بل يعتبر مما يضاف إليه لفظ البدء بما فيه من أحواله أولًا، ثم يضاف إليه لفظ البدء ثانيًا، ثم يُسأل عنه أن بدء هذا المجموع كيف كان؟ وحينئذٍ فيندرج تحته جميع أحواله، وهكذا فعل المصنف رحمه الله تعالى فيما بعد أيضًا. فقال:«بدء الأذان، وبدء الحيض» ، ثم لم يقتصر على أول الحال فقط، بل ذكر حالهما من الأول إلى الآخر، ففهمت من صنيعه أنه لا يريد من لفظ البدء البداية في مقابل النهاية، بل بدؤه بعد أن لم يكن، ووجوده من كَتْم العدم، فهو سؤال عن هذا الجنس بتمامه، أنه كيف بدأ؟
فالحاصل: أن معناه، السؤال عن جنس الوحي، وجنس الأذان، وجنس الحيض، أنه كيف جاء من كتم العدم إلى ساحة الوجود؟ وحينئذٍ معناه كونه بعد أن لم يكن، لا بدايته قبل نهايته، وهذا التصرف في لفظ البدء مستفادٌ من كلام المصنف رحمه الله تعالى نفسه، لا أني تصرفت في كلامه، وصرفته عن ظاهره
(1)
.
(1)
ويقول العبد الضعيف، وتؤيده نسخة البدو: وإن نظر فيها الحافظ رحمه الله تعالى، لأن بدء الوحي بهذا المعنى هو بدوه وظهوره، فصار مآل النسختين واحدًا، غير أن النظر في البدء إلى ظهوره أولًا، بخلاف البدو، فإنه الظهور مطلقًا، فإن شئت قلت: كيف ظهر الوحي وكيف بدأ؟ وإن شئت قلت: كيف وجدت تلك الحقيقة أولًا، فهو إذا بمعنى لا سابق له، لا بمعنى المتقدم على الغير، كما في الفقه، لو قال:"أول عبد أملكه فهو حر، فملك عبدًا عتق" مع أنه لم يملك غير هذا العبد، فكذلك معنى بدء الوحي وجوده أولًا بعد أن لم يكن، فلم يلاحظ في هذا الاعتبار أجزاء الوحي، ليكون البدء أول أجزائه، بل اعتبرت الحقيقة جملة، كالحقيقة البسيطة، ولا يكون بدؤها إلا ظهورها، ثم معنى الأولية مراعًا فيه، فإن الوحي كان انقطع بعد زمن عيسى عليه السلام ثم بدأ من زمن =
وبعبارة أخرى، معناه: كيف بدأت تلك المعاملة مع المخلوقات؟ ولك أن تقول: إن بدء الوحي مقصود بالذات، وبقاءه مقصود بالتبع. أما معنى الوحي فسيجيء الكلام فيه عن قريب.
ولعمري أن المصنف رحمه الله تعالى أبدع في بدء كتابه، فصدَّره بالوحي على خلاف دأب المصنفين رحمهم الله تعالى، إشارة إلى أن أول معاملة العبد مع ربه إنما تقوم بالوحي، ثم بالإيمان، ثم بالعلم، ثم بسائر الأعمال، كما قال تعالى:{مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الإِيمَانُ} الآية [الشورى: 52] ثم علَّمَه ما علمه بالوحي، فهو مقدمه للإيمان والأعمال، فهو مقدمٌ طبعًا، فلا بد أن يكون مقدَّمًا وضعًا.
(وقول الله عز وجل أراد به التوجيه إليه، والرعاية له والاستيناس منه، دون الاستدلال به. ثم اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى ربما يذكر قطعة آية ولا يذكرها بتمامها. ويكون مقصوده في اللاحق أو السابق، فيتحير هناك الناظر، حيث لا يرى لها مناسبة بالمقام، فاعلم ولا تغفُل. وإنما انتخبها المصنف رحمه الله تعالى من بين سائر الآيات لكونها أبسط آية في باب الوحي، والغرض منه بيان مبدأ الوحي، أنه هو سبحانه وتعالى، وأنه إذا كان مبدأ هذا الوحي هو مبدأ وحي نوح عليه السلام والنبيين من بعده، فوجب لأهل الكتابين أن يؤمنوا به كما آمنوا بوحيهم، وأنه لما كان مبدؤهما واحدًا، فإنكار هذا الوحي كأنه إنكار لوحيهم أيضًا.
وقوله تعالى: (كما أوحينا) بيان سنة، أي إيحائنا سنة قديمة من لَدن نوح إلى يومنا هذا، وليس بأمر جديد ليتوحش منه متوحش، ويتأخر عنه متأخر. وإنما خص نوحًا بالذكر، ولم يذكر آدم عليه السلام، لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله رحمه الله في رسالته:«تأويل الحديث» .
وذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه لما هبط آدم عليه السلام من الجنة أعطي بذورًا للزرع، وأكثر أحكامه كانت من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يُعلم من التفاسير، أن الكفر إنما ظهر في السِّبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله تعالى لِزَهْقِهِ هو نوح عليه الصلاة والسلام ولم يكن قبله كفر، ومن ههنا صار لقبه:«نبي الله» فإنه أول نبي بعث لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِهِ، فهو آدم الثاني، ومنه نُشر العالم من بعد لفه، كذا ذكره المؤرخون.
ثم إنه لما بُعث ودعا الناس إلى التوحيد ولم يؤمنوا به، وكان من أمره ما كان، واستقر
= نبينا صلى الله عليه وسلم فهو كقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} معناه كما خلقناكم بعد أن لم تكونوا شيئًا، كذلك نبعثكم ثانيا بعد موتكم، فخلق العالم جملة من الأول إلى الآخر هو بدؤه، فهكذا بدء الوحي معناه: وجود تلك الحقيقة أولًا، وإنما طوَّلت فيه هذا التَّطويل، لإيضاح مراد الشيخ وتفيهمه، مع الايماء بتأييده من نسخه أخرى.
ثم إن الفرق بين كلامه وكلام شيخ الهند رحمه الله تعالى أن شيخه أخذ العموم في البدء بحسب الزمان والمكان، سؤالًا عن جزء من أجزاء الوحي، بل عن الحقيقة، وهي تتحقق في جميع موارد تحققها، فذكر جميع أحوالها باعتبار تحقق تلك الحقيقة هناك، لا باعتبار جزء دون جزء، وحال دون حال.