الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر تتمّة الحوادث
فيها توجّه سيف الدين ألطنبغا السلاّرىّ أحد مقدّمى الحلقة المنصورة إلى الحجاز الشريف على الهجن، بسبب الصلح بين الأخوين الأمرا رميثة وعطيفة ملاّك مكّة، شرّفها الله تعالى. وكان قبل ذلك قد حضر الأمير عطيفة مستجيرا بالأبواب الشريفة من أخيه رميثة. فرسم المقام الشريف بتوجّه ألطنبغا المذكور بالإنكار على رميثة. فلحقوه بحلالى يعقوب، وأعادوه إلى مكّة. ودخل تحت الطاعة الشريفة السلطانيّة، وحلف على الكعبة الشريفة أربعين يمينا أنّه طايع ممثّل (8) جميع ما يرسم له به. وعاد ألطنبغا بنسخ الأيمان. ثمّ بعد ذلك توجّه السيّد الشريف عطيفة إلى الحجاز الشريف صحبة الركب المبارك، وبعد توجّه المحمل بعشرة أيّام.
وكان قد توجّه ركب آخر من الديار المصريّة فى شهر رجب. وأدركوا صوم شهر رمضان بمكّة بمشاهدة الكعبة الشريفة. ووردت بعد ذلك كتبهم أنّهم فى أطيب عيش وأهناه، هنّاهم الله تعالى ورزقنا ما رزقهم، بمحمد وآل محمد
وفيها حضر الأمير سيف <الدين> تنكز نايب الشأم، بسط الله <ظلّه> إلى الأبواب الشريفة، بنيّة الزيارة ومشاهدة سيّد الملوك، وملجأ كل غنىّ وصعلوك، وحصل له من الإقبال والإنعام أضعاف ما جرت به عادته فى السنين المتقدّمة. ثمّ إنّه شفع فى ابن هلال الدولة، فأجيب إلى ذلك، وأفرج عنه فى شهر رجب، ورسم له أن يلزم بيته
وكان قبل ذلك قد أفرج عن خالد المقدّم وأخلع عليه، وأعيد إلى تقدمة الولاية بالقاهرة المحروسة
(8) طايع ممثل: --طايعا ممثلا
وفيها توجّه الركاب الشريف إلى صيد الوبر بناحية الإسكندريّة.
وسيّر الأمير بدر الدين مسعود أمير حاجب لكشف (2) أحوال الأمرا المعتقلين بالإسكندريّة، فوجدهم فى أسوأ (3) حال، فحنّنه الله تعالى عليهم لمّا بلغ المسامع الشريفة حالهم، فلمّا عاد مع سلامة الله إلى محلّ ملكه بالقلعة المحروسة رسم بالإفراج عنهم، أفرج الله عنه كلّ كرب، ونصره فى كلّ حرب. فكانوا عدة ثلاثة عشر نفر وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والأمير سيف الدين تمر الساقى، والأمير شمس الدين أمير غانم ابن أطلس خان، والأمير سيف الدين طغلق، والأمير سيف الدين قطلبك الوشاقىّ، وكشلىّ، وبيبرس العلمىّ، ولاجين العمرى، والشيخ علىّ السلاّرىّ، وبلاط الجوكندار، وأيدمر الحسامىّ المعروف باليونسىّ، وبرلغىّ الصغير بن طومان، وطشتمر أخو بتخاص. وكان وصولهم إلى القلعة المحروسة وخلاصهم يوم الاثنين رابع عشرين شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة. فأنعم على ركن الدين بيبرس الحاجب بإمرة طبلخاناه بحلب المحروسة، وتوجّه على خبز آقسنقر شادّ العماير كان، بمقتضى أنّه جرت منه أحوال أوجبت القبض عليه واعتقاله. وأنعم على الأمير سيف الدين تمر الساقى بإمرة طبلخاناه بدمشق المحروسة. وأمّا تغلق فإنّه لم يعش بعد الإفراج عنه ووصوله إلى أهله سوى ثمانية أيّام، وتوفّى إلى رحمة الله تعالى. وباقى المذكورين منهم من أنعم عليه بإقطاعات بالشام المحروس، ومنهم من استمرّ مواظب الخدمة الشريفة إلى آخر هذه السنة المذكورة
(2) لكشف: كشف
(3)
أسوأ: اسو
وفيها تغيّرت الخواطر الشريفة السلطانيّة على الأمير جمال الدين نايب الكرك لنقايص بدت منه، تدلّ على أنّ الغالب كان على مزاجه السودا. فآل به ذلك إلى ما صار إليه. فكان كما قال الله تعالى {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ (4_)} آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً (4) الآية. فقبض عليه واعتقل مدّة بالشأم. ثمّ نقل إلى الإسكندريّة بالاعتقال
وتوجّه الأمير سيف الدين طينال الحاجب من غزّة عايدا إلى طرابلس، وأنعم على الأمير سيف الدين شركتمر الناصرىّ بنيابة غزّة، واستقرّ الأمر كذلك إلى آخر هذه السنة
وفيها مسك ابن هلال الدولة، وعبد الله بن كريم الدين الكبير، وولدى كريم الدين الناظر، وهما أبو الفرج ورزق الله، وأعيد الطلب على ولدى التاج إسحق، وهما شمس الدين موسى وأخوه (11) علم الدين. وكذلك طلب بالحمل أمين الملك المعروف بقريميط المستوفى، بعد أن كان قد أعفوه هذه المدّة من حثّ الطلب. وسبب ذلك أنّه كان كاتب يسمّى المهذّب أصله نصرانىّ، ربّاه شخص يعرف بابن الحايك من أهل الإسكندريّة. وخدم هذا المهذّب عند كريم الدين الكبير مدّة أيّامه. وحصّل فى تلك الأيّام أموالا جمّة. فلمّا مسك كريم الدين فى تأريخ ما تقدّم ذكره خدم المهذّب المذكور بديوان الأمير المرحوم سيف الدين بكتمر الساقى. وكان هذا الأمير المذكور عبارة عن مولانا السلطان، وله من مولانا السلطان منزلة لم يكن وصلها أحد (19) من قبله ولا وصلها أحد من بعده
حدّثنى هذا المهذّب ذات يوم وأنا عنده فى بيته لضرورة كانت لى عنده، وأجرينا ذكر التأريخ، وذكرنا من سلف من الناس والأكابر من الأمرا
(4) السورة 16 الآية 112
(4_) كانت: بالهامش
(11)
وأخوه: واخاه
(19)
أحد: احدا--أحد: احدا
وغيرهم الذين كانوا خصيصين بتلك الملوك المتقدّمة. فقال المهذّب للمملوك:
يا مولانا ورّخ عنّى ما أقوله لخدمتك عن المخدوم، يعنى عن الأمير سيف الدين بكتمر: إنّنى منذ خدمته فى سنة ثلاث وعشرين وسبع ماية وإلى هذا اليوم مدّة عشر سنين، ما خلا حسابى قطّ يوما واحدا (4) من إنعام يتجدّد، من مولانا السلطان للمخدوم من ساير الأنواع المستحسنة من إنعامات الملوك. - ثمّ رمى إلىّ حسابه، فتصفّحته فإذا هو كما قال، يشهد بإنعام يتجدّد للأمير فى كلّ يوم، تشهد بذلك موايمته: إمّا ملك، إمّا عقار، إمّا ذهب، إمّا قماش، إمّا فرس، إمّا طاير جارح (8)، وما أشبه ذلك. قال: وهذا خارج عن المقرّر له فى كلّ يوم مخفيتين طعام وأتباعها من حلو أو مشروب وفاكهة.
وثمّنّا هذه المخفيتين بألف وأربع ماية درهم، نأخذها من الخزانة مشاهرة.
ثمّ إنّ مولانا السلطان عزّ نصره أطلق يد الأمير سيف الدين بكتمر المذكور فى جميع الممالك، لا يردّ له مرسوم فى ساير الممالك الإسلاميّة. فهل عندك فى التأريخ من وصل من ملك من الملوك هذه المنزلة؟ -يقول المهذّب هكذا.
ثمّ إنّ هذا المهذّب استسلمه مولانا السلطان من تحت السيف، واستمرّ فى خدمة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى رحمه الله إلى أن توفّى فى طريق الحجاز، حسبما تقدّم من ذلك. وحصّل المهذّب فى أيّامه وبعد موته من تركته باتّفاقه مع ابن هلال الدولة من الأموال والذخاير والأمتعة ما لا يقع عليه قياس. ثمّ خدم فى ديوان النجل الشريف السلطانىّ، متّعه الله بطول حياة أصله الشريف الطاهر، وجعله فرعا باقيا باسقا مثمرا زاهر. ثمّ انتقل إلى خدمة ديوان المقرّ الشريف السيفىّ بشتاك الناصرىّ، فاستمرّ
(4) يوما واحدا: يوم واحد
(8)
خارج: خارجا
فيه إلى أن هلك فى شهر شعبان من هذه السنة. ونزل إليه القاضى شرف الدين النشو ناظر الخاصّات الشريفة السلطانيّة، والأمير بدر الدين لؤلؤ شادّ الدواوين المعمورة، فوجدوه ملقى على حصير ونطع، ولم يجدوا فى بيته شيئا (4) له قيمة. وكان المهذّب رجلا مترهّبا ليس له زوجة ولا ولد وتسحّبوا أهله وغلمانه وعبيده وتركوه على هذه الحالة المذكورة.
وأخرج ودفن، واستمرّ الحال كذلك إلى شهر ذى الحجّة من هذه السنة.
فوقع أبوه وعمّه نصرانيّان، فاعترفا بجملة كبيرة من الأموال. وأخرجوا عدّة دفاين من عدّة أماكن، بها آلاف من ذهب عين مختوم. ومن جملة ما وجدوه له فى كنيسة بحارة الروم بالقاهرة المحروسة ذهب كثير، لم أحرّر زينته، وقماش ومتاع بجملة كبيرة. وفى الجملة دواة ومرملة مرصّعتان بفصوص عظيمة القدر. ذكر أن صاحب حماة كان أحضرها فى وقت تقدمة لمولانا السلطان. فأنعم بها مولانا السلطان عزّ نصره على الأمير سيف الدين بكتمر فى يوم من تلك الأيّام المذكورة بالإنعامات. فلمّا توفّى الأمير سيف الدين رحمه الله، أخذها المهذّب فى جملة ما أخذ من تركته. فلمّا أحاطت العلوم الشريفة بما وجد لهذا الكاتب من الأموال التى تخامر العقول، تحقّق نصره الله أنّ هذا بعضه (16) ما هو عند ابن هلال الدولة، إذ كان هو الأصل وهذا المهذّب فرع منه، وكذلك بقيّة الكتبة المذكورين، فطلبوا بذلك والحال مستمرّ فى حثّ الطلب عليهم إلى آخر هذا الشهر، وهو شهر ذى الحجّة سلخ سنة خمس وثلاثين وسبع ماية، والله تعالى الولىّ المالك، أعلم بما يتجدّد بعد ذلك
(4) شيئا: شئ--رجلا مترهبا: رجل مترهب
(16)
بعضه: بعضيه
وفيها تغيّرت الخواطر الشريفة السلطانيّة، أعزّ الله أنصارها وضاعف اقتدارها على صاحب سيس، لأمور جرت منه عن غير اختياره.
فبرزت المراسم الشريفة للأمير علاء الدين ألطنبغا نايب حلب المحروسة، أن يتوجّه بالعساكر الحلبيّة ويعبر إلى سيس ويخرب ما يقدر عليه، فامتثل ذلك. ودخلت العساكر الحلبيّة صحبة الأمير علاء الدين النايب، وصحبة الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، فإنّه كان وصل إلى حلب، حسبما ذكرنا من خلاصه وإنعام مولانا السلطان عزّ نصره عليه بالإمرة فى حلب. ولمّا دخلت العساكر الحلبيّة فعلوا ما بيّض وجوههم عند الله تعالى وعند مولانا السلطان من قتل الكفّار، أصحاب الصليب والزنّار، وعجّل الله بأرواحهم إلى النار. واستأسروا خلقا كثيرا، وغنموا مغانم كبيرة معجّلة، وأحرقوا زروعهم وسبوا ذراريهم. وخرجوا سالمين غانمين، والحمد لله ربّ العالمين
والذى أقول:
إنّ هذا ملك لله به عناية، وله فيه إرادة، ما رام عزّا إلاّ وصل إليه، ولا شام جليلا إلاّ قدّره الله عليه. فدانت له ساير الممالك، وجزع لهيبته الملوك، فكلّ من خوفه كالهالك. واقتنع المغل منه بالمسالمة، وهى بعفوه عن طلبها عارفة وعالمة، وناهيك من قهر هذه الطايفة التى ما زالت ملوك الأرض من شرّها خايفة. فكيف حال غيرها من ملوك البسيطة، إذ عزمته الشريفة بتأييد الله له بالقدرة عليهم محيطة؟ ولا بدّ من لمعة نختم بها هذا التأريخ المبارك، ممّا قيل من المنظوم فى مدحه، فعاد قايله لنا فى مدحه مشارك، وإن كانت أوصافه جلّت أن يقوم لها نظما ونثرا، أو يحوى ذلك من ألّف لها شعرا <من الطويل>: