الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
2 - كتاب الإِيْمَان
(1)
الإيمانُ وَمَعْنَاهُ اللُّغوي
الإيمان في اللغة: عبارة عن التّصديق، وقد يجيءُ بمعنى الوثُوق، لأنه إفعال من الأمن،
(1)
يقول العبد الضعيف: إن مسألة الإيمان كانت في نفسها سهلة المأخذ، ظاهرة المراد، إلا أنه تعسر تحصيل مراد مقالة السلف، وتحقيق وجه الخلاف من الخلف، فصارت صعب المنال، بعد ما كانت موضوعة على طرف الثمام، وكان كلام الحافظين في هذا المقام، كلام المتأخرين لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل، فجاء شيخنا (رحمه الله تعالى) مشمرًا عن ذيله، فنقح كلام السلف ولخص من كلام الحافظ ابن تيمية (رحمه الله تعالى)، وأصلح ما وقع منه الإفراط والتفريط، وزاد عليه أشياء من عنده، وعين موضع الاختلاف، وحقق مراد القائلين، بحيث ارتفع الخلاف، فحصحص الحق، وزهق الباطل، إلا أنه لوفور علمه لم يكن يهذب هذا التهذيب الرائج، وكان يهطل هطلا، ويفيض علينا الدرر والغرر مدرارًا، فكانت نفسي الشحيحة تشح أن تضيع قطرة من وبله. وتحرص أن تحوز كله في ذيلها، إلا أنها كانت قصيرة قاصرة عن جمع جميع مدركاته، فلم تكن تقدر على شيء غير الطل من الوبل، فمضى على الحال، إذ جمع الله في صدري منه ما شاء، فأخذت وريقة وقيدت فيها ما كنت أسمعه يقول، ورتبت فيها ترتيبًا يقرب اقتناصه، ثم عرضتها بين يدي شيخي فاستحسنها، والحمد لله، فأردت أن أضعها ههنا، كما كنت قيدتها في سالف من الزمان، ثم أفصل ما فيها مع الترتيب والتهذيب، وأرجو من الطلبة أن يعاينوها بجد واجتهاد، فإني عرضت بين أيديهم ما لا يرجى دركه بعد ضرب الأكباد ورتبت الكلام وهذبته حسب ما أدى إليه طوقي وفكري، وإن لم يتيسر على قدر ما كانت تتحدث به نفسي، وأسأل الله أن يرزقني شرحها كما أريد، ثم النفع بها إياي ولمن يريد، إنه حميد مجيد.
(صورة البطاقة التي أرجو أن أزن بها كفة أعمالي يوم الحساب)
واعلم أن الايمان من الأمن، على حد قوله صلى الله عليه وسلم "المؤمن من آمنه الناس على دمائهم وأموالهم" رواه الترمذي في القلب عمل، والتزام الدين ثبت ضرورة، لا في الدماغ، إلا أن يكون مخرجًا وليس بتصديق، إلا أن يكون اختياريًا أو معه تسليم، فليس بعلم ولا معرفة يتعلق بالمغيبات فقط، وظني: أن الإيمان والإسلام واحد، والكامن أولًا فالبارز ثانيًا، والبارز أولًا فالكامن ثانيًا إسلام، فالمسافة واحدة، وإنما الفرق بالإياب والذهاب، قول وفعل، والأولى عمل فهو إذن مركب، فيزيد وينقص، أو بدونه فبسيط، لا يزيد ولا ينقص. فمسألة الزيادة والنقصان تتفرع على تركب الإيمان وبساطته، ولم يتكلم في نفس التصديق أحد من السلف، حتى تحدث فيه المتكلمون من المتأخرين بما تحدثوا، فأكثرهم إلى النفي مطلقًا، لاستحالة التشكيك، ولاجتماع الكفر والإيمان، وهما مدفوعان، وما عن أحمد أنه معاقدة على الأعمال، فيشير إلى شدة احتياج الأعمال، لأن العقد وسيلة، والمعقود عليه مقصود وإذن يكون الإيمان كالوسيلة ولما اتفق الكل على عدم تكفير المقصر في الأعمال، ودلت الآيات على تغاير الإيمان والأعمال صار نظر الحنفية (تبعًا للقرآن) إنه التصديق فقط، والمراد به الاختياري، فهو رأس الأعمال، وأساسها، ودعامتها، فيكون من أقصى المقاصد، أما الإقرار. فقيل: شرط، وقيل: شطر، وصرح ابن الهمام أنه حتم عند المطالبة، وما يتقرر بعد مراجعة عبارات السلف، =
وهمزة الإفعال إذا دخلت على الفعل المتعدي، فإما أنْ يعديه إلى مفعولٍ ثانٍ، أو يجعله لازمًا على معنى الصَّيرورة.
فالأول، أي التَّصديق، منقولٌ من الأَفعال المتعدية، يقال: آمنته فلانًا، أي جعلتُه آمنًا منه، وآمَنْته غيري، أي جعلت غيري آمنًا منه، وكلا المعنيين اللغويين، معنيان حقيقيان لِلَفظ الإيمان، وُضِعَ أولًا لجعل الشيء أمنًا من أمر، ثم وُضِع ثانيًا لمعنىً يناسبه وهو التَّصديق، فإنك إذا صَدَّقْتَ المخبر فقد أمنته من تكذيبِكَ إياه. وتعدِيتُهُ بالباء لتضمِينه معنى الاعتراف، فإنك إذا صدَّقت شيئًا فقد اعترفت به.
والمعنى الثاني منقول من الأفعال اللازمة، بمعنى صار ذَا أمن، فيتعدى بالباء، ليقال: آمن به، أي وثِقَ به، لأن الواثِقَ بالشيء صار ذا أمنٍ منه، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التَّضمين. وأضاف الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى على معناه اللغوي، فبدأ قيدًا آخر، وقال: إن الإيمان اسم للتَّصديق بالمغيبات خاصة، ولا يطلق الإيمان على غير ذلك، فلا يقال: آمنت بذلك في جواب من قال: السماء فوقنا، ولذا قال تعالى:{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، فقيَّد الإيمانَ بالغيبِ، لأنه لا يتعلق إلا به، وقال: إن الإيمانَ هو تصديق السامِعِ للمخاطب، واثِقًا بأمانته، ومعتمدًا على دِيانته.
وأصلُ الإيمان تبجيل الذاتِ وتعظيمها، ثم استعمل في التصديق مطلقًا، ويتعلق بالذوات والأخبار. فإن تَعَلَّقَ بالذات يُؤْتَى بالباء في صِلته، وإن تعلق بالأخبار فباللام لتضمينه معنى الإقرار، وعليه قوله تعالى:{وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} [يوسف: 17] أي بمقر لنا، ولم يقولوا: بنا،
= هو أنهم لم يجعلوها كالأجزاء للإيمان، فإنهم قالوا: الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فجعلوها مؤثرة في نماء الإيمان وعدمه، لا أجزاء له وحينئذ لا يكون مسألة الزيادة والنقصان من تفريعات قولهم قول وعمل، ويكون الأعمال دخيلة في الزيادة والنقصان، لا داخلة في الإيمان. وقد صرح ابن تيمية (رحمه الله تعالى) بكون قولنا الإيمان لا يزيد ولا ينقص من بدعة الألفاظ، فكأنه لم يجد بدًا من تسليم صحة مقالته (رحمه الله تعالى) فالصواب أن الكل على الحق، ولكل أطراف، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا، ولكل وجهة هو موليها، والوجه: إنه من باب متقضيات الأحوال، وهل النسبة بين الأعمال والإيمان، كنسبة الأجزاء إلى الكل، والأسباب إلى المسبب؟ فهما نظران، قيل: بالأول: وقيل: بالثاني، ثم بدا لي أن نسبة الأعمال إلى الإيمان ليس كنسبة المكمل إلى المكمل أيضًا، كما هو المنسوب إلى الحنفية، ولا كنسبة الأجزاء إلى الكل، كما هو مذهب المحدثين، بل هو كنسبة الفرع إلى الأصل وهي كونه نابتًا عنه ويشهد له القرآن (أصلها ثابت وفرعها في السماء) ولعل تعبير الأعمال بالشعب في حديث الصحيحين نظرًا إلى فرعيتها، لا لجزئيتها، واعلم أن مسألة عدم الزيادة والنقصان لم أجدها مروية عن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) غير أن ابن عبد البر نسبها إليه في التمهيد وأثبت شيء في عقائد الإمام الأعظم (رحمه الله تعالى) وصاحبيه عقيدة الطحاوي وفيه ما يدل على أن الإمام (رحمه الله تعالى) إنما ينفي الزيادة في مرتبة محفوظة بحيث لو انحط عنه لزال اسم الإيمان، وأما فيما بعده فيقول بهما وروى الزبيدي في شرح الإحياء عن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) الزيادة فيه مع نفي النقصان وهو يرجع إلى ما قاله الطحاوي والله أعلم.
فدونك بطاقة حاوية محتوية، كافية كفيلة، جميلة جليلة، جزيلة وجيزة، غير طويلة في باب الإيمان.