الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفتين». والبحث عن مسألة النية في العبادات قد مر منا في شرح الحديث الأول مستوفى، وأن حديثَ:«إنما الأعمال بالنيات» مخصوصٌ عند الكل، فإن طاعاتِ الكافر وقُرُباتِهِ كلَّها يصحُ وحاجة فيها إلى النية عند أحد.
(والأحكام) لا يُعلم ماذا أراد بها المصنف رحمه الله تعالى. أما الفقهاءَ فيريدونَ بها مسائل القضاء، ولعل المصنف رحمه الله تعالى أراد منها بقية المعاملات، وهي خارجةٌ عن الحديث عند الشافعية وعند الحنفية على القول المشهور. قلت: وفي المعاملات أيضًا نيةٌ، إلا أن في المعاملات جهتين: جهة تتعلق بالعباد ولا عبرة للنية فيها، وجهة تتعلق بالله تعالى والنيةُ معتبرة فيها أيضًا. فالحديث عامٌّ عندي كما قاله المصنف رحمه الله تعالى.
(على شاكلته) فسَّره المصنف رحمه الله تعالى بالنية. وأصلَ معناه على مناسبةٍ طَبْعيَّة، فالإنسان إنما يعمل على طريقةٍ طبعية، ومناسبتها كيفما خُلِقَتْ وطُبِعَتْ، فمن طُبِعَ على السعادة يعمل لها، ومن طُبِعَ على الشَّقَاوة يعمل لها.
(ونفقة الرجل
…
إلخ) وقد مر أن النيةَ الإجمالية كافيةٌ لإحراز الثواب، وإنما الضروريُّ انتفاء النية الفاسدة فقط، فينبغي أن يَحْصُلَ الأجرُ في نفقة العيالِ بدون الاحتساب، لأن الاحتسابَ أمرٌ زائدٌ على النية. وقيَّدَ الاحتساب ههنا لأنه موضعُ ذهولٍ، لا يرجُو فيه الأجر أحد، فإنه أمرٌ طبعيٌ، فزاد الاحتسابَ تنبيهًا على هذا، كما مر مفصلًا.
(ولكن جهاد ونية) هذه قطعة حديثٍ قاله في فتحِ مكة. ومعناها أن الهجرة من مكةَ إلى المدينة قد خُتمت، لأن مكةَ صارت دارُ الإسلام، ولكن الجهاد والنية باقيانِ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يتمنَّى أن يجتهدَ في الدين فلا يتأسَّف من انقطاع الهجرة، فإن المجالَ واسعٌ بعدُ، فالجهادُ باقٍ والنية باقيةٍ، فليجتهد فيها.
43 - باب قَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91].
57 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. أطرافه 524، 1401، 2157، 2714، 2715، 7204 تحفة 3226
58 -
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَتَيْتُ
النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَىَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّى لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. تحفة 3210
وفيه تعريفُ الطرفين وهو يفيد القصر، إلا أن التفتازانيَّ يقول بالقصر من جانب واحدٍ، وهو المُعرَّف بلام الجنس فقط فالأميرُ زيدٌ وزيدٌ الأمير: معناهما واحد عنده، أي قَصَرَ الأعمَ على الأخصِّ. وفصَّل فيه الزمخشري أن القَصَرَ قد يكون من جانب المبتدأ وقد يكون من جانب الخبر أيضًا، فجوَّزَهُ من الطرفين، وهو الحق عندي. قال في «الفائق» في حديث:«لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» إن الله مقصورٌ والدهرَ مقصور عليه. والمعنى أن الله هو الجالب للحوادث لا غير الجالبِ. قلت: بل فيه تعريفُ المبتدأ بحالِ الخبر كما في قوله:
*فإنْ قَتَلَ الهوى رجلًا
…
فإني ذلك الرَّجُلُ
وحينئذٍ معنى الحديث عندي: أيها المخاطب أنك تعرفُ الدهرَ من قَبْلُ بنسبة جلبِ الخير والشر إليه، فالله هو ذلك الدهرُ. وبمثله قرره الزمخشري في قوله تعالى:{وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] في «الكشاف» ، وعليه قوله صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه» عندي يعني: أنك تعلمُ الطَّهُورَ من القرآن: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآء مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] فالطَّهُور الذي تعلمه هو هذا. ومعنى قوله: «الدين» مقصور على النصيحة فقط، وليس بغش فالمبتدأ مقصورٌ والخبر مقصور عليه. وكذا قوله:«الدعاء هو العبادة» معناه الدعاء مقصورٌ على صفةِ العبادة، لا أن العبادةَ مقصورةٌ على الدعاء كما فهمه الناس. فترجمته دعا عبادت هى هى والناس يترجمونه دعا هى عبادت هى. ثم النصيحة لله أن لا تشركَ به شيئًا، وللرسول أن تصدِّقه فيما جاء به، وللأئمة أن تطيعَهم، ولعامة المسلمين أن تتعامل معهم بالخلوص بدون غش، والله تعالى أعلم. وهذا آخر كتاب الإيمان
(1)
.
(1)
قلت: إن الشيخ رحمه الله قد خالف في كثير من شرح تراجم الأبواب وغيره الشارحين، وهو أهل لذلك لا يجب عليه تقليدهم، ثم مع هذا ربما يكون من قبيل احتمالٍ من المحتملات، لا يكون على سبيل الجزمِ واليقين، بل هو أيضًا محتمل من المحتملات وسرُّ ذلك قد علمته أن المصنف العلام من غاية رفعته وفَرْط ذكائه، سلكَ مسلك الاختصار ولم يُفصِح بمراده في مواضع، لأنه لا يريد أن يتكلم بَلفظ مِنْ قَبْلِهِ إلّا إذا اضَطُّر إليه، وذلك أيضًا في التراجم، ولذا يأتي بالأحاديث في تراجمه، فإذا أراد أن يقولَ شيئًا من قِبَلِ نفسه وضعَ بدلهَ حديثًا يؤدي مؤدَّاه، فإِذا لم يجد له حديثًا أتى بلفظ أو لفظين مِنْ قَبْلِه، ومن ههنا ترى ضيق نطاق بيانِهِ، وحينئذٍ لا بد أن يَحْدُثَ الاختلاف في شرح التراجم، وهذا هو السبيل، فيما يأتي أيضًا، فعليك أن تتأمل في أمثال تلك المواضع. ثم إن بعد هذا الإِطناب ههنا كلام جميل للشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى محقق هذه الأمة تَنَبهتُ له من تنبيه شيخي في "مشكلات القرآن" وها أنا أعرِّبُه لك إفادة.
واعلم أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بمعنى /كرويدن، وباور كردن/ ويتعلق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كونه من الدين ضرورة، وذلك لأن الله تعالى جعله من أفعال القلب في مواضع فقال:{وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وقال: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] وقال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] لا شك أن فعلَ القلبِ هو التصديق لا غير، ثم إن ذكرَه مع الحسنات والمعاصي وقارَن بيَنه وبينَنا بالعطف فقال:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] وقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ =
.........................
= اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] فدل على أن الطاعات ليست أجزاءً له، كما أن المعاصي ليست محبطةً له مطلقًا، ثم إنه نعى على مَنْ أقر باللسان فقط ولم يؤمن قلبُه كما في البقرة فقال:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة: 8] فعلم أن الإِقرار فقط ليس إلّا حكاية عن الإِيمان، فإِن طابقت تلك الحكايةُ مع المحكي عنه فبها وإلّا فالإِقرارُ المحضُ لا يزيد إلّا الخداع والكذب.
وتحقيقُ المقام أن للإِيمان أيضًا وُجُودَات كما هي لسائر الأشياء: وجود عينيٌّ، ووجود ذهني، ووجودٌ لفظيٌّ. وقدَ تقرر عندهم أن الأصل فيها هو الوَجود العيني، وسائرها فروعٌ وتوابعٌ فالوجود العيني للإِيمان هو نورٌ يُقذَفُ في القلب بِرفعِ حجاب بينه وبين الحق، وهذا هو النور الذي حَكَى عنه الله تعالَى في قوله:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] وذكر تمثيله بإشباعٍ، ثم ذكر سبَبَه في قوله:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
وهذا النورُ مِثلُ سائر المحسوسات، قابلٌ للقوةِ والضَّعف، واشتدادٍ وانتقاص، وهو الذي يزيدُ وينقُصُ كما في قوله:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] ونحوها كثيرًا، والسرُّ فيه أن الحُجُبَ كلما ترتفع يزدادُ هذا النور، ويزداد الإِيمانُ قوة وثباتًا إلى أن يبلغَ الأوج، ثم أنه يتسعُ ذلك النور شيئًا فشيئًا حتى يحيطَ بالأَعضاءِ كلِّها، والقِوى أجمعِها، وحينئذٍ ينشرحُ الصدرُ للإِسلام، ويطلعُ على حقائقِ الأشياء، وتتجلى على مُدرَكَتِه غيوب الغيوب، ويعرفُ كلَّ شيء في محله ويذوقُ من وجدانه ما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخبروا به إجمالًا أو تفصيلًا، ثم يزيدُ هذا النورُ والانشراح حتى ينبعثَ القلبُ إلى الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن مناهيه. وبعد ذلك ينضم هذا النورُ مع أنوارِ الأخلاق الفاضلة، والمَلَكَات الحميدة، والأعمالِ الصالحة، فيضيءُ ظلماتِ الطبائعِ البهيمية والشهوانية، فتذل له، وإليه أشير في قوله تعالى:{نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [التحريم: 8] وفي موضع آخر: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] هذا في الوجود العيني.
أما الوجودُ الذهني فله درجتان: "الأولى": ملاحظة المعارَف المتجلِّية إجمالًا، والنظرُ إلى الغيوب المنكشفةِ كليًا، وهو مفاد كلمة: لا إله إلّا الله محمد رسول الله وتسمَّى تلك الملاحظةُ تصديقًا إجماليًا وبلفظ آخر: /كرويدن وباور كردن/؛ و"الثانية" ملاحظة كل من تلك الغيوبِ المتجلية تفصيلًا، بمعنى كل فرد فرد، مع الارتباط بينها، وتسمَّى تصديقًا تفصيليًا.
أما الوجود اللفظي ففي اصطلاح الشرع عبارة عن الشهادتين فقط. وظاهر أن الوجود اللفظي للشيء بدون تحقق حقيقة لا يُسْمِنُ ولا يُغني من جوع، وإلّا لزم أَن يروي، الغليل من ذكر الماء ويشبعَ الجائع من اسم الخبز، ولكن لمّا لم يكن في عالم البشر للتعبيرِ عما في ضميرِهِ سبيلٌ غير النُّطقِ والتلفظ، صار للشهادتين دَخل عظيم في الحكم بالإِيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحقها وحسابهم على الله" ومن ههنا عُلِمَ كيفية زيادةِ الإيمان ونقصانه، وقوته وضعفه، ولاح أن ما ورد في الحديث الصحيح:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وقوله:"والحياء من الإيمان"، وقوله:"لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بواثقه" كلها محمول على كمال الإِيمان والوجود العيني له. ومن ذهب إلى نفي الزيادة والنقصان أراد المرتبة الأولى من الوجود الذهني، وحينئذٍ لم يبق بين الفريقين نَزاعٌ ولا خلاف.
ثم الإِيمان على نحوين: تقليدي وتحقيقي. والتحقيقي أيضًا ينقسِمُ إلى قسمين: استدلالي وكشفي. وكل منهما على نحوين: إما أن يبلغ إلى حدِّ لا يتجاوزه أولا. والثاني: يُسمَّى علم اليقين. والأول على ضربين: إما المشاهدة، وُيسمَّى بعين اليقين، أو الشهودِ الذاتي، ويسمى حقَّ اليقين. وهذانِ الأخيران لا يدخلان في الإيمان بالغيب هذا.