الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ». فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. أطرافه 1583، 1584، 1585، 1586، 3368، 4484، 7243 - تحفة 16016 - 44/ 1
يريدُ أنَّ العملَ بالمرجوح مع العلم بالراجح جائزٌ إذا كانت فيه مصلحة.
قوله: (الاختيارات) أي الجائزات. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُردَّ بناء البيت إلى البناء الإبراهيمي، إلا أنه لم يفعله لما في الحديث. وترك هذا الاختيار وهو موضع الترجمة.
50 - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
وَقَالَ عَلِىٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
127 -
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِىٍّ بِذَلِكَ. تحفة 10153
128 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» . قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ» . قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا. قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَاّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ «إِذًا يَتَّكِلُوا» . وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. طرفه 129 - تحفة 1363
129 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ ذُكِرَ لِى أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ «مَنْ لَقِىَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . قَالَ أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ «لَا، إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» . طرفه 128 - تحفة 885، 15531 أ
يعني العلم شيءٌ شريف فهل يخصُّ به أحدًا دون أحد؟ فكان الباب الأول في الفرق بين الفَطِن الذكي والبليد الغبي. وهذا البابُ في الفرق بين الشريف والوضيع.
128 -
قوله: (إلا حرمه الله) واستشكله الناس. فإن ظاهره يدلُ على أنه لا حاجة للنجاة إلى سائر الفرائض، بل تكفي لها كلمةُ التوحيد فقط فحملَهُ بعضهم على زمنٍ قبل زمان نزول الأحكام. فإن مدارَ النجاة إذ ذاك كان هو التوحيد فقط. فعند مسلم في باب الرخصة في التخلف عن الجماعة، عَن عِتْبان: فإن الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله. وفي الرواية التي بعده قال الزُّهرى: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور، نرى أن الأمر انتهى إليها، فمن استطاعَ أن لا يغير فلا يغير.
قلت: وهو بعيد جدًا، فإن الراوي معاذ بن جبل وهو أنصاريٌّ، ولا يمكنُ عدم نزول حكم إلا ورودَهم في المدينة، زادها الله شرفًا. وبعضهم قَسَم النار أي: نار الكفار ونار عصاة
المؤمنين
(1)
وحملوها على الأول. أقول: وتقسيمُ النار وإن كان صحيحًا في نفسه لكنه لا يصلحُ شرحًا للحديث. وقد صح في الأحاديث اختلاف أنواع العذاب.
أقول: والصواب عندي أن الائتمارَ بالطاعات والانتهاء عن المعاصي مراعى ههنا أيضًا وإن حذف ذكره من العبادة، لأن الشارعَ لما فرغ من ذِكرها مرة وتفصيلها بابًا بابًا، والترغيب فيها طاعة طاعة، والتحذير عنها معصية معصية، فقد استغنى عن تكريره في كل موضعٍ، لأنه بيَّنَ وأكَّد لسليم الفطرة أن هذه الأشياء أيضًا دخيلة في النجاة عنده، فلم تبق له حاجة إلى القيود في كل مرة، وهو الطريقُ المسلوكِ في العرف، فإنهم يرون المعلوم كالمذكور، وإنما يستوفون الكلام فيما يتعسر انتقال الذهن إليه.
وإنما خصَّ الكلمةَ من بين سائر الأجزاء لكونها أساسًا وأصلًا ومدارٌ للحياة الأبدية، فهي المؤثرة حقيقة. والأعمال وإن كانت دخيلة في تحريم النار، إلا أن المُؤَثِرة فيها هي تلك الكلمة. ثم تلك الكلمة وإن كانت هي المؤثرة، لكنها لا غنية بها عن تلك الأعمال. فالحاصل أن تحريم النار وإن دار بالمجموع لكنه خُصَّ من هذا المجموع ما كان أهم من بينها، وهو تلك الكلمة كالأصل للشجرة، فإنه لا حياةَ لها بدون الأصل. ثم إن هذه القاعدة مُطَّردةٌ في جميع ما ورَدَ فيه الوعد والوعيد، فلا يتعرضُ فيه إلى وجود شرط ورفع مانع، فإنه يكون عنده ملحوظًا على كنهه. وإنما يذكر الكلام مرسلًا لظهوره.
ثم اعلم أن من فطرةِ الإسان أنه يجعلُ كلياتٍ من عند نفسه، وليس هذا إلا لعدم إحاطته بأطراف الشيء وجوانبه، وليس حال العامة كالطبيب، فإنه إذ يحكم على دوائه بأنه مفيد أو مضر، لا يحكم إلا بظنه الغالب، لكن إذا جاءَه واحدٌ من الأغبياء يجعله كليًا ويزعمُ أنه مفيد أبدًا ولا يمكن عنده خلاف ذلك، حتى إذا تخلَّف عنه الحكمُ مرةً يسبُّ الطبيب ويكذبُهُ، ولا يدري أنه لا يسبُّ إلا نفسه. فكذلك إذا أخبر الشارع عن أشياء غائبة وإن كان حكمُهُ عليها
(1)
ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم في باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون، ولكن ناسٌ منكم أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأمَاتَهم الله تعالى إماتَةً، حتى إذا كانوا فُحْمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر -أي جماعات- فبثوا على نار الجنة" إلخ. قال النووي: هذه الأماتةُ إماتةٌ حقيقية يذهبُ معها الإحساس، ويكون عذابهم على قَدْر ذنوبهم ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدَّرها الله تعالى ثم يخرجون من النار موتى.
والوجه الثاني ما حكاه عن القاضي عياض: أنه ليس بموت حقيقي ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال: ويجوز أن تكون آلامهم أخف. انتهى مختصرًا جدًا. وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": ووقع في حديث أبي هريرة أنهم إذا دخلوا النار فإذا أراد الله تعالى إخراجَهم أحسَّهم ألمَ العذاب تلك الساعة. اهـ.
ووجدت فيه زيادة في تقرير الفاضل عبد العزيز أن فيه رواية في "البدور السافرة" تدل على أنهم لا يكون لهم حِسٌّ ما داموا في النار، فإذا أخرجوا أحسُّوه من ساعته كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، ففيه دليلٌ على تعدد النارين.
قطعيًا، لكن تكون هناك شرائطَ وموانعَ معتبرة عنده، فيجيءُ واحدٌ من الأشقياء ولا يُراعي تلك الشرائط والموانع ويجعلُ الكلامَ المرسل كليًا. ثم إذا تخلَّف عنده الحكم يضطربُ ويقلقُ، فلا يلومن إلا نفسه.
ولما كان حالُ الإنسان بين طرفي نقيض فقد يتداوى بدواء ويكون عندَه أنه نافعٌ قطعًا فلم ينفعه، فإنه لا يكذبُ نفسه، ولا يلزمُ الطبيب، ولكنه يعللُ تارة بأن الدواء كان رديئًا، أو لم يستعمله على وجهه، أو عدم حمايتِهِ نفسَه عن المضرات. ولكنه إذا مر على آية من آيات الله أو حديث من أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ويبدو له فيه قلقٌ، فإنه لا يتعللُ بشيء ولا يطمئنُ قلبه بحال حتى يكونَ أولَ كافرٍ به. {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] فلا يخلو حالُهُ إلا من حُمق جلي، أو نفاق خفي.
والجواب الآخر: أن الشارع ذكر الخواص على طريق «التذكرة» دون «القرابادين» والتذكرة في مصطلح الطِّب: ما تذكر فيها خواص المفردات. والقرابادين: ما تذكر فيها خواص المُرَكبات. فحكمُهُ على العبادات وذكر خواصِّها على طور التذكرة فقط، ولا يمكنُ غيره في الدنيا، فإن التركيبَ لا يحصلُ إلا بعد انصرام العالم، فحكمه أيضًا لا يظهر إلا هناك. وهذا كالطبيب يحكمُ على المفردات أن هذا سُمٌّ، وهذا تِرْيَاقٌ، وهذا مُسهِّلٌ، وهذا قَابِضٌ، ثم إذا ركَّب دواءً من الأشياء الحارة والباردة معًا وكسر هذا سورة هذا، يخرج من بينها مزاجٌ ثالثٌ مع وجود الدواء الحار والبارد فيه ولا يأتي فيه قال وقيل، ولا يكذبُهُ أحدٌ لأنه ما كان ذكر من حرارته وبرودته إنما كان حاله بانفراده، فإذا مزج أحدهما بالآخر خرج منه مزاج آخر.
وهكذا كلمة التوحيد فإنها تحرِّم النارَ بلا مِرية ولا فرية، إلا أنها إذا خالطتها المعاصي ماذا يصير مزاجه، فالله أعلم به. نعم، إن غلبت آثار الكلمة على المعاصي جرَّته إلى الجنة، وإن كان غير ذلك فالعياذ بالله. وإذا علمت أن المزاجَ المركبَ لا يحصلُ إلا في الآخرة، علمت أن مطالبةَ «القرابادين» في الحالة الراهنة جهلٌ وسَفَهٌ، وكأنه استخبارٌ عن أمرٍ لم يوجد بعد ومآلهُ الاطلاع على التقدير. وكذا المنعُ من بيان «التذكرة» أيضًا حمقٌ وغَبَاوةٌ، فإن في عدم الذكرِ مطلقًا ضررُ الأمة، فإنه وإن لم يحصل عندها بالتذكرة العلمُ التام لكنه لم يبق مجهولًا مطلقًا أيضًا وحصل نحو من العلم.
فإن قلتَ: ففي ذكر «التذكرة» بعض حرج وإشكالات. قلت: لا إشكالَ فيها للفطرة السليمة والجاهل بمعزل عن النظر، وبمثله ينحل حديث الكفارات. فإن الصلاةَ إلى الصلاة مثلًا لما صارت كفارةً ولم يبق له ذنبٌ، فماذا تصنع المكفرِّات الأُخر. وحله: أن مجموعَ المكفرات دخيلة في مجموع المعاصي، ولا يحصل هذا المجموع إلا في الآخرة. ولكن الشارع لما أراد الاطلاع على قطعة قطعة، جاء التعبيرُ كما ترى.
قوله من كان آخر كلامه وليس المرادُ من الكلمة ههنا ما كانت على طريق العقيدة، بل هي عملٌ من الأعمال الصالحة وحسنةٌ من حسناته، أجرُها عند الرحيل هو النجاة، فهذه فضيلةٌ لمن
جرت تلك الكلمةُ على لسانه. ولما كانت على طريق الأذكارِ دون الإِيمان فلا يحكم بالكفرِ على مَنْ لم تجر تلك الكلمة على لسانه. ومعنى الآخرية أن لا يجري على لسانه بعدها شيء من كلام الدنيا، فمن قالها وأغمى عليه ليلًا مثلًا ومات فيه ولم يفق، فإِنه يُرجى له هذا الأجر الموعود إن شاء الله تعالى.
قوله: (إذًا يْتكلوا) قد يسبقُ إلى الأذهان أن المرادَ منه الإتكالَ عن الفرائض، لأن الكلمةَ المجردة إذا صارت كفيلةً للنجاة فلم تبق حاجةٌ إلى الأعمال الأُخر. وليس بمراد قطعًا بل المرادُ الإتكال من فضائل الأعمال وفواضلها، لأن الإِنسانَ أرغبُ في دفع المضرة من جلب المنفعة، فإِذا علم أنَّ الكلمةَ والفرائض تكفي له لدفع النار، ذهب يقنع عليها، ويتكاسل عن النوافل، ولا يسابق إلى المدارج العليا.
وقد حكى الله سبحانه عن فطرته تلك بقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا
…
الخ} [الآنفال: 66] فالإِنسان لا يزالُ مجتهدًا في آخرتِهِ، فإِذا تيقنَ نجاته فتر. وهذا أمرٌ مركوز في خاطره، ولذا منعه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخباره لأن الاكتفاءَ بالفرائض والافترارَ عن الفضائل نقيصةٌ لهم وحِرمان عن الطبقات العُلى، فأحب أن لا يتكلوا ويجتهدوا في معالي الأمور، لأن الله تعالى يحب معالي الهمم، وقد مدح حسان النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
*له هممٌ لا مُنتَهى لكبارها
…
وهمته الصغرى أجل من الدهر
والدليل على أن المراد من الإتكال هو الإتكال عن الفرائض وأنه في طلب الدرجات ما رواه الترمذي عن معاذ بن جبل في هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان، وصلى الصلاة، وحَجَّ البيَت لا أدري أذكرَ الزكاة أم لا؟ - إلاّ كان حقًا على الله أن يغفرَ له إن هَاجَرَ في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد بها» قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذر الناسَ يعملون فإِن في الجنة مئة درجة .. والفِردوسُ أعلى الجنة
…
فإِذا سألتم الله فاسألوه الفِردوس. ففيه ذكرُ الفرائض أيضًا والتحريض على الدرجة العليا، فانكشف أنه لم يَردْ في الحديث المجمل الإتكال عن الفرائض.
وأن الحديث لا يختصُّ مرادهُ بكونه قبل نزول الأحكام. كيف وترك الفرائض لا يُرجى من عوام الناس؟ شأن الصحابة رضي الله عنهم أرفع. وعند الترمذي عن معاذ أيضًا قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه نحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال لقد سألتني عن عظيمٍ وإنه ليسيرٌ على من يسَّرَه الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتأتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»
…
إلخ. ففيه أيضًا ذكر الفرائض بتمامها.
وأيضًا عند البخاري وهو وإن كان عن أبي هريرة لكن المضمون واحد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يُدخله الجنة، جاهدَ في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا نُبشر الناس؟ قال: «إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله» .