الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم الظلام. هنالك تحقّقوا أنّ الهزيمة حقّا، فتبعوا هنالك المسلمين غربا وشرقا
وكان وصول الركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره وطلوعه إلى قلعة الجبل المحروسة ثالث عشر شهر ربيع الآخر كما يأتى ذكر أخباره السارّة بعد ذلك، إنشا الله تعالى (5)
ذكر ما جرى لدمشق من الأحوال الناكدة
ولمّا تحقّق الأمر عند أهل دمشق اشتدّ خوفهم وكثرت الأراجيف واختلفت الأقوال. فمنهم من قال إنّ غازان مسلم، وإنّ غالب جيوشه كذلك، وإنّهم لم يتبعوا المسلمين من المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدا (10). وكثرت الأقاويل فى ذلك. فلمّا كان يوم السبت رابع اليوم من الوقعة وقعت صيحة عظيمة بالبلد، وخرجت النسا مهتّكات لمّا بلغهم أنّ التتار دخلوا البلد. ولم يكن لذلك ضجّة، وانفرجت فى ساعة، لكن بعد ما مات فى ذلك اليوم على أبواب دمشق جماعة نحو من عشرين نفر، منهم شخص يسمّى النجم المحدّث البغدادىّ. وذلك لعظم الازدحام بالأبواب. وكان ليلة السبت قد خرج من البلد جماعة من أعيان الناس وكبار البلد وهم قاضى القضاة إمام الدين، والقاضى جمال الدين المالكىّ، وتاج الدين بن الشيرازىّ، ووالى البلد ووالى البرّ والمحتسب مع جماعة كبيرة من بياض الناس، وتوجّهوا إلى الديار المصريّة. وفى ليلة الخميس، أحرقوا المحابيس، باب سجن باب الصغير، وخرجوا منه فى عدّة مايتى
(5) إنشاء الله تعالى: بالهامش
(10)
أحدا: أحد
وخمسين نفر، وتوجّهوا إلى باب الجابية وكسروا الأقفال وفتحوا الباب وخرجوا. وأصبح الناس يوم الأحد لا يدرون ما هم فيه، ولا ماذا يفعلون
واجتمع الناس فى ذلك اليوم فى مشهد علىّ، وتشاوروا فى أمر الخروج إلى غازان. فكان ممّن اجتمع ذلك اليوم من يذكر وهم: القاضى بدر الدين ابن جماعة، والشيخ زين الدين الفارقىّ، والشيخ تقىّ الدين بن التيميّة، وقاضى القضاة نجم الدين بن صصرى، والصاحب فخر الدين بن الشيرجىّ، والقاضى عزّ الدين بن الزكىّ، والشيخ وجيه الدين بن منجى، والصدر عزّ الدين بن القلانسىّ، وأمين الدين بن شقير الحرّانىّ، والشريف زين الدين بن عدنان، والشيخ نجم الدين <بن> أبى الطيّب، وناصر الدين عبد السلام، والصاحب شهاب الدين بن الحنفىّ، والقاضى شمس الدين بن الحريرىّ، والشيخ الصالح شمس الدين قوام النابلسىّ، وجماعة كبيرة من القرّا والفقها والعدول، وأجمعوا رأيهم على الخروج إلى غازان. فلمّا كان نهار الاثنين صلّوا صلاة الظهر وتوجّهوا إلى الله عز وجل وخرجوا ليتقنوا أمر صلاح البلد
وعقيب خروجهم من البلد نادى مناد بدمشق من قبل أرجواش نايب القلعة المحروسة: بأمره ألاّ يباع شئ من عدّة الجند، فسلطانكم صاحب مصر. وأبيعت الخيل بدمشق بخمسين وستّين درهم الفرس، وبلغ الجوشن الذى قيمته مايتى درهم عشرين درهم. ولم يبق للناس سوق معروف، بل ينادون حيث شاؤا، ولا عاد فى البلد حاكم يرجع إلى حكمه، وعاد الناس يأكلون بعضهم بعضا، ومن كان فى نفسه من أحد شئ وقوى عليه أتلفه. فلمّا كان يوم الجمعة لم يفتح للبلد باب، فعند وقت الصلاة كسرت أقفال باب توما، تولّى ذلك نوّاب الولاة. ثمّ أقيمت الصلاة ولم يعيّن فى الخطبة اسم سلطان
وبعد صلاة الجمعة وصل إلى ظاهر دمشق جماعة من التتار، ويقدمهم منهم شخص يسمّى إسمعيل، وقيل إنّه قرابة غازان. ونزلوا بستان الظاهر من طريق القابون، وعلى يدهم فرمان غازان بالأمان، وسيّروه إلى المدرسة البادرائيّة (4)، وحمل وطيف به على الأعيان، وهو فى كيس جلد. واجتمع الناس ليقرأ، فلم تهيّأ ذلك اليوم له قراية بالمدرسة المذكورة. ثمّ قيل للناس:
اجتمعوا بالجامع! -فاجتمع الناس حتى امتلأ الجامع. ثمّ خرجوا ولم يقرأ.
ثمّ وصلوا تلك الأعيان المذكورون الذين كانوا توجّهوا إلى غازان بعد غيبة أربعة أيّام. وذكروا أنّهم التقوا غازان فى الليل وهو ساير بجيوشه. فنزلوا بين يديه، وقبّل بعضهم الأرض، فوقف لهم وترجّل جماعة من المغل بين يديه ووقف الترجمان وتكلّم بينهم بما مضمونه: إنّ الذى طلبتوه من الأمان قد أرسلناه إليكم قبل حضوركم ومن قبل سؤالكم. -وكان المتكلّم من الجماعة الصاحب نجم الدين الشيرجىّ. ثمّ إنّ غازان نزل المرج. وذكروا أنّه لا يدخل البلد إلاّ يوم (13) الجمعة، ولا يفتح إلاّ باب واحد لأجل منع من يتعبّث من التتار. ثمّ لمّا كان يوم الجمعة لم يدخل غازان البلد. وحضر الأمير إسمعيل ورفيقه الأمير محمد، ومعهم جماعة من التتار، إلى مقصورة الخطابة وصلّوا الجمعة. واجتمع تلك الأعيان المذكورون، وأخرج الفرمان، وتولّى قرايته (17) رجل من الواصلين مع التتار، وكان يبلّغ عنه المجاهد المؤذّن وهذه نسخته:
بقوّة الله تعالى وإقبال دولة السلطان محمود غازان
ليعلم أمرا التوامين والآلاف (20) والمئين مع عموم العساكر المنصورة من المغل
(4) البادرائية: البادرئيه
(13)
إلا يوم: إلى يوم
(17)
قرايته: قرآئه
(20)
الآلاف: والاف
والتتار والأرمن والكرج وغيرهم ممّن داخل تحت ربقة طاعتنا: أنّ الله لمّا نوّر قلوبنا بنور الإسلام، وهدانا إلى ملّة النبىّ عليه السلام {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (4) ولمّا أن سمعنا أنّ حكّام مصر والشأم، خارجون عن طريق الدين، غير متمسّكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفا ولا ذمام، ولا لأمورهم التيام، ولا انتظام، وكأنّ أحدهم {إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} (9) وشاع شعارهم بالحيف على الرعيّة، وأضاعوا الحقوق المرعيّة، ومدّوا أيديهم العادية إلى حريمهم وأموالهم وأولادهم وعيالهم. والتخطّى عن جادّة العدل والإنصاف، وارتكابهم الجور والإعساف، حملتنا الحميّة الدينيّة والحفيظة الإسلامية على أن توجّهنا إلى هذه البلاد، لإزالة هذا العدوان، وإماطة هذا العصيان. مستصحبين الجمّ الغفير من العساكر التى ضاق بهم الفضاء ونسلّطهم على العصاة لله من الله قضاء، ونذرنا على أنفسنا إن وفّقنا الله تعالى لفتح البلاد. أزلنا الفساد، عن العباد. ممتثلين (15_) للأمر الإلاهىّ {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ} (16) فلله علينا بذلك الامتنان، وإجابة لما ندبه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم (إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم)(18) وحيث كانت طويّتنا مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور الأكيدة، منّ الله علينا بتبلّج
(4) السورة 39 الآية 22
(9)
السورة 2 الآية 205
(15_) ممتثلين: ممتثلا --الإلاهى: الاهى
(16)
السورة 16 الآية 90
(18)
الجامع الصغير 1:145
تباشير النصر المبين والفتح المستبين، وأتمّ علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، قهرنا العدوّ الطاغية والجيوش الباغية، وفرّقناهم أيدى سبا {وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} (2) حتى {جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً} (3) فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين فى زمرة من حبّب إليهم الإيمان وزيّنه فى قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أوليك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة (5)، فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثّقة والنذور المؤكّدة (7)
فصدرت مراسمنا العالية ألاّ يتعرّض أحد (8) من العساكر المذكورة على اختلاف طبقاتها، وتباين أجناسها واختلاف لغاتها، لدمشق وأعمالها وساير البلاد الشأميّة الإسلاميّة، وأن يكفّوا أظفار المتعدّى عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، ولا يجولوا حول حماه بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، وآمال مفسوحة، لعمارة البلاد، وتطهير الفساد، وتطمين العباد، بما هو كلّ واحد بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك من كلّ صناعة. وكان هذا الهوج العظيم وكثرة هذه العساكر، وتزاحم هذه الدساكر، تعرّض بعض نفر يسير إلى نهب بعض الرعايا وأسرهم، فأمرنا بقتلهم كيف رموهم بشرّهم، ليعتبر الباقون ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر وغير ذلك من جميع الفساد. وليعلموا أنّا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتّة فى أذيّة أحد من العباد، ولا يتعرّضوا لأحد من أهل الأديان على اختلاف أديانهم من اليهود والنصارى والصابئة (19)، فكلّ منهم قد عاد منّا
(2) السورة 34 الآية 19
(3)
السورة 17 الآية 81
(5)
قارن السورة 49 الآية 7 و 8
(7)
المؤكدة: الماكده
(8)
أحد: أحدا
(19)
والصابئة: والصابة
فى أمان. فإنّهم إنّما يؤدّون (1) الجزية. ليكون لهم أمان فى أموالهم ودماهم، والسلاطين موصون على أهل الذمّة، كما هم موصون على المسلمين من أهل هذه الأمّة. فإنهم من جملة الرعايا، قال صلى الله عليه وسلم (3)(كلّكم راع وكلّ راع مسئول عن رعيّته)(4)
فسبيل القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء، والأكابر والشرفا والمشاهير (5) وعامّة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهنىّ، والفتح السنىّ، وأخذ الحظ الوافر من السرور. والنصيب الأكبر من البهجة والحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة والمملكة الطاهرة، آناء الليل وأطراف النهار
وكتب خامس ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستّ ماية
وكان قرايته (10) على السدّة بالجامع المعمور بذكر الله تعالى، المعروف بجامع بنى أميّة بدمشق المحروسة. فلمّا قرئ هذا الفرمان صاحت العوامّ ورعاع الناس ودعوا للملك، وأكثروا الضجيج كعادتهم فى ذلك. وحصل للناس بذلك سكون وطمأنينة (13). ثمّ استمرّ أوليك النفر من التتار بالمقصورة، إلى صلاة العصر فصلّوا. ثمّ توجّهوا إلى منازلهم. وفى يوم الأحد تاسعه أهانوا جماعة الدماشقة بمدرسة القيمريّة بسبب تحصيل الخيل
ولمّا كان يوم الاثنين عاشره تقرّبوا من البلد وأحدقوا بدمشق واحتاطوا بالغوطة من كلّ مكان. وكثر العبث والنهب والفساد. وأخذت ذخاير الناس، وقتلوا جماعة من أهل القرى والضياع، وعمّ الأذى. ولم يعود
(1) يؤدون: بدون--أمان: أمانا
(3 - 4) الجامع الصغير 2:158
(5)
والمشاهير: بالهامش
(10)
فرأيته: قرآته
(13)
طمأنينة: اطمانينه
أحد (1) يطيق الخروج من البلد. وعاد الناس ينظرون من أسوار البلد (إلى ما حلّ بالحواضر)(2) البرّانيّة مثل العقيبة والشاغور وقصر حجّاج وحكر السمّاق من النهب وكسر الأبواب. وفى هذا اليوم اشتهر أن كثيرا (3) منهم يمرّون بظاهر البلد، ويتوجّهون إلى ناحية الكسوة، فظنّ الناس أنّهم مأمورون بالتوجّه إلى مصر
وفى آخر هذا اليوم المذكور وصل الأمير سيف الدين قبجق والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار إلى البلد ونزلوا فى الميدان. وتكلّموا فى طريقهم مع الأمير علم الدين أرجواش نايب القلعة، وأشاروا عليه بتسليمها:
وإنّ دماء المسلمين فى عنقك. -فأجابهم: إنّ دماء المسلمين فى أعناقكم أنتم لأنّكم كنتم السبب فى مجى التتار. -ولم يجيبهم إلى التسليم. وجرى بينهم كلام كثير، هذا ملخّصه. وفى بكرة يوم الثلاثا خامس عشرة ورد مثال من إسمعيل النايب، مضمونه أنّ الجماعة الأعيان يجتمعون ويقفون لأرجواش ويحسّنون له تسليم القلعة، ففعلوا ذلك فلم يجيبهم إلى شئ. وجرى بينهم كلام كثير
ولمّا كان يوم الجمعة خطب الخطيب بما صورته حسبما رسم له به من الدعاء فى الخطبة للسلطان الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين، مظفّر الدنيا والدين محمود غازان، وصلّى فى المقصورة جماعة من المغل. فلمّا كان عقيب الصلاة حضر المقصورة الأمير سيف الدين قبجق. ثمّ إنّه صعد وصحبته الأمير إسمعيل إلى السدّة. واجتمع جماعة كبيرة من العالم تحت قبّة
(1) أحد: احدا
(2)
الى ما حل بالحواضر: مكرر فى الأصل
(3)
كثيرا: كثير
النسر. وذكر عبد الغنىّ إنعام الملك غازان. ثمّ دعا له. ثم قرئ عليهم مكتوب (2) بتولية قبجق نيابة الشأم، بكماله وما معه وما هو مضاف إليه، فكان ما هذا نسخته:
بقوّة الله تعالى وميثاق الملّة المحمّديّة فرمان السلطان محمود غازان
الحمد لله الذى أيّدنا بالنصر العزيز، والفتح المبين، ونصرنا بالملايكة المقرّبين، وجعلنا من جنده الغالبين، نحمده على الهداية إلى سبيل المهتدين والإرشاد إلى إحيا معالم رسوم الدين، حمدا يوجب المزيد من فضله كما وعد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة بنصّها فى سلك المجاهدين. وأن محمدا عبده ورسوله، سيّد الأنبيا والمرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله. صلاة تصله إلى يوم الدين
أمّا بعد: فإن الله تعالى لما ملّكنا البلاد، وفوّض إلينا بلطفه أمور العباد. وجب علينا أن ننظر فى مصالحهم. ونهتمّ بنصايحهم. وأن نقيم عليهم نايبا، يتخلّق بأخلاقنا فى كرم السجايا. ويبلّغنا الأعراض من مصالح الرعايا. فأعملنا الفكر فيمن نقلّده هذه الأمور. ويكون آمرا على جميع هذه الممالك الإسلاميّة لا مأمور، وأنعمنا النظر فيمن نفوّض إليه مصالح الجمهور. واخترنا لها من يحفظ نظامها (17) المستقيم. ويقيم ما هوى من قوامها (18) القويم. يقول فيسمع مقاله. ويفعل فتتّقى أفعاله، يكون أمره من أمرنا. وحكمه من حكمنا. وطاعته من طاعتنا. ومحبّته هى الغرض إلى محبّتنا. فرأينا أنّ الجناب العالى الأوحدى المؤيّدى العضدى
(2) مكتوب: مكتوبا--مضاف مضافا
(17)
نظامها نصامها
(18)
قوامها: قومها
النصيرىّ العالمىّ العادلىّ الذخرىّ الكفيلىّ الممهّدىّ المشيّدىّ المجاهدىّ المشيرىّ الأثيرىّ العمامىّ النظامىّ السيفىّ سيف الدين ملك الأمرا فى العالمين، ظهير الملوك والسلاطين قبجق، وهو المخصوص بهذه الأوصاف الجميلة، والمحتوى لهذه السمات الجليلة، فإنّه أذخرته المهاجرة إلى أبوابنا. ووصله القصد إلى ركابنا، فرعينا له هذه الحرمة، وقابلناه بهذه النعمة.
ورأينا أنّه لهذا المنصب حفيظ مكين، وخاطبنا لسان الاختيار أنّ نعم {مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (7) وعلمنا أنّه يبلغ الغرض من صون الرعايا، ويقوم مقامنا فى ساير القضايا. فلذلك رسمنا أن نفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك (9) الشأميّة والحلبيّة والحمويّة والحمصيّة. وشيزر وبغراس وأنطاكية، مع ساير الممالك الطرابلسيّة. وجميع الحصون والأعمال الفراتيّة، وقلعة الروم، والبيرة وباهسنا. وما أضيف إليها من الأعمال والثغور والقلاع والحصون، نيابة تامة عامة كاملة شاملة. يؤتمر فيها بأمره، ويطاع فيها نهيه. ولا يخرج أحد عن حكمه، له الأمر التامّ.
والحكم العامّ. وحسن التدبير. وجميل التأثير بالإحسان لأهل البلاد.
واستجلاب الولاء والوداد. ومؤمّن (16) مرتبطين الآمال ناظرا، إلى من دخل تحت الطاعة بالامتنان. مشفقا فى الاستخدام والتأمين، مع ملك الأمرا والوزرا ناصر الدين. فإنّ اجتماع الأمر بركة، والهمم تؤثّر إذا كانت مشتركة. فليبق كلّ من يؤمّناه بأمانهما. فإنّه أماننا أجريناه على قلبهما ولسانهما. وقد أنعمنا عليه بالسيف والسنجق الشريف والكوس والبايزة الذهب رأس السبع
(7) السورة 28 الآية 26
(9)
بالممالك: بالتمالك
(16)
مؤمن: مامن
وسبيل الأمرا والمقدّمين وأمرا العربان والتركمان والأكراد والدواوين والصدور، بالأعمال والجمهور، أن يتحقّقوا أنّه نايبنا الذى فوّضنا إليه النيابة الشريفة والمنزلة المنيفة، أن يطيعونه سرا وجهرا، ولا يعصون له أمرا، وأنّ أمرهم إليه وقربهم لديه، ممّا يحصل لهم به رضاه عنهم وقربه منهم، وليلزموا عنده من الأدب والخدمة ما يجب. وليكونوا معه فى الطاعة والموافقة على المصالح كما يجب
وعلى ملك الأمرا سيف الدين، تقوى الله تعالى فى أحكامه، ونقضه وإبرامه، وتقوية يد قضاته للشرع وحكّامه، وتنفيذ قضيّة كلّ قاض على قول إمامه. وليتعاهد الجلوس للعدل فى ساير أيّامه، بطريقة العدل والإنصاف، وأخذ الحقّ للمشروف من الأشراف، وليقم الحدود والقصاص على كلّ من وجب عليه، وليكفف الكفّ العادية على كلّ من يرد إليه، والله تعالى يعجّل له إلى الخيرات سبيلا، ويوضّح له إلى مرضاة الله تعالى ومراضينا دليلا، إنشاء الله
وكتب فى عاشر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستّ ماية
ولمّا فرغوا من قراية الفرمان نثروا عليه الذهب والفضّة، وفرح الناس بولاية قبجق عليهم ظنّا منهم أنّه يرفق بهم. وذكر القاضى جلال الدين أنّه اجتمع به، فشكا إليه ما هو فيه من التعب ومداراة التتار، وأنّه يريد لأجل هذا التقليد ألفى دينار معجّلة سرعة. فقال له القاضى جلال الدين:
عندى فرس وبغلة، أحملهما إليك تسعّر بهم. فقال: الخيل والبغال لهم، ليس لكم فيها مؤنة (19)، وإنما يطلبون الذهب الذهب
ثمّ نزل شيخ الشيوخ بالمدرسة العادليّة فى يوم الجمعة المذكور، وأحضر إليه ضيافة. فأظهر العتب على أهل البلد لكون أنّهم لم يتردّدوا إليه. وادّعى
(19) مؤنة: مأنة
أنّه يصلح أمرهم، ويتّفق معهم على ما يعود نفعه عليهم فى أمر القلعة.
فقال بعض الجماعة: إنّ قبجق هو يخبر أمر القلعة. -فكان جوابه:
إنّ خمس ماية من قبجق ما يكونون فى فصّ خاتمى. -وظهر منه (تعظيم كبير)(4) لنفسه
ثمّ إنّ التتار طلعوا إلى جبل الصالحيّة، وفعلوا فيه من الأفعال القبيحة ما يطول شرحه ممّا تقشعرّ لهول سماعه الأبدان. فخرج الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة إلى عند شيخ الشيوخ وصحبته جماعة من أهل البلد، وشكوا إليه الحال.
فخرج إليهم فى يوم الثلثا وسط النهار. فلمّا بلغ التتار الذين كانوا بجبل الصالحيّة مجى شيخ الشيوخ هربوا بعد أن أخربوا جميع مساكنه ونهبوا ساير أمواله وسبوا حريم أهله وأولادهم وبناتهم، وجرت عليهم أمور عظام لا يطاق سماعها، أضربت عن ذكر جميع ذلك
ثمّ إنّهم أحرقوا فى دمشق نفسها عدّة أماكن التى بجوار القلعة بسبب الحصار. ونزلوا التتار بباب البريد والجامع الأموىّ، وشربوا فيه الخمور وفجروا بحريم المسلمين، وفعلوا كلّ فاحشة من العظايم، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم
قلت: الناس يستعظموا ما جرى على دمشق وأهلها من فعل التتار الكفّار الذين ليس لهم دين ولا مذهب يرجعون إليه، فقد جرى على دمشق وأهلها من المغاربة، أصحاب المعزّ، أوّل الخلفا الفاطميّين، بزعمهم بمصر، ما إذا قابل به القارئ له فى الجزء السادس من هذا التأريخ، وهو الجزء المختصّ بذكر الخلفا العبيديّين من المصريّين، استقلّ عنده فعل التتار هذا واستصغره،
(4) تعظيم كبير: تعظيما كبيرا
هذا وهم مسلمون وخلفاهم يدّعون أنّهم علويّون وفاطميون، ف {إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ} (2)
ثمّ إنّ التتار أخذوا من دمشق تقدير عشرة آلاف فرس. ثمّ قرّروا على أهلها الأموال، فكان المقرّر على أسواق دمشق ما يذكر: سوق الخوّاصين ماية ألف وثلاثين ألف درهم، وعلى الرمّاحين ماية ألف درهم، سوق علىّ ماية ألف درهم، سوق النحّاسين ستّين ألف درهم، قيساريّة الشرب ماية ألف درهم، حتى وصل التقرير على سوق الذهبيّين مع صغره وقلّة أهله وقرّر عليه ألف وخمس ماية (8) درهم. ثمّ لم يقنعوا بذلك حتى قرّروا على جميع أسواق دمشق مع أعيان سعدايها وأكابرها، تتمّة ثلاث ماية ألف دينار، وجبيت على حساب أربع ماية ألف دينار. ورسم على أهل البلد طايفة من شرار المغل، وألزموهم بالمبيت فى المشهد الجديد بالجامع، وفيه كان الاستخلاص، ومنعوا من يدخل إليهم، وأمروا بعصر ابن شقير، ووعد بذلك ابن منجّى وابن القلانسىّ وغيرهم من كبار البلد، وعادوا يضربوهم على ظهورهم ويمسكون أكمامهم، وكذلك جرى على قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى. هذا وقد كثر النهب فى البلد وزاد البلاء على الناس وعظم الأمر. وعادوا يتسوّرون على الناس من الأسطحة وكسروا الأبواب، وكان ذلك فى يوم الجمعة ثامن وعشرين الشهر، لا سيّما وقت الصلاة، وتهاربت الناس من سطح إلى سطح، ووقع من الناس جماعة، وكسرت أرجلهم وأضلاعهم. ثمّ جبى على الرءوس وكان المطلوب شيئا كثيرا (19) لا تحمّله البلد ولا تقاربه، فعسر الأمر على الناس.
وكان متولّى الطلب الصفىّ السنجارىّ وعلاء الدين أستادار قبجق وأبناء (20) الشيخ
(2) السورة 2 الآية 156
(8)
ألف وخمس ماية: الفو خمس مائة
(19)
شيئا كثيرا: شى كثير
(20)
وأبناء: وآبناى
الحريرىّ. وعملوا الشعراء فى هذه النازلة أشعارا (1) كثيرة، فمن ذلك للقاضى كمال الدين بن الزملكانىّ يقول <من البسيط>:
لهفى على جلّق يا سوء ما لقيت
…
من كلّ علج له فى كفره فنّ
بالطمّ والرمّ جاءوا لا عديد لهم
…
والجنّ بعضهم والحنّ والبنّ
غيره <من الطويل>:
دهتنا أمور لا يطاق احتمالها
…
فسلّمنا منها الإله له المنّ
أتتنا تتار كالرمال تخالهم
…
هم الجنّ حتى معهم الحنّ والبن
الكمال ماجد الشافعىّ <من الطويل>:
أقم عذر جيش طالما قتل العدا
…
بدارهم قهرا وكم غارة شنّوا
إذا ولّوا الأدبار من كلّ كافر
…
كريمه بغض قد (10) حكى وجهه سنّوا
أتى جيشهم بالمغل والكرج عصبة
…
وأصحاب سيس فيه والحنّ والبنّ
ابن البيسانىّ <من الطويل>:
أتى الشام جيش كالرمال عرمرم
…
فلم يبق أرض من نواحيه ما جنّا
ولازم قوما فى دمشق بسبيه
…
ونهب وقتل ثمّ أموالنا جنّا
وقد رجعوا تلك الطموم وخلّفوا
…
بقاياهم بولاى والحنّ والبنّا
عبد الغنىّ الحريرىّ <من الطويل>:
بلينا بقوم كالكلاب أخسة
…
علينا بغارات المخاوف قد شنّوا
هم الجنّ حقّا ليس فى ذاك ريبة
…
ومع ذا فقد والاهم الحنّ والبنّ
(1) أشعارا: اشعار
(10)
كريمه بغض قد: بياض فى الأصل، أضيف من زت 72