الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلق لا تحصى، وكذلك وسّط وشنق عالم كثير ومهّد الصعيد إلى حين تسطير هذا التأريخ لم يسمع فيه ما كان يعهد من النفاق ومنع الحقوق للمقطعين، وتوطّد الصعيد بكماله، ولله الحمد
ذكر [حوادث] سنة إحدى وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما يخصّ من الحوادث
الخليفة: الإمام الحاكم بأمر الله أبو (7) العبّاس أحمد إلى حين وفاته فى هذه السنة حسبما يأتى من ذكر وفاته فى تأريخ ذلك إنشا الله تعالى، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام أدام الله أيّامه إلى آخر الأبد وكفاه {شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ} (10) بمحمد وآل محمد، وكذلك النوّاب والملوك حسبما تقدّم من ذكرهم فى السنة التى قبلها
فيها وزر الأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ الديار المصريّة عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وذلك فى يوم الجمعة عاشر المحرّم من هذه السنة. وهو الرابع من الوزرا المكلوتين بالديار المصريّة من أوّل زمان وإلى ذلك التأريخ. ولم يكن ذلك يعرف بالديار المصريّة من قبل.
وإنّما أوّل من استنّ ذلك مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور نوّر الله ضريحه، فوزر الأمير علم الدين الشجاعىّ وهو أوّل المكلوتين. ثمّ كان بعده الأمير بدر الدين بيدرا، ثمّ الأمير شمس الدين الأعسر، ثمّ فى هذه السنة الأمير عزّ الدين البغدادىّ. هؤلاء المكلوتين، خارجا
(7) أبو: ابى
(10)
السورة 113 الآية 5
عمّا كان بينهم من الوزرا المتعمّمين. وهذه كان عادة وزرا العراق إن يكونوا أمرا وتضرب على أبوابهم الطبلخاناه، وكذلك كان فى أيّام الخلفاء، وكان الشجاعىّ قد وزر بعد الصاحب برهان الدين السنجارىّ وعزل بنجم الدين بن الأصفونىّ. ثمّ عاد تولّى بعده، ولمّا غضب عليه مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور وقبض عليه وعصره حسبما سقناه فى تأريخه المتقدّم جلس فى دست الوزارة بيدرا. ثمّ انتقل بيدرا إلى النيابة فى الدولة الأشرفيّة ورجع الشجاعىّ، فأقام أيّاما (7) قلايل حتى وصل الصاحب شمس الدين بن السلعوس من الحجاز الشريف، فاستوزره مولانا الشهيد الملك الأشرف برّد الله ضريحه، فاستمرّ وزيرا حتى استشهد السلطان الأشرف. فوزر الصاحب فخر الدين بن الخليلىّ الدارىّ. فلمّا تملّك لاجين وزر الأعسر عوضا عن ابن الخليلىّ. ثمّ قبض عليه وعاد ابن الخليلىّ. ثمّ عاد الأعسر حتى وزر البغدادىّ
وفى يوم الأحد تاسع عشر المحرّم من هذه السنة رسم لساير الأمرا والمقدّمين والأعيان من الحلقة أن يتوجّهوا إلى الصيد بجهة ناحية العبّاسة من الأعمال الشرقيّة بالديار المصريّة، وأن يأخذون معهم عليق عشرة أيّام. ثمّ خرج الركاب الشريف السلطانىّ من قلعة الجبل المحروسة يوم الاثنين العشرين منه مبرّزا إلى بركة الحجّاج، وطلب الأربعة قضاة الأيمّة إلى البركة واجتمعوا بمولانا السلطان. وضرب مشور فيمن يسيّر رسولا إلى غازان صحبة رسله، فوقع الاختيار من الأمرا على الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ ومن القضاة القاضى عماد الدين بن السكّرىّ.
(7) أياما: ايام
ثمّ انتقل الدهليز المنصور إلى منزلة الصالحيّة. ودخل مولانا السلطان عزّ نصره والأمرا فى ركابه إلى البرّيّة بسبب الصيد. فلمّا كان يوم الاثنين ثامن عشرين المحرّم عاد مولانا السلطان إلى الدهليز المنصور بالصالحيّة. وأخلع على ساير الأمرا بحضرة الرسل، فذهلوا لما عاينوا من ترتيب السلطنة المعظّمة وحسن هيئة الجيوش الإسلاميّة ما لا نظروا إلى (6) شى أحسن منه. ثمّ إنّ مولانا السلطان أخلع على الرسل وأنعم عليهم كلّ منهم (7) بعشرة آلاف درهم وتعابى قماش وغير ذلك. وسفروا صحبة الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ والقاضى عماد الدين بن السكّرىّ، وعلى يدهم كتاب ما هذا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم
بقوّة الله وإقبال دولة السلطان الملك الناصر
قد علمنا ما أشار به الملك الجليل وندب إليه، وما عوّل فى قوله وفعله عليه. فأمّا قول الملك: قد جمعنا وإيّاكم كلمة الإسلام، وملّة النبىّ عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنّه لم يطرق ولا قصد إلاّ لما سبق به القضاء المحتوم، فهذا أمر غير مجهول، بل هو عندنا معلوم
وإنّ (16) السبب فى ذلك إغارة جيوشنا على ماردين، وأنّهم سبوا وفسقوا وهتكوا الحريم، وفعلوا فعل من لا له دين، فالملك يعلم أنّ ما برحت غاراتنا فى بلادكم، من عهد آبايكم وأجدادكم، وأنّ الذى فعل ما فعل من الفسّاد، لم يكن برأينا ولا من أمرانا والأجناد، بل هو من الأطراف الطمّاعة ممّن لا يؤبه إليه، ولا يعوّل فى قول ولا عمل
(6) إلى: إلا
(7)
منهم: منهما
(16)
وإن: مكرر فى الأصل
عليه، وأنّ معظم جيوشنا كان فى تلك الغارة التى فى تلك الأيّام، فى الليل قيام، وفى النهار صيام، طاوين لمّا لم يجدون ما يشترونه من القوت، فصاموا وطووا (3) ليلا يأكلوا ما فيه شبهة وحرام
ولا يجب على الملك ابن الملك الذى أصله من عظم القآن جكز خان، أن يقول قولا ويقع عليه الردّ فيه قريب، ولا يظن أنّه ساعة واحدة عن أعيننا يغيب، وليعلم أنّه لو تقلّب فى مضجعه من جانب إلى جانب، أو خرج من منزله راجلا كان أو راكب، لكان عندنا علم ذلك على البريد، ونطّلع من جميع أخباره على ما نحبّ ونريد، ممّن هو إليه (8)(أقرب من حبل الوريد (9))، فإنّ أقرب بطانته إليه، هو العين لنا عليه، وإن كبر ذلك لديه، وقد تحقّقنا أنّ الملك أقام عامين يجمع الجموع، ويستنصر بالبيعة والطموع، حتى جمع وحشد، من كلّ أرض وبلد، واعتضد بالنصارى والكرج والأرمن، واستنجد بكلّ من ركب فرسا من فصيح وألكن (13)، وطلب من الموشمات خيولا وركاب، وكثّر سوادا وعدّد أطلاب
ثمّ إنّه لمّا علم أنّه ليس له بجيوشنا قبل فى معركة ولا نزال، عاد إلى التلفيق بقول الزور والمحال، والخديعة والاحتيال، وأبطن خلاف ذلك، حتى ظنّ معظم جيوشنا أنّ الأمر كذلك. فلمّا التقينا كان أكثر جيوشنا يمتنع من قتاله، ويفنّد عن نزاله، ويقولوا لا يحلّ قتال المسلمين. ولا يجوز قتل من تظاهر بهذا الدين. فلهذا كان منهم ذلك الفشل، وتأخّروا عن قتالك حتى حصل ما حصل.
وأنت تعلم أنّ الدايرة كانت عليك، وليس من أصحابك إلاّ من شكا
(3) طووا: طوو
(8 - 9) أقرب. . . الوريد: قارن السورة 50 الآية 16
(13)
وألكن: واللكن--سوادا: سواد
إليك، والحرب سجال: فيوم لك ويوم عليك، وليس هذا ممّا تعاب به الجيوش، ولا أشدّ الوحوش، فإنّ لمن قهر لابدّ أن يقهر، وهذا كان بالقضاء والقدر
وأمّا قول الملك: إنّه لمّا التقينا معه مزّق جيوشنا كلّ ممزّق، فهذا مثل بكم كان أليق. وإن كان الملك كان غايب الجأش لعظم هيئة جيوشنا وصولته، فليسأل من أصحابه وكبار دولته، كيف لم يحضرهم من جيوشنا إلاّ (7) البعض، وكيف طرحوا معظم مغلكم على الأرض، وليس ينكر هذا لوقايع جيوشنا ومواقع سيوفنا من رقاب آبايه وأجداده، وما من حوى بيتكم إلاّ من هو إلى الآن لابس حداده، وسيوفنا فإلى الآن تقطر من دمايهم، وخيولنا فإلى الآن حفاة من دوس جماجمهم (10)، وإن كان جيشك قد داس أرضنا مرة، ودخل بلادنا كرّة، فبلادك لغاراتنا مقام، ولسيوفنا ذمام، فلا تغترّ بالزمان، فكما تدين تدان
وأمّا قول الملك إنّه ومن معه يعتقدون قولا (13) سرّا وعلانية، فإنّ الذى جرى بدمشق فى جبل الصالحيّة. فليس يخفى على الملك إن كان مثل هذا يكون من فعل المسلمين بالمسلمين، أو عمل من هو متمسّك بهذا الدين، فأين وكيف وما الحجّة؟ وحرم بيت الرحمن الهناء يشرب فيه الخمور، وتهتك فيه الستور، وتطمث فيه البكور، وتقتل فيه المجاورون، وتؤسر (18) الخطبا والمؤذّنون، ثمّ على رأس خليل الرحمن، تعلّق الصلبان، وتهتك النسوان، ويدخل الكافر نجسا (19) سكران. فإن كان ذلك عن علمك
(7) إلا: الى
(10)
جماجمهم: جمايهم
(13)
قولا: قولاو
(18)
تؤسر: تاسر
(19)
نجسا: نجس
ورضاك، فيا خيبة مسعاك، فى دنياك وأخراك، ويا ويلك فى معادك، وعن قريب يخرّب عمرانك (2) وبلادك، وتقتل أمرايك وأجنادك. وإن كان عن غير رضاك، ولم يبلغ أذناك، فقد أعلمناك، أن ليس مطلوب به سواك، فإن كنت فى قولك صحيح الكلام، وفى عقدك وفىّ النظام، فاقتل التوامين الذين فعلوا هذا الفعال، وأوقع بهم غاية النكال، لنعلم أنّك أوضحت الحجّة، وأنت على طريق المحجّة
وليعلم الملك أنّ عساكرنا لمّا وصلوا إلى الديار المصريّة وقد تحقّقوا ما تظاهرت به وما أضمرت من النيّة، وبدّلكم الميل عن الإيمان، وانتصرتم على قتالهم بعبدة الصلبان، اجتمعوا وتأهّبوا وخرجوا بعزمات محمديّة، وهمّات بدريّة، ونخوات إسلاميّة، وقلوب من الشرك بريّة، وهمم عند الله تعالى عالية مرضيّة، ووجوه بين يديه إنشاء الله بيض ضوئية، ونادوا بلسان الاستغفار، يا أمّة محمد، البدار البدار، اطلبوا من الكفّار بالثار، الحقوا أعدايكم ما داموا فى البلاد، لتشفوا منهم غلل الصدور والأكباد. فما وسع جيشكم إلاّ الفرار، وما كان لهم على الملتقى صبر ولا اقتدار. فاندفعت عساكرنا، وهى كالموج الزخّار، يجدّون فى السير الليل والنهار، إلى أن وصلوا إلى بلاد الشام، ثمّ قصدوا أن يقصدوكم فى بلادكم ليظّفروا بنيل المرام، فخشينا على رعيّتكم أن تهلك، ولا تجدون إلى النجاة مسلك. فأمرناهم بالمقام. ولزوم الاهتمام، حتى {لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً} (19)
(2) عمرانك: عمرك
(19)
السورة 8 الآيتان 42 و 44
<وأمّا> ما تحمّله قاضى القضاة من المشافهة فسمعناه، وجميع ما ذكره فهمناه، وأقمنا مقامه من يكون نسبته بعد ما عذرناه. وهو المشهور بدينه وعلمه، وسكينته وحلمه، لكنّه غريب منكم، بعيد (3) عنكم، لم يطّلع على بواطنكم، ولا ما انعقدت عليه ضمايركم. وإن كنتم تريدون الصلح والإصلاح، وبواطنكم كظواهركم متتابعة الصلاح، فأنت الطالب لذلك على التحقيق، ما لم يكن فى قولك تشويه ولا تمليق، فنحن نقلّدك البغى الذى من سلّه به قتل. وبهذا سار المثل، وبه أيضا شهد القرآن العظيم بمثله {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ} (8) فترسل إلينا شخصا من كبار دولتك وحكّام عشيرتك، ليكون إذا قطع أمرا أو فصل حكما، عوّلتم عليه، وأنهيتم إليه، ويكون له فى دولتكم تمكين، وهو فيما يفعله ويفصله ثقة أمين، لنتكلّم معه بما فيه صلاح ذات البين، وإن لم يكن كذلك رددناه (12) بخفّى حنين
وأمّا طلب الملك الهديّة، من الديار المصريّة، فليس نبخل عليه وقدره عندنا أجلّ مقدار. وجميع ما يهدى إليه دون قدره. وإن تغالينا فى الإكثار. وإنّما الواجب أن يهدى إلينا من العراق بأصنافها، لنقابل هديّته إنشاء الله بأضعافها. ونتحقّق صدق نيّته، وما انعقدت عليه طويّته، لنفعل بعد ذلك ما يرضى الله عز وجل وإن كنّا فاعلين. ويكون محلّه عندنا أشرف محلّ {وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} (18)
(3) بعيد: بعيدا
(8)
السورة 35 الآية 43
(12)
رددناه: والارددناه
(18)
السورة 1 الآية 2 وفى سور أخر