الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] فإنهما صلاتان فُرِضَتَا أولًا ثم زِيدت عليهما. وكذلك أجدهما قد صُلِّيتا بعين شاكلة الفريضة قبل فرضية الخَمس أيضًا، كما عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ببطن نخلة وَجَهَر فيها بالقراءة، وهي بعينها شاكلتها بعد فرضيتها. واتفقوا أيضًا على ثبوتهما إلا أنهم قالوا بكونهما نفلًا. وعندي لا دليل عليه.
فالحاصلُ: أنه لا خلاف في ثبوت الصلاتين من بدء الأمر كما في السير بإسناد فيه ابن لَهِيْعَة: أن جبرائيل عليه الصلاة والسلام علَّمه الوضوء عند نزول أوائل {اقْرَأْ} وعلمه الصلاة أيضًا. وابن لَهِيْعة عالم كبير احترقت كُتُبه، ثم كان يروي من حفظه، فاختلط فيها، فرواياته قبل الاحتراق مقبولة.
واستمر على ما يَرِدُ عليه والأجوبة عنه: (تابعه عبد الله بن يوسف).
4 - باب
5 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِى عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَهُ. أطرافه 4927، 4928، 4929، 5044، 7524 - تحفة 5637
واعلم أن في المتابعة أربعة أشياء: المُتَابِع، والمتابَع، والمتابَع عنه، والمتابَع عليه. والبخاري يتفنَّن في ذكر المتابعات، فتارة يقول: تابعه فلان، وأخرى: تابعه عن فلان. فليعلم الفرق بينهما، فالفرق بين الأَوَّلين ظاهر، «وعنه»: هو ذلك الشيخ، «وعليه»: هو اللفظ، فعبد الله بن يوسف ههنا متابع (بالكسر)، ويحيى بن بُكَير الراوي شيخُ البخاري متابَع - بالفتح، والليث متابَع عنه.
ثم المتابعَة إما تامة أو ناقصة، وقد بينها العلماء في أصول الحديث، وكذا المتابعة غيرُ الشاهد والفرق بينهما مذكور في «النُّخْبة» وغيرها من كتب الأصول.
وفي هذا الحديث صفة أخرى للوحي.
5 -
(وكان مما) قيل: مركب من «من» و «ما» ، وقيل:«مما» بمعنى ربما، مركبًا كان أو مفردًا، واستشهد له بقول الحماسي:
وإنما لمَمِا نضربُ الكبش بيضة.
(لتعجل به) من باب تلقي المخاطبَ بما لا يترقب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ينازِع جبريل عليه السلام في القراءة، ولا يصبر حتى يُتِمَّها لمسارعته إلى الحفظ لئلا يتفَلَّتَ منه شيء، لا لأنه كان يستعجل ليستريح عن مشقة الحفظ ولا يقاسي تعبه فيما بعد، ولكنه تلقَّى بما لا يترقبه إظهارًا لعدم ابتغاء التحريك مع قراءته، وتعليمًا لحسن الاستماع، وتأديبًا لأمر القراءة، كما قال تعالى:{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114].
(جَمْعُه لك في صدرك) وفيه اختلاف النسخ، والأفصحُ عندي أن يكون (جمعه) مصدرًا.
(قال: فاستمع له وأَنْصِتْ) واعلم أن الإنصاب والاستماع يقتصران على الجهرية، فإن الإنصاب مقدمة للاستماع ومعناه التهيؤ للاستماع
(1)
.
(ثم إنّ علينا بيانَه) قد وقع ههنا سوء ترتيب من الراوي: فذكر (أن تقرأه) في تفسير (بيانه) وهو وَهمٌ منه، لأنه تفسير لقوله:{وقرآنه} لا لقوله: {بيانه} ، فنقل تفسير هذا إلى هذا، ويشهد له ما أخرجه البخاري في «التفسير» متنًا وسندًا وفيه:{قرآنه} ، أي أن تقرأه {وبيانه} ، أي أن تبينه على لسانك. وهذا واضح في المراد، فلا تلتفت إلى التأويلات. ثم اعلم أن القرآن معناه اتساق النَّظْم، يقال: ليس لشعره قرآن بندش، ومنه سُمي القرآن قرآنًا عندي.
(لا تحرك به لسانك)
…
إلخ، تكلَّم الناس في ربطه، فإن أوَّله وآخره في ذكر أحوال القيامة، وحينئذٍ قوله:{لَا تُحَرّكْ}
…
إلخ لا يظهر له كثيرُ ربط، فقيل: لعلَّ النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّك شفتيه عند نزوله فنُهي عنه. وقد تعرَّض إليه الرازي إلا أنه لم يأتِ بالجواب الشافي. وقد عُرِف من عادته أنه يَبْسُط في الإيراد ويُجْمِل في الجواب، ولذا اشتهر عنه أنه يعترض نقدًا ويُجِيب نسيئة.
وقد فتح الله عليَّ جوابَه، ولا بد له من تمهيدِ مقدمةٍ وهي: إن القرآن قد يكون له معنى بالنظر إلى سياقه، فإذا نُظِر إلى شأن نزوله يظهر منه معنى آخر. فالوجه في مثله عندي أن يَحْمِل ما يُفْهَم من النَّظْم مرادَه الأَوَّليّ، وما يُفْهَم من النظر إلى الخارج مرادَه الثانوي، وقَصْرُ القرآن على شأن نزوله ليس بوجيه عندي، ولم أر أحدًا منهم صرح بالمراد الأوَّليّ والثانوي إلا مصنفٌ في «حاشية التلويح» حيث قال: إن للخمر إطلاقين، فما قاله الحنفية رضي الله تعالى عنهم مرادٌ أَوَّلِي، وما ذكره الشافعية أنَّ كلَّ مُسْكِر خمرٌ، فهو مرادٌ ثانوي. وكانت المسألة من علم الأصول، فعلى العلماء أن يَبْحثوا في أن نظم القرآن إذا أُعطِي معنىً ثم جاء الحديث يحمله على خلافِهِ، فهل يُعْتَبَر بنظمِ النص أو الحديث؟
(1)
قلت: ويؤيده ما نقله الحافظ (في العلم)، وقد ذكر على بن المديني أنه يقول لابن عيينة أخبرني معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن مطرف قال: الإنصات من العينين، فقال له ابن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟ قال: إذا حدثت رجلًا فلم ينظر إليك لم يكن منصتًا، انتهى. قال الحافظ: وهذا محمول على الغالب.