الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى بيت المقدس، وإذن لا معنى لتفسيره بِالصلاة عند البيت، فإنه لم يكن لهم إشكال في تلك الصلوات، مع أنه روى النسائي وغيره في الحديث المذكور فأنزل الله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ} : صلاتَكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنف رحمه الله تعالى:«عند البيت» مشكلٌ، مع أنه ثابتٌ في جميع النسخ.
قال بعض العلماء: إن المرادَ من البيت هو بيتُ المقدس، و «عند» بمعنى إلى، فصار الحاصل: يعني إلى بيت المقدس.
قلتُ: والمعروف من البيتِ عند الإطلاقِ بيتُ الله، دون بيتِ المقدس. وأجاب عنه النووي: أن المراد منه الصلوات بمكة، وهو أيضًا كما ترى، فإن الترددَ والشبهة إنما كان في الصلوات التي صُليت بالمدينة سبعةَ عَشَرَ شهرًا إلى بيت المقدس. وقال الحافظ رحمه الله: مقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لم يكن يَسْتدِبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبلَ بيت المقدس، وهذا ضعيف، يلزمُ منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح، وراجع التفصيل من «شرح المواهب» للزُرْقَاني.
وكأن البخاري أراد الإشارةَ إلى الجزم بالأصح، من أن صلاتهم عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على قوله:«عند البيت» ، ولم يقلْ إلى بيت المقدس، اكتفاءً بالأولوية، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت، إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيعَ إذا غابوا عنه، فتديرُ الكلامِ هكذا يعني: صلاتكم التي صليتُمُوها عند البيت إلى البيت المقدس. قلت: إن «عند» ههنا للزمان، والمراد منَ البيت هو بيت الله. والمعنى: أن صلاتَكم إلى بيت المقدس لم تضع عند كون البيت قبلة، وحينئذٍ «عند» زمانية لا مكانية.
بحثٌ أنيقٌ في استقبالِ الكعبة واستقبالِ بيت المقدس، وهل كانا قِبْلتين، أم كانت الكعبة قِبلة لجميع الملل، وهل النسخ وقع مرة أو مرتين
؟
بقى الكلام في أن استقبالَ بيت المقدس كان من الاجتهاد، أم من الوحي، فحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في «هداية الحيارى» أن مكةَ شرفها الله وبيتَ المقدس كانتا قبلتين من قبل، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عيَّنهما، فالقبلتان إبراهيميتان. وذهب جماعة
(1)
إلى أن
(1)
وفي "حاشية جامع البيان" عن "بدائع الفوائد" -واليهود كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة- كذا في "مشكلات القرآن" للشيخ رحمه الله، ص 40.
بيت المقدس لم تكن قِبلة قط، وإنما كان بنو إسرائيل مأمورينَ باستقبال التابوت في صلواتهم، ولم تكن لهم جهة متعينة لصلواتهم، وإنما كانوا يستقبلون بيت المقدس من عند أنفسهم، لا أنها كانت قِبلة لهم، ووجهه أن سليمان عليه الصلاة والسلام لما بناه في زمانه، وضع التابوت في البيت، فجعلوا يستقبلونه لأجل التابوت، لا لكونها قِبلة، إلا أنه لما استمر بها العمل اشتهرِ أنها قِبلتهم.
قلتُ: ولي فيه تردد. والأصلُ أن الذبيحَ اثنان: إسحاق عليه الصلاة والسلام وقرب به في بيت المقدس، فكانت قِبلة لبني إسرائيل، وقرب بإسماعيل عليه الصلاة والسلام في بيت الله، فجعلت قبلة لِبَنِيْهِ، وفي التوراة تصريحٌ بأن يعقوبَ عليه الصلاة والسلام كان غَرَزَ خَشَبةً في بيت المقدس، وكان أوصى لبنيه أن يجعلوها قِبلةً عندما تفتحُ عليهم الشام، وكان أصل التعيين من أبيه، وحينئذٍ تحصَّلَ أن القبلتين كانتا على تقسيم البلاد، فبيت الله كانت قبلةً لأهلها، لأنهم كانوا بني إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وبيت المقدس لأهل المدينة وأمثالهم، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة توجه إلى البيت تبعًا لأهل بلدته، لأن قِبلتَه إذ ذاك كانت هي البيت، لكونه في بلدة قبلتها تلك البيت، فلما تحول إلى المدينة توجه إلى ما كان أهلُ تلك البلدةِ يتوجهون إليها، على ما مر أن تقسيم القِبلتين كان على تقسيم البلاد، لا أن بيتَ الله كانت قبلةً ثم صارت بيت المقدس، قِبلة، بل كلتاهما كانتا قبلتين على السوية، إلا أنهما كانتا على تقسيم البلاد، فلم تكن القبلتان في مكة والمدينة من اجتهاده صلى الله عليه وسلم بل كانتا على الأصل، يعني من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولكنه توجه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الموضعين بحَسَب تقسيم البلاد، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجَّه إلى البيت، لأنه كان من بني إسمعيل، فكان يحب قبلة أجداده.
وعلى هذا التقرير، لا حاجةَ إلى القول بتكرر النسخ كما علمت. ولك أن تقول: إن حاله في الاستقبال يُشبَّهُ بحاله ليلة المعراج، فكما أنه عُرج به من بيت المقدس، ولم يُعرج به من البيت ابتداءً، كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقبال إلى بيت المقدس أولًا، ثم إلى البيت ثانيًا، فإن المقرَّ ونهاية السفر هو بيت الله، وحينئذٍ لا بِدْعَ في تكرر النسخ. وقد عدّ السيوطي رحمه الله تعالى عِدَّة أشياء تكرر فيه النسخ، على أن بيتَ الله كالديوان الخاص، وبيتَ المقدس كالديوان العام، لا يكون إلا لحاجة، والمقرُّ الأصليُ هو الديوان الخاص، فهذا النظر أيضًا يؤيد كون البيت قِبلة بمكة، ثم بيت المقدس بالمدينة لحاجة، ثم البيتُ قِبلة إلى الأبد.
واعلم أن إطلاق الإيمان على الصلاة ليس من باب إطلاق الكل على الجزء كما قال بعضهم، بل لأن صلواتهم إلى بيت المقدس في ستةَ عَشَر أو سبعةَ عشَرَ شهرًا إن ضاعت كلها، فكأنه ضاع إيمانهم، وهذا وإن كان فيه إطلاق الإيمان على الصلاة أيضًا، إلا أنه ليس من الباب الذي فهم، بل هو راجعٌ إلى باب السِّراية دون الجزئية، وحينئذٍ يضعُف استدلال المصنف رحمه الله تعالى منه.
40 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ:
أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]. أطرافه 399، 4486، 4492، 7252 - تحفة 1840 - 17/ 1
40 -
(أول صلاة صلاها صلاة العصر) وفي السير أنها الظهر وجمع الحافظ رحمه الله تعالى بينهما بأن أول صلاةً صُليت إلى بيت الله هي صلاة الظهر، نزل النسخ فيها بعد الركعتين
(1)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في مسجد ذي القِبْلتين، وأول صلاةً صلاها بتمامها إلى البيت هي صلاة العصر، وكانت في المسجد النبوي.
وفي «وفاء الوفى بأخبار دور المصطفى» للسَّمْهُودي وهو تلميذ ابن حجر رحمه الله تعالى ما يدل على أنها نزلت في المسجد النبوي، دون مسجد ذي القبلتين، والحافظ ذَهَلَ عنه. ثم رأيت في تفسير الشيخ محمود الآلوسي رحمه الله تعالى عن حاشية السيوطي رحمه الله تعالى على البيضاوي: أنه كان يرذُ توجيه الحافظ، ويرجح رواية السِّير على «صحيح البخاري» ، والسيوطي رحمه الله تعالى وإن لم يكن مثل الحافظ، لكن رأيت الآلوسي رحمه الله تعالى أيضًا اختار ترجيح رواية السير، فترددت فيه بعده أيضًا.
(فمر على أهل مسجد) قال العيني: إن هؤلاء أهل مسجد القِبْلتين، ومرّ عليهم المار في صلاة العصر، وأما أهل قُباء، فأتاهم آتٍ في صلاة الصبح.
(وأهل الكتاب) قيل: إن كان المرادُ منهم اليهود فقد مر ذكرهم، وإن كان النصارى فليست قِبلتهم بيت المقدس، بل هي بيت لحم، جانب الشرق من بيت المقدس، وهو مولد عيسى عليه الصلاة والسلام، فكان الأمران عندهم سواء، فَلِمَ سخطوا على التحويل عنها؟ والجواب: أن المراد منهم النصارى، ووجه إنكارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يستقبلُ بيتَ المقدس
(1)
ونقل الحافظ رحمه الله عن شرح الحافظ برهان الدين الحلبي على البخاري: أن نِصفَ صلاته كانت إلى بيت الله ونصفَها إلى بيت المقدس، والحافظ برهان الدين حنفي من جهابذة الحفاظ، كان من حفاظ اليمن كما أن ابن حجر رحمه الله كان من حفاظ مصر - وكان كثير التصانيف، إلّا أن ملك تيمور حرق كتُبَه كلها بين عينيه، فلم يبق من تصانيفه نقير ولا قِطْمِير، إلّا ما كان الناس أخذوه نقلًا، وقد أحال الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى على شرحه في موضع من باب المهر، فلعله يكون عنده نقل عنه، ويمكن أن يكونَ بلغ كلامه إليه من أفواه تلامذته، هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز معربا. اهـ.