الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصلاح الدين بن صارم الدين والى الخاصّ. ولمّا تحقّق ملك الأمرا ذلك قصد الهروب من دمشق. ثمّ تثبّت (2) وأرسل إلى المقام الشريف السلطانىّ الأمير بدر الدين الزردكاش والأمير علاء الدين أيدغدى الجمالىّ لإصلاح شأنه عند مولانا السلطان عزّ نصره. ثم وصل الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار من صفد طالبا لملتقى الركاب الشريف السلطانىّ. فحينئذ ضاق بملك الأمرا الحال فخرج من دمشق ليلة الأحد سادس عشر شعبان مع جميع خواصّه وحفدته، وأخلى القصر الأبلق من جميع ما كان له به.
وشرعوا الأمرا مثل الأمير ركن الدين بيبرس العلايى وسيف الدين آقجبا وجمال الدين الطشلاقىّ فى عمل المهمّ وتجهيز الإقامات لحضور الركاب الشريف، ورتّبوا آلات المملكة مثل الكوسات والعصايب والجمداريّة والرمحداريّة والجنايب، ونفذوهم لمولانا السلطان، وخرجوا السوقة والمتعيّشين. والناس يظنّون أنّ ذلك أضغاث أحلام، لسرورهم بقدوم سيّد ملوك الإسلام. وفى عشيّة يوم الأحد وصل الأمير علاء الدين الجمالىّ والزردكاش بأمان مولانا السلطان للأمير جمال الدين ملك الأمرا، فلم يجداه.
ثمّ خرج الأمرا مع ساير الناس لملتقى الركاب الشريف. وطلعت الخطبا على المنابر ودعوا لمولانا السلطان. وضجّت العامّة بالدعا وتباشروا بالسرور العامّ
ذكر دخول مولانا السلطان عزّ نصره دمشق المحروسة
وذلك أنه نودى ليلة الثلثا ليلة ثامن عشر شعبان المكرّم بمدينة دمشق: أن تفتح الدكاكين وتزيّن البلد أعظم زينة لقدوم مولانا السلطان الملك الناصر نصره الله. فزيّنت البلد أحسن زينة. وخرج الناس بأجمعهم من
(2) تثبت: تثبت
النسا والرجال، والصغار والأطفال، وباتوا تلك الليلة على السقايف، وهم لا يصدّقون بالصباح، ليكون صباحهم بذلك الوجه الكريم الوضّاح، وكانت ليلة مشهودة، لم تنظر إلاّ إلى شموع موقودة، وذا يصلح فى بمّه وزيره من عوده، وذا يترنّم فرحا بهذه العودة، وذا يحمد الله على نعمه، وذا يشكره على إزالة نقمه، وذا يرقص طربا لهذه البشارة، حتى الجمادات تعلن بالأفراح إشارة. فيالها من ليلة، ما كان أبركها على العباد، وأبردها على الأكباد! وأصبح الناس على ما هم عليه، من التشوّق والتشوّف إليه. فلمّا كان سابع ساعة من ذلك النهار، وقد فاز المخفون بنظرة فوزا، والطالع آخر الثور وأوّل الجوزا، دخل مولانا السلطان بالسؤدد والخفر، مؤيّدا بالنصر والظفر. وقد حفّته الملايكة زمرا زمر، وضجّت الناس بالدعاء له بالنصر والتأييد، وأن يبلّغه الله كلّ ما يقصد ويريد. وكان هذا اليوم أعظم من كلّ عيد، دقّت فيه البشاير، ودخل فى أيمن طالع وأسعد طاير. فلمّا وصل إلى باب القلعة مدّوا الجسر وفتحوا الباب، وخرج متولّيها السنجرىّ فقبّل التراب (15)
فأشار مولانا السلطان، والنور من وجهه قد أشرق: لا أنزل إلاّ بالميدان والقصر الأبلق. -هذا والأمير سيف الدين الحاجّ بهادر حامل الستر الشريف، وقد تشرّف بحمله، وإن كان ثقيلا فقد عاد خفيف. وكان أوّل من شال الغاشية بين يديه الشريفتين، ومشى بها خطوة وميتين، الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير. ثمّ دخلوا بعده ساير الأمرا، الكبير
(15) وخرج. . . التراب: بالهامش
منهم دون الصغير، ولمّا استقر مولانا السلطان، نزوله بالميدان، نقل فى تلك الساعة السنجرىّ والى القلعة الخوان (2)، ومدّه فى الميدان، فكان يشتمل على ألوان {صِنْاانٌ وَغَيْرُ صِنْاانٍ} (3) هذا والمغانى تقرع بالدفوف، والعالم من الأمرا والجند صفوف صفوف، وكان فى الجملة مغنّية تسمّى ضيفة الحمويّة، فغنّت بهذا القصيد، فى ذلك الوقت السعيد، واستفتحت به نشيد <من الكامل>:
ولقد نذرت بإن رأيتك سالما
…
ونظرت وجهك أن أصوم شهورا
حذرا عليك من الزمان وغدره
…
حتى تعود مؤيّدا منصورا
فأمر لها مولانا السلطان بجملة إنعام. وفى ذلك اليوم نثر الأمير سيف الدين قطلبك على مولانا السلطان عند أوّل جلوسه بالقصر كيس أطلس مليء (11) فصوص ولؤلؤ كبار وحبّات جواهر، ما تحصى قيمته
وفى آخر ذلك النهار وصل الأمير سيف الدين تمر الساقى نايب حمص.
وفى يوم الأربعا تاسع عشره حلّفوا عسكر صفد وسفّروهم شاليشا يقدمهم الأمير سيف الدين آقجبا الظاهرىّ. واستقرّ مولانا السلطان بالقصر والأمرا فى خدمته. وخطب له يوم الجمعة فى ساير الممالك الشأمية
وفى يوم السبت ثانى عشرين الشهر وصل الأمير جمال الدين الأفرم ملك الأمرا مذعنا بالطاعة، والتقاه مولانا السلطان وترجّل له وعانقه. ثمّ قدّم له ولده موسى. فقبّل الأرض بين يدى المواقف الشريفة. فتناوله مولانا السلطان وأجلسه فى حضنه وقبّله ثلاث مرّات، ولا زال فى حضنه
(2) الخوان: الاخوان
(3)
السورة 13 الآية 4
(11)
مليئ: ملاء
حتى سأله أبوه وتناوله منه. وأحضر ابن صبح وقبّل الأرض. فسأل السلطان عنه، فقيل: هذا ابن صبح الذى هرّب الأمير جمال الدين. -فأقبل عليه مولانا السلطان وشكره لوفاه بالأمير جمال الدين وحسن صنيعه له، وأخلع عليه. ورسم لملك الأمرا فى ذلك النهار أن يستقرّ على نيابته، وتقرأ عليه القصص، ولا يغير عليه مغير. وفى يوم الأحد قدّم الأمير جمال الدين تقادم عظيمة لا تقوّم. وفى يوم الاثنين وصل الأمير سيف الدين قبجق من حماة، وكذلك الأمير سيف الدين أسندمر من طرابلس. وخرجوا الأمرا والتقوهم، وخرج لهم مولانا السلطان خلّد الله ملكه والتقاهم
ثمّ وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ من حلب.
حدّثنى من أثق به أن كان سبب مجيئه سنقر شاه الظاهرىّ، وذلك أنّه ضرب مشور: هل يدخل تحت الطاعة أم لا؟ -فقال له الأمير شمس الدين سنقر شاه: المصلحة عندى أن تدخل فى طاعة ابن أستاذك.
فإنّ نحن ما دخل علينا الدخيل إلاّ لمّا خالفنا الملك السعيد ابن أستاذنا. - فبلغ ذلك مولانا السلطان، فكان لسنقر شاه بعدها عند مولانا السلطان يد بيضا. وخرج مولانا السلطان عزّ نصره والتقاه وترجّل له وعانقه ساعة. وحمل قراسنقر شاه فى ذلك اليوم الغاشية بين يدى مولانا السلطان
وفى يوم الاثنين مستهلّ شهر رمضان نفق مولانا السلطان فى الجيوش ورسم: كلّ من قبض نفقته سافر إلى غزّه
وفى ثالث رمضان المعظّم وصل جيش حلب، وطلب قراسنقر فى أحسن زىّ وأعظم أهبة. وتكمّلت العساكر الشأميّة فى عدّتها وعديدها