الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى شهر جمادى الآخر برزت المراسم الشريفة بعمارة الميدان الذى تحت القلعة المصريّة
وفى أوّل شهر صفر وردت الأخبار بتحريك التتار، وأنّ قراسنقر والأفرم قويّا عزم خدابنداه على الدخول إلى الشأم، وضمنا له أخذها له.
فلمّا كان فى شهر رجب قويت الأخبار، ورسم مولانا السلطان عزّ نصره باستخدام البطّالين من الجند، وأقطعهم ساحل الغلّة
وفى عاشر شعبان استحضر مولانا السلطان رسول الأشكرى بالإيوان الجديد. وقدّموا تقادمهم على رءوس الحمّالين، وعدّتهم اثنين وأربعين حمّالا، ما بين جوخ وسنجاب وبرطاسى وغيره، وخمسة شواهين وصقر واحد
ذكر توجّه الركاب الشريف عزّ نصره
إلى الشأم المحروس بنيّة الغزاة
وذلك لمّا صحّت الأخبار بتوجّه التتار إلى نحو الديار، برزت المراسم الشريفة بأن ينفق فى الجيوش المنصورة، فنفقت فيهم الأموال، وذلك أوّل شهر رمضان المعظّم. فلمّا كان ثانى شهر شوّال خرج الركاب الشريف السلطانىّ من القلعة المحروسة. وكان فى طول هذه المدّة- والعرض واقع تحت القلعة-فى كلّ نهار تعرض ألفى فارس، وكان عرض عظيم ما شهد الناس مثله، لما أظهرت الموالى الأمرا (17) من القوّة والسلاح والعدد والخيول، حتى ذهلت عقول العالم. وكان ذلك بمرأى من عيون العدوّ المخذول وجواسيسه، والأخبار ترد على خدابنداه بجميع ذلك.
فداخله الزّمع، وعمل فيه الهلع
(17) الأمرا: للامرا
هذا وجيوشه قد عادوا فى غاية الضعف من الجوع والقلّ. وكان قد نزل على الرحبة وضرب عليها سبع حلقات، وشرع فى حصارها، وقلّت عنده الأقوات، حتى عادوا يعلّقون على دوابّهم ورق الكروم وحصل لخيلهم مرض الطابق. فرجع أكثرهم هاربين بغير دستور منه حسبما (5) نذكر من ذلك، إن شاء الله تعالى. فلمّا رأى أنّه فى غاية الضعف، وأنّ الأخبار قد وردت عليه أنّ الجيوش الإسلاميّة فى غاية القوّة {نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ} (7) ولم يلو على من خلفه ولا على من بين يديه
وكان أوّل الجيوش الإسلاميّة لمّا قبضوا نفقاتهم توجّهوا إلى نحو الشأم بالعدّ والعديد، وقلوب أقوى من الحديد. فوصل أوايلهم إلى غزّة مستهلّ شهر رمضان المعظّم، واستمرّت الجيوش تتحدّر انحدار السيول.
وقد ملأوا بكثرتهم الحزون والسهول، إلى مستهلّ شهر شوّال المبارك.
والركاب الشريف قد نزل على منزلة الصالحيّة من الديار المصريّة.
فوردت الأخبار بهروب التتار، ونكوصهم على أعقابهم طالبين الديار.
فضرب مولانا السلطان مشورا مباركا مع الأمرا الكبار. فاجتمع الآرا المباركة على التوجّه إلى الشأم المحروس، والنزول بدمشق المحروسة، ليكون ذلك أكثر إرهابا للعدوّ المخذول. فتوجّه نصره الله على أعدايه المتمرّدين، نصرا عزيزا إلى يوم الدين، طالبا للشأم المحروس، لتطمئنّ بقدوم ركابه الشريف النفوس. فدخل إلى دمشق المحروسة يوم الثلاثا ثالث وعشرين شوّال، ونزل بالقلعة يوما واحدا (19)، وانتقل إلى القصر الأبلق بالميدان الأخضر، ليأخذ كلّ منهما حظّه بحلول ركابه الأخضر. وفرّق العساكر فى أقطار الشام، مدّة إقامة ركابه الشريف فى تلك الأيّام، بنواحى الروحا
(5) حسبما. . . تعالى: بالهامش
(7)
السورة 8 الآية 48
(19)
يوما احدا: يوم واحد
والسواحل وإلى نواحى بلاد حمص وحصن الأكراد وسواحل عكّا وطرابلس. ودخل فى ركابه الشريف أعيان الناس إلى دمشق
ثمّ أجمع رأيه الشريف أن يجمع بين الأجرين، ليفوز بالحسنتين. فعزم على الحجاز الشريف من دمشق المحروسة، وهى أوّل حجّاته المبرورة، ومساعيه المشكورة. وترك الأمير سيف الدين أرغون النايب يومئذ بالأبواب العالية من الديار المصريّة مقيما بدمشق المحروسة، وكذلك الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس. وكانا يجلسان جميعا ويحكمان بين الجيوش المنصورة، المصريّين والشأميّين. وتوجّه فى ركابه الشريف الأمير سيف الدين بكتمر الحسامىّ بحكم انتقاله من الوزارة إلى الحجبة قبل هذا التأريخ، وتولّى الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الملك بن العنام، وهى الوزارة الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الشريف وزيرا مستقلاّ. وكان من قبل مستوفى الصحبة الشريفة. وأقام أيضا بدمشق بسبب تحصيل الأموال الديوانيّة. وتوجّه فى خدمة الركاب الشريف القاضى كريم الدين الكبير. والقاضى علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشا الشريف، والقاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، والقاضى شمس الدين غبريال، وفوّض إليه أمر الإقامات وتدبير الأحوال فى طريق الحجاز الشريف. فلمّا كانت العودة رتّب ناظر النظّار بالشأم المحروس واستمرّ كذلك حتى انفصل بكريم الدين الصغير حسبما نذكر من ذلك فى تأريخه
وكان لمّا حلّ الركاب الشريف بدمشق المحروسة فى التأريخ المذكور قد زيّنت دمشق زينة عظيمة، وكذلك ساير مدن الشأم والحصون والقلاع.
وحصل للناس من الفرح والسرور ما يضيق عن بعض وصفه هذا المختصر.
وخرجت الجيوش الشأميّة مع أمرايها، وقبّلوا الأرض عند الجسورة.
ونزل الركاب الشريف على مصطبة السلطان. ومدّ خوان (2) عظيم عمّ على الخاصّ والعامّ. وقدّم القاضى نجم الدين بن صصرى قاضى القضاة بالشأم المحروس ألف رأس غنم شوا وألف طبق فاكهة وثلاثة ألف علبة حلاوة، وقدّم خمس حجورة، ثلاثة من خيل العماد وثلاث من بنات الفارة أصلهم من خيول صاحب حماة، وقدّم (6). . . ثوب أطلس وكمخا ومروزىّ وكنجى وغير ذلك، وثلاثة مماليك وجاريتين كالبدور الطلع، وكذلك قدّموا كبار دمشق مثل عزّ الدين بن القلانسىّ وكمال الدين بن الزملكانىّ ونظراهم شيئا كثيرا جدّا (9). وبسط الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا مع جماعة الأمرا الشأميّين من قصر حجّاج إلى باب الميدان الثياب المثمّنة النفيسة، وكان يوما مشهود، لم يرا مثله مذ كانت الوجود، وأقام ركابه الشريف بدمشق (12). . .
وعاد من الحجاز الشريف فى التأريخ المذكور، وقد غمر أهل الحجاز بالبرّ والمعروف، ونفق فى الصدقات المبرورة آلاف الألوف، وذلك لم يزل منه مشهود ومعروف. وكان فى مدة غيبة ركابه الشريف بالحجاز الشريف قد ضاقت بالعساكر الأقطار، وتحسّنت من كثرتهم فى ساير الأصناف الأسعار، حتى بلغ الحمل التبن ثلاثين درهما وأكثر. ولولا تفرّقهم فى جميع تلك الأماكن المذكورة كان السعر بخلاف ذلك.
وعاد الركاب الشريف من الحجّ المبرور والسعى المشكور، وقد فعل من المعروف ما عاد مذكور، إلى آخر الدهور. وكان دخوله إلى دمشق
(2) خوان: اخوان
(6)
بعد «وقدم» بياض لكلمة واحدة، لعلها اسم رجل
(9)
شيئا كثيرا: شى كثير
(12)
بعد «بدمشق» بياض لنصف سطر
المحروسة الساعة الأولة من يوم الخميس سابع عشرين المحرّم. وخرج إلى ملتقى ركابه الشريف ساير من كان بدمشق من الجيوش المصريّة والشأمية إلى الجسورة. واصطفّوا صفوف، ألوف ألوف (3)، وعادوا يقبّلون الأرض عدّة مرار، الكبار من الأمرا والصغار، فكانت ساعة تذهل فيها العقول، وتقصر عنها النقول. ثمّ عاد البسط من قصر حجّاج إلى الميدان بإمكان، وأىّ إمكان! وكان قد تقدّم ببشارة سلامة ركابه الشريف الأمير سيف الدين قجليس السلحدار. وكان عند الناس أعظم من يوم عيد ذلك النهار. ولمّا استقرّ ركاب مولانا السلطان بالقصر الأبلق المطلّ على الميدان، خرجت الخلع والإنعامات والهدايا والأرمغانات.
وفرّق الحجورة الحجازيّة على جميع الأمرا المصريّة والشأميّة، وكذلك هدايا الحجاز الشريف، من كلّ صنف لطيف، وقدره شريف
وضرب مشورا على أنّه يسوق إلى حلب، ثمّ يعدّى الفراة ويدوس البلاد، ويجمع بين الحجّ والغزاة، ويؤدّى (13) الفريضتين، ويفعل فوق ما فعله الملك الظاهر بالبلستين. وقوى العزم الشريف على ذلك، فى دوس تلك الممالك والمسالك. وبرز المرسوم الشريف للأمير سيف الدين آقول الحاجب بأن يركب يتوجّه لطرد الجيوش الإسلاميّة والعساكر المحمديّة من الأماكن التى هم بها متفرّقون من المغربين والمشرقين، وطرد الخيول من الدشار، وسوق العساكر من تلك الديار. ثمّ إنّ الموالى الأمرا قبّلوا الأرض بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، وأثنوا عزمه الشريف عن تلك النيّة، وقالوا: يحفظ الله مولانا السلطان، قد حضر الركاب الشريف من الحجاز تعبان، والعدوّ المخذول فقد عاد
(3) ألوف ألوف: اللوف اللوف
(13)
يؤدى: يدى
مكسور، بشارب مذلول، وقد رجع بالذلّ والهوان، من هيبة مولانا السلطان. والأسعار فقد غلت، والأثمان فى ساير الأصناف قد علت، والبلاد التى بيقصدها مولانا السلطان فبلاد إسلام، وليس عليهم ملام، بما فعاوه التتار الليام. ومولانا السلطان فقد جعله الله تعالى غيثا للبلاد، ورحمة على العباد، ولا يأخذ أهل المدن من المسلمين، بما فعلوه التتار الجاهلين.
وعساكر مولانا السلطان فهوج عظيم، وعالم جسيم، وحيث حلّوا كسروا، وأين داسوا دثروا، وسعة صدر مولانا السلطان يسع من جهل، وكفى بالعدوّ المخذول، وقد عاد وهو خايب الأمل
فرجع نصره الله إلى مقالهم، ولم يخيّب قصدهم وآمالهم. ثمّ برز المرسوم بالدستور إلى الديار المصريّة، وقد شكر الله تعالى له هذه المساعى المرضية.
ثمّ توجّه الركاب الشريف طالبا لديار مصر، وقد حفّته الملايكة المقرّبون بالنصر. فكان دخوله إلى محلّ ملكه، وساير الأمرا المصريّين منتظمون فى سلكه، <ثانى عشر> (13) من شهر صفر المبارك، والسعد قرينه، والتوفيق له مشارك
ولمّا استقرّ ركابه الشريف، بالقصر العالى المنيف، كان قد بدا من الأمير عزّ الدين أيبك الرومىّ والأمير سيف الدين بينجار ما أوجب تغيّر الخواطر الشريفة عليهما. فمسكهما وأودعهما الاعتقال، وبطل القيل والقال. ثم اشتغل-أيّده الله بالقرآن-فى تشييد عدّة أماكن بالبنيان، إلى ما يذكر بعد ذلك من البيان
(13) مكان تأريخ النهار بياض فى الأصل، أضيف من زت 160 الذى يذكر رجوع السلطان فى سنة 713