المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌موضوع العدد الحكورات الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ١٦

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌موضوع العددالحكورات

- ‌المسألة الثانية: الزيادة في الأجرة أثناء المدة:

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء

- ‌الفتاوى

- ‌ احتشاش المرعى وبيعه واختصاص من يحش ويبيع فيه ضرر وتضييق على أرباب السوائم

- ‌ باع بقرة على رجل لا يعرفه ثم إن البقرة شردت من بيت مشتريها إلى بيته

- ‌ القيام عند القبر للاستغفار أو الدعاء للميت بعد دفنه

- ‌ الزكاة في حلي المرأة

- ‌ ترجمة القرآن

- ‌ لبس البدلة

- ‌ الأضحية عن الميت

- ‌الرضاع الذي يحصل به التحريم

- ‌ أفطر بالبلد ثم أقلعت به الطائرة فرأى الشمس

- ‌المرأة التي توفي عنها زوجها بعد العقد وقبل الدخول تلزمها العدة والإحداد

- ‌تخصيص يوم السابع ويوم الأربعين أو يوم آخر سواهما بذبيحة تذبح عن الميت

- ‌كمال هذا الدين:

- ‌سبيل المؤمنين:

- ‌الكتاب والسنة مصدر كل سعادة:

- ‌ذم التفرق وبيان أسبابه:

- ‌حفظ هذا الدين وبقاؤه:

- ‌وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة:

- ‌المرجع عند التنازع:

- ‌حكم الإحداث في الدين:

- ‌حرص الصحابة على لزوم الكتاب والسنة والبعد عن البدع:

- ‌ من أقوال التابعين وغيرهم من السلف في الحث على اتباع السنة والتحذير من البدع

- ‌ الفارق والميزان الذي نميز به بين البدعة والسنة

- ‌أمثلة من البدع الشائعة بين المسلمين:

- ‌الانقطاع للعبادة وترك الكسب الحلال وإقامة المآتم وقراءة القرآن

- ‌ بدعة الاحتفال بعيد مولده صلى الله عليه وسلم

- ‌رحلاته:

- ‌حالة المسلمين عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

- ‌عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌أصول دعوة الشيخ رحمه الله

- ‌المراحل التي مرت بها دعوة الشيخ محمد

- ‌المراجع التي يعتمد عليها الشيخ رحمه الله وعلماء الدعوة من بعده

- ‌ثمرات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وآثارها:

- ‌الشبه التي أثيرت حول دعوة الشيخ والرد عليها:

- ‌نشأة علم نقد الحديث

- ‌ الأسباب التي دعت إلى الاهتمام بنقد الحديث:

- ‌ صغار الصحابة يحتاطون في قبول الحديث:

- ‌ نقد الحديث في دور التابعين:

- ‌ النقد في عصر أتباع التابعين:

- ‌ نبذ عن الأئمة النقاد في عصر التابعين:

- ‌ ظهور التقعيدات العامة للنقد:

- ‌أقوال العلماءفي حكم من تاب من الكسب الحرامكالربا وأنواع المكاسبالمحرمة الأخرى

- ‌ماذا يفعل من تاب من الكسب الحرام كالرباوأنوع المكاسب المحرمة الأخرى

- ‌المقدمة

- ‌ الربا

- ‌ أنواع المكاسب المحرمةمن ربا وغيره

- ‌(فصل في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام)

- ‌ حكم المال المغلول

- ‌ مقتطفات من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوثالعلمية والإفتاء في كيفية التخلص من المكاسب المحرمة

- ‌مصادر البحث

- ‌وصف المخطوط

- ‌نص الرسالة

- ‌قضية البعثفي ضوء الوحي والعقل

- ‌من المشهود إلى المحجوب

- ‌بين الحياة والموت

- ‌الرحلة الجديدة

- ‌شهادة كونية

- ‌ونسي خلقه

- ‌الأصل المفقود

- ‌بلى شهدنا

- ‌من المسؤول

- ‌موجود فوق المادة

- ‌ذلك هو الإنسان

- ‌ليس الموت بالعدم المحض

- ‌مناط الثواب والعقاب

- ‌الأحلام والرؤى

- ‌الله أنبتكم

- ‌صمام الأمن

- ‌الحاجة إلى الرسالة:

- ‌الإسلام بمعناه العام:

- ‌إعلان الوحدة الكبرى للدين:

- ‌قاعدة التصور الإسلامي وآثارها:

- ‌التوحيد قاعدة كل رسالة من عند الله:

- ‌التوحيد مفتاح دعوة الرسل:

- ‌حقيقة واحدة:

- ‌ثبات. . لا تطور

- ‌لا نفرق بين أحد من رسله:

- ‌الكفر بواحد من الرسل كفر بالجميع:

- ‌التصور الإسلامي لوحدة الرسالة والرسل:

- ‌ولله في هذا حكمة:

- ‌هذا الدين وهذه الأمة:

- ‌بين الإيمان والإسلام:

- ‌معنى الإيمان لغة:

- ‌معنى الإسلام لغة:

- ‌موازنة بين الإسلام والإيمان في اللغة:

- ‌الإيمان والإسلام في الاصطلاح الشرعي:

- ‌معنى الإيمان شرعا:

- ‌معنى الإسلام شرعا:

- ‌هل الإيمان والإسلام مترادفان أم متغايران

- ‌أصل معنى كلمة " الإسلام

- ‌الدين واحد والشرائع متعددة:

- ‌كل دين عقيدة ومنهج حياة:

- ‌هل اسم الإسلام خاص بهذه الأمة

- ‌لماذا سمي الدين بالإسلام

- ‌وهذه الأمة. . . الأمة المسلمة:

- ‌الأقليات الإسلامية.ظروفها وآمالها وآلامها

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌موضوع العدد الحكورات الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

‌موضوع العدد

الحكورات

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمدينة الرياض في شهر رجب عام 1401هـ من إعداد بحث في الحكورات القديمة التي لم تعد أجورها تتناسب مع مستوى أجور العقارات في الوقت الحاضر وقد بنى المجلس قراره هذا على ما رفعه إليه معالي وزير الحج والأوقاف يطلب فيه النظر في ذلك، بناء على ذلك أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مختصرا في ذلك شمل تمهيدا ونقولا عن بعض فقهاء الإسلام في الموضوع وعلى خلاصة موجزة لأهم ما جاء في النقول وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

ص: 11

الأمر الأول

التمهيد: جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح ودرء المفاسد وأن المصالح إذا تعارضت جاز تفويت أدناها لحصول أعلاها وإذا تعارضت المصالح والمفاسد أخذ بالراجح منها فإن ترجحت المصالح أخذ بها وقيل بمشروعية متعلقها وإن ترجح جانب المفاسد اعتمد عليها في المنع وإذا تساوى جانب المصالح والمفاسد في نظر المجتهد فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ومن فروع هذا التقعيد قاعدة تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والنيات والعوائد وقاعدة سد الذرائع وأن المعروف عرفا كالمشروط لفظا، وللعلاقة الوثيقة بين هذا الفرع محل البحث ولين هذه القواعد استحسنت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن تذكر نقولا عن ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه القواعد الثلاث، وقد رأت الاكتفاء بهذه النقول لوفائها بالمقصود فذكرت:

أولا: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والنيات والعوائد.

ثانيا: سد الذرائع.

ثالثا: المعروف عرفا كالمشروط لفظا.

ص: 12

أولا: تغير الفتوى واختلافها

قال ابن القيم رحمه الله تعالى

فصل

في تغير الفتوى واختلافها

بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد

هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قوة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها

ص: 13

وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم وهي العصمة للناس وقوام العالم. وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.

ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة.

المثال الأول:

أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره. وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا أفلا نقاتلهم فقال لا ما أقاموا الصلاة وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته (1)» ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها. بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك- مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما

(1) صحيح البخاري الفتن (7054)، صحيح مسلم الإمارة (1849)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 297)، سنن الدارمي السير (2519).

ص: 14

يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.

فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد. والرابعة محرمة، فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هو فيه شاغلا لهم عن ذلك وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى. وهذا باب واسع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.

المثال الثاني:

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى «أن تقطع الأيدي في الغزو (1)» رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد

(1) سنن الترمذي الحدود (1450)، سنن النسائي قطع السارق (4979)، سنن أبو داود الحدود (4408)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 181)، سنن الدارمي السير (2492).

ص: 15

نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو ذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو. وقد أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة فقال: لولا أني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول «لا تقطع الأيدي في الغزو (1)» ، لقطعت يدك. رواه أبو داود وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وعن أبي الدرداء مثل ذلك.

وقال علقمة: (كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟).

وأتى سعد بن أبي وقاص بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن:

كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا

وأترك مشدودا علي وثاقيا

فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد فإن قتلت استرحتم مني. . قال: فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة. فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول الصبر

(1) سنن الترمذي الحدود (1450)، سنن النسائي قطع السارق (4979)، سنن أبو داود الحدود (4408)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 181)، سنن الدارمي السير (2492).

ص: 16

صبر البلقاء والظفر ظفر أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو ورجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد فأخبرت ابنة حفصة سعدا بما كان من أمره فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله فقال أبو محجن قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا، وقوله إذ بهرجتني أي أهدرتني بإسقاط الحد عني ومنه (بهرج دم ابن الحارث) أي أبطله وليس في هذا ما يخالف نصا ولا قياسا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعا، بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب.

قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه.

قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى. فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد (والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم) فأسقط عنه الحد؟.

قيل: قد يتمسك بهذا من يقول (لا حد على مسلم في دار الحرب) كما يقوله أبو حنيفة ولا حجة فيه. والظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى: فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد: لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارا قد استحق

ص: 17

أن يوهب له حده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: «يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي. فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة. قال: نعم. قال: اذهب فإن الله غفر لك حدك (1)» وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته. فقال: والله لا أشربها أبدا وفي رواية (أبد الأبد) وفي رواية (قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدا) وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد ببني جذيمة، وقال:«اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (2)» ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.

ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب وإذا كان الله لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب. وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى وقد روينا في سنن النسائي من حديث سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه «أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا به يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر قال: فأتوا به نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت: كذب هو الذي وقع علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انطلقوا به فارجموه فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة فقال

(1) صحيح البخاري الحدود (6823)، صحيح مسلم التوبة (2764).

(2)

صحيح البخاري المغازي (4339)، سنن النسائي آداب القضاة (5405)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 151).

ص: 18

أما أنت فقد غفر لك وقال للذي أغاثها ولا حسنا فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأنه قد تاب إلى الله» رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحمراني ثنا عمرو بن حماد بن طلحة حدثنا أسباط بن نصر عن سماك وليس فيه بحمد الله إشكال.

فإن قيل: فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟

قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التهم وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربا وقالت المرأة هذا هو الذي فعل بي وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادعى أنه كان مغيثا لا مريبا ولم ير أولئك الجماعة غيره كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط أو عداوة المرأة هاهنا. بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد، فنهاية الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعا، كما يقتل في القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط أمر لا يقدح في كونها طرقا وأسبابا للأحكام والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى

ص: 19

منها لم يلغه الشارع وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلا كالبينة والإقرار وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ولكن اتسع له نطاق الرءوف الرحيم فقال إنه قد تاب إلى الله وأبى أن يحده ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله وحده وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها فقاوم هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوة صالحة فزال المرض وعاد القلب إلى حال الصحة فقيل لا حاجة لنا بجدل وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك فأي حكم أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة وبالله التوفيق.

وقد روينا في سنن النسائي من حديث الأوزاعي ثنا أبو عمار شداد قال حدثني أبو أمامة «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه ثم قال: إني أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه ثم قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه فأقيمت الصلاة فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال: هل توضأت حين أقبلت؟ قال: نعم قال: هل صليت معنا حين صلينا؟ قال: نعم قال: اذهب فإن الله قد عفا عنك (1)» وفي لفظ: «إن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك (2)» ومن تراجم النسائي على هذا الحديث من اعترف بحد ولم يسمه وللناس فيه ثلاث مسالك هذا أحدها والثاني: أنه خاص بذلك الرجل. والثالث: سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه. وهذا أصح المسالك.

(1) صحيح مسلم التوبة (2765)، سنن أبو داود الحدود (4381)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 265).

(2)

صحيح البخاري الحدود (6823)، صحيح مسلم التوبة (2764).

ص: 20

فصل

المثال الثالث:

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة قال السعدي: حدثنا هارون بن إسماعيل الخراز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر قال: لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال العذق النخلة وعام سنة: المجاعة فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إي لعمري قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة.

قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب، ثنا أبو النعمان عارم، ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم. فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وايم الله إذا لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة قال عمر: اذهب فأعطه ثماني مائة.

وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعا ففي مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه فقال فيه الثمن مرتين وضرب نكال وقال وكل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا

ص: 21

عليه الغرم وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي وهذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانا على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجانا لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنت بين هذه الشبهة، وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت فأين شبهة كون المسروق مما يشرع إليه الفساد وكون أصله على الإباحة كالماء وشبهة القطع به مرة وشبهة دعوى ملكه بلا بينة وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدا إلى هذه الشبهة القوية لا سيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدرئ، نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع. انتهى المقصود (1)

(1) إعلام الموقعين 1/ 14 وما بعدها.

ص: 22

ثانيا: سد الذرائع

قال ابن القيم رحمه الله

فصل

في سد الذرائع

لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها

ص: 23

ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء.

ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول:

الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان: أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها. والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه، فالأول كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل أو يعقد البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك. والثاني كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي. أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم أو يصلي بين يدي القبر لله ونحو ذلك. ثم هذا القسم من الذرائع نوعان أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته. والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته: فهاهنا أربعة أقسام: الأول وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحته الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحته أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم وتزين المتوفى زوجها عنها في زمن عدتها وأمثال ذلك. ومثال الرابع:

ص: 24

النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة، بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:

الدلالة على المنع من وجوه:

الوجه الأول: قوله تعالى

{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1) فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين- مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم- لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.

الوجه الثاني: قوله تعالى

{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} (2) فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.

الوجه الثالث: قوله تعالى

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ} (3).

أمر الله تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة

(1) سورة الأنعام الآية 108

(2)

سورة النور الآية 31

(3)

سورة النور الآية 58

ص: 25

إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة لندورها وقلة الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة.

الوجه الرابع: قوله تعالى

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} (1).

نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم الخير- لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السب. يقصدون فاعلا من الرعونة. فنهي المسلمون عن قولها سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. انتهى المقصود (2).

(1) سورة البقرة الآية 104

(2)

إعلام الموقعين 3/ 147.

ص: 26

ثالثا: الشرط العرفي كاللفظي

قال ابن القيم رحمه الله تعالى

فصل

ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضه لفظه ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا لاشتراط سلامة المبيع عرفا منزلة اشتراطها لفظا، ومنها وجوب وفاء المسلم فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظا بناء على الشرط العرفي ومنها لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينه لمن يخبزه أو لحما لمن يطبخه أو حبا لمن يطحنه أو متاعا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله. وإن لم يشترط معه ذلك لفظا. عند جمهور أهل العلم. حتى عند المنكرين لذلك فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به. بل ليس يقف الإذن فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظا لمال أخيه وإحسانا إليه فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن

ص: 27

إحسانه يذهب باطلا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا، وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة، واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة، تأبى ذلك كل الإباء وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرف الفضولي ووقف العقود تحصيلا لمصلحة المالك ومنع المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فيا لله العجب يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حراما لا اعتبار به شرعا مع إذن الشارع فيه لفظا وإذن المالك عرفا وتصرف الفضولي معتبرا مرتبا عليه حكمه؟. هذا ومن المعلوم أنا في إبراء الذمم أحوج منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم وعبيدهم ودورهم وأموالهم، فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان مؤد لحق الله فيه ولحق مالكه ولحق الحيوان ولحق نفسه متناول ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدر والظهر، وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة فقال تعالى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (1).

فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارا فخرب بعضها فعمرها ليحفظ الرهن فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة ولا يرجع بها.

قيل: ليس كذلك بل يحتسب له بما أنفقه لأن فيه إصلاح الرهن ذكره القاضي وابنه وغيرهما وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي حرب الجرجاني في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء لهذا الذي عمل أجر في نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة هذا مع أن

(1) سورة الطلاق الآية 6

ص: 28

الفرق بين الحيوان والدار ظاهر لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه بخلاف عمارة الدار فإن صح الفرق بطل السؤال وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم.

فإن قيل: في هذا مخالفة للأصول من وجهين أحدهما: أنه إذا أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كان متبرعا. ولم يلزمه القيام له بما أداه عنه. الثاني: أنه لو لزمه عوضه فإنما يلزمه نظير ما أداه فأما أن يعاوض عليه بغير جنس ما أداه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك.

قيل: هذا هو الذي ردت به هذه السنة ولأجله تأولها من تأولها على أن المراد بها أن النفقة على المالك فإنه الذي يركب ويشرب وجعل الحديث دليلا على جواز تصرف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره. ونحن نبين ما في هذين الأصلين من حق وباطل.

فأما الأصل الأول فقد دل على فساده القران والسنة وآثار الصحابة والقياس الصحيح ومصالح العباد أما القرآن فقوله تعالى

{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (1).

وقد تقدم تقرير الدلالة منه وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسماة فإنه أمر لهم بوفائها. لا أمر لهم بإيتاء ما لم يسموه من الأجرة ويدل عليه قوله تعالى {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (2) وهذا التعاسر إنما يكون حال العقد بسبب طلبها الشطط من الأجر أو حطها عن أجرة المثل وهذا اعتراض فاسد فإنه ليس في الآية ذكر التسمية ولا يدل عليها بدلالة من الدلالات الثلاث أما اللفظيتان فظاهر وأما اللزومية فلانفكاك التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدم تسميته وقد

(1) سورة الطلاق الآية 6

(2)

سورة الطلاق الآية 6

ص: 29

سمى الله سبحانه وتعالى ما يؤتيه العامل على عمله أجرا وإن لم يتقدم له تسمية كما قال تعالى عن خليله عليه السلام {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (1) وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (2).

ومعلوم أن الأجر ما يعود إلى العامل عوضا عن عمله فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سمي أو لم يسم وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه على أنه إذا افتدى الأسير رجع عليه بما غرمه عليه ولم يختلف قوله فيه. واختلف قوله فيمن أدى دين غيره عنه بغير إذنه فنص في موضع على أنه يرجع عليه. فقيل له هو متبرع بالضمان. فقال: وإن كان متبرعا بالضمان ونص في موضع آخر على أنه لا يرجع فإنه قال: إذا لم يقل اقض عني ديني كان متبرعا ونص على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا رده وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله في سبي العرب ورقيقهم وقد كان التجار اشتروه فكتب إليه أيما حر اشتراه التجار فاردد عليهم رؤوس أموالهم وقد قيل: إن جميع الفرق تقول بهذه المسألة إن تناقضوا ولم يطردوها فأبو حنيفة يقول: إذا قضى بعض الورثة دين الميت ليتوصل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه وهذا واجب قد أداه عن غيره بغير إذنه وقد رجع به ويقول إذا بنى صاحب العلو السفل بغير إذن المالك لزم الآخر غرامة ما يخصه إذا أنفق المرتهن على الرهن في غيبة الراهن رجع بما أنفق وإذا اشترى اثنان من واحد عبدا بألف فغاب أحدهما فأدى الحاضر الثمن ليستلم العبد كان له الرجوع.

(1) سورة العنكبوت الآية 27

(2)

سورة الأحزاب الآية 31

ص: 30

والشافعي يقول: إذا أعار عبد الرجل ليرهنه فرهنه ثم إن صاحب الرهن قضى الدين بغير إذن المستعير وافتك الرهن رجع بالحق. وإذا استأجر جمالا ليركبها فهرب الجمال فأنفق المستأجر على الجمال رجع بما أنفق، وإذا ساقى رجلا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحب النخل من يقوم مقامه رجع عليه به واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلة ثم استفاد مالا رجعوا عليه. وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدى الحق بغير إذنه رجع عليه.

وأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولا بهذا الأصل والمالكية أشد قولا به. ومما يوضح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحوجته إلى استيفاء حقه أو حفظ ماله فلولا عمارة السفل لم يثبت العلو ولو لم يقض الوارث الغرماء لم يتمكن من أخذ حقه من التركة بالقسمة ولو لم يحفظ الرهن بالعلف لتلف محل الوثيقة ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل لتعطلت الثمرة وحقه متعلق بذلك كله فإذا أنفق كانت نفقته ليتوصل إلى حقه بخلاف من أدى دين غيره فإنه لا حق له هناك يتوصل إلى استيفائه بالأداء فافترقا وتبين أن هذه القاعدة لا تلزمنا وأن من أدى عن غيره واجبا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوته على نفسه أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضل عليه، فلا يستحق مطالبته. وزادت الشافعية وقالت: لما ضمن له المؤجر تحصيل منافع الجمال ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف، دخل في ضمانه لتلك المنافع إذنه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنا وتبعا فصار ذلك مستحقا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه. يوضحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بد للحي من قوام ولا بد للنخيل من سقي

ص: 31

وعمل عليها فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفا. والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي وشاهده ما ذكرتم من المسائل فيقال هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن واستحقاقه للرجوع بما غرمه وهذا نصف المسافة وبقي نصفها الثاني وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه وهي أسهل المسافتين وأقربهما، إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان وهي أولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيار من عليه الحق فإن سبب الحق فيها ليس ثابتا والآخذ ظالم في الظاهر ولهذا منعه النبي صلى الله عليه وسلم من الآخذ وسماه خائنا بقوله:«أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (1)» وأما هاهنا فسبب الحق ظاهر وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نص ولا قياس.

ومما يدل على أن من أدى عن غيره واجبا أنه يرجع عليه به قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (2).

وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من أحسن إليه بأداء دينه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه (3)» وأي معروف فوق معروف هذا الذي افتك أخاه من أسر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه وإذا كانت الهدية التي هي تبرع محض قد شرعت المكافأة عليها وهي من أخلاق

(1) سنن الترمذي البيوع (1264)، سنن أبو داود البيوع (3535)، سنن الدارمي البيوع (2597).

(2)

سورة الرحمن الآية 60

(3)

سنن النسائي الزكاة (2567)، سنن أبو داود الأدب (5109)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 68).

ص: 32

المؤمنين فكيف يشرع جواز ترك المكافأة على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد الله سبحانه وتعالى الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض فمن أدى عن وليه واجبا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله وولي من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه.

ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض رب الدين قدر دينه وأحاله به على المدين ملك ذلك وأي فرق شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين أو يقرضه ويحتال به على المدين وهل تفرق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعين عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها عنه أجنبي بغير إذنه أجزأت وتأدى الواجب بذلك ولم تكن ذبيحة غاصب وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعا وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه أو فعله حفظا لمال المالك واحترازا له من الضياع فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله. وقد نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه في عدة مواضع: منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة وهذا من أحسن الفقه فإنه إذا مرض أو حبس أو غاب فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعا لم يقدم على ذلك وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظا لماله ومال المحسن إليه وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما ومنها ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء قال لهذا الذي عمل نفقته ومنهما لو انكسرت

ص: 33

سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه رجل فإنه لصاحبه وله عليه أجرة مثله وهذا أحسن من أن يقال: لا أجرة له فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلا أو يذهب مال الآخر ضائعا وكل منهما فساد محض والمصلحة في خلافه ظاهرة والمؤمنون يرون قبيحا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعا ومال هذا ضائعا ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا والله الموفق (1)

(1) إعلام الموقعين / 2/ 414.

ص: 34

الأمر الثاني

النقول عن بعض فقهاء الإسلام في الموضوع وتشتمل على أقوالهم ومآخذهم في مسألتين الأولى في وجدة الإجارة والثانية في زيادة الأجر أثناء المدة بسبب تغير الأحوال وفي كل واحدة من المسألتين رتبت فيها النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة حسب الترتيب الزمني بين المذاهب؛ الحنفية ثم المالكية ثم الشافعية ثم الحنابلة وفيما يلي بيان ذلك.

ص: 35

المسألة الأولى في مدة الإجارة: والكلام عليها يشتمل

على نقول عن بعض فقهاء المذاهب الأربعة

1 -

من أقوال بعض فقهاء الحنفية:

في تنوير الأبصار وشرحه " الدر المختار " ما نصه (1) (فلو أهمل الواقف مدتها أي إجارة الوقف - قيل تطلق الزيادة للقيم وقيل تقيد بسنة مطلقا وبها أي بالسنة يفتى في الدار وبثلاث سنين في الأرض إلا إذا كانت لمصلحة بخلاف ذلك وهذا مما يختلف زمانا وموضعا وفي البزازية لو احتيح لذلك يعقد عقودا فيكون العقد الأول: لازما: لأنه ناجز. والثاني: لا لأنه مضاف قلت. . القائل صاحب الدر المختار- لكن قال أبو جعفر: الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود، ذكره الكرماني في الباب التاسع عشر وأقره قدري أفندي وسيجيء في الإجارة وعلق صاحب الدر المختار على عبارة إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك بقوله هذا أحد الأقوال الثمانية وهو ما ذكره الصدر الشهيد من أن المختار أنه لا يجوز في الدور أكثر من سنة إلا إذا كانت المصلحة في الجواز وفي الضياع يجوز إلى ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز وهذا أمر يختلف باختلاف المواضع واختلاف الزمان وعزاه المصنف إلى أنفع الوسائل وأشار الشارح إلى أنه لا يخالف ما في المتن لأن أصل عدول المتأخرين عن قول المتقدمين بعدم التوقيت إلى التوقيت إنما هو يسبب الخوف على الوقف فإذا كانت المصلحة الزيادة أو النقص اتبعت وهو توفيق حسن، ومن فروع

(1) تنوير الأبصار وشرحه (الدر المختار) ج3، ص 549 وما بعدها

ص: 36

ذلك ما في الإسعاف دار لرجل فيها موضع وقف بمقدار بيت واحد وليس في يد المتولي شيء من غلة الوقف وأراد صاحب الدار استيجارها مدة طويلة قالوا إن كان لذلك الموضع مسلك إلى الطريق الأعظم لا يجوز له أن يؤجره مدة طويلة ولأن فيه إبطال الوقف وإن لم يكن له مسلك جاز. ا. هـ وفي فتاوى قارئ الهداية إذا لم تحصل عمارة للوقف إلا بذلك يرفع الأمر إلى الحاكم ليؤجره أكثر. ا. هـ. أي إذا احتيج إلى عمارته من أجرته يؤجره الحاكم مدة طويلة بقدر ما يعمر به). ا. هـ.

وفي الفتاوى الخانية ما نصه (قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله إذا لم يذكر الواقف في صك الوقف إجارة الوقف فرأى القيم أن يؤجرها ويدفعها مزارعه في ما كان أدر على الوقف وأنفع للفقراء فعل ألا أن في الدور لا يؤجر أكثر من سنة لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى أبطال الوقف فإن من رآه يتصرف فيه تصرف الملاك على طول الزمان يزعمه مالكا فلا يؤجر الدور أكثر من سنة. أما في الأرض فإن كانت الأرض تزرع في كل سنة لا يؤجرها أكثر من سنة، وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في كل ثلاث سنين مرة كان له أن يؤجرها مدة يتمكن المستأجر من الزراعة. هذا إذا لم يكن الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة فإن كان شرط ذلك والناس لا يرغبون في استئجارها سنة وكانت إجارتها أكثر من سنة أدر للوقف وأنفع للفقراء فليس للقيم أن يخالف شرطه ويؤجرها أكثر من سنة إلا أنه يرفع الأمر إلى القاضي حتى يؤجرها القاضي أكثر من سنة لأن هذا أنفع للوقف وللقاضي ولاية النظر للفقراء والغائب والميت فإن كان الواقف ذكر في صك الوقف أن لا يؤجر أكثر من سنة إلا إذا كان ذلك أنفع

ص: 37

للفقراء وكان للقيم أن يؤجرها بنفسه أكثر من سنة إذا رأى ذلك خيرا ولا يحتاج إلى المرافعة إلى القاضي لأن الواقف أذن له بذلك ولو أن القيم أجر دار الوقف خمس سنين قال الشيخ الإمام أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى لا تجوز إجارة الوقف أكثر من سنة إلا لأمر عارض يحتاج إلى تعجيل الأجرة بحال من الأحوال وقال الفقيه أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى: إنا لا نقول بفساد هذه الإجارة إذا أجر مدة طويلة لكن الحاكم ينظر فيه فإن كان ضررا بالوقف أبطلها. وهكذا قال الإمام أبو الحسن علي السعدي رحمه الله تعالى، وعن الفقيه أبي الليث رحمه الله تعالى أنه كان يجيز إجارة الوقف ثلاث سنين من غير فصل بين الدار والأرض إذا لم يكن الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة.

وعن الإمام أبي حفص البخاري رحمه الله تعالى أنه كان يجيز إجارة الضياع ثلاث سنين فإن آجر أكثر من ثلاث سنين، اختلفوا فيه قال أكثر مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى: لا يجوز وقال غيرهم: يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبطله وله أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى ا. هـ وقال في ص 267 من الفتاوى البزازية. لا تجوز الإجارة الطويلة في الوقف وإن احتيج إليها يعقد عقودا فيكتب استأجر فلان بن فلان كذا ثلاثين عقدة كل عقدة على سنة فيكون العقد الأول: لازما: لأنه ناجز، والباقي: لا: لأنه مضاف ولو آجر الوقف أكثر من عام كان الوقف دارا أو أرضا إن خالف شرط الواقف لا يصح وإن كانت إجارته أكثر من عام أدر وأنفع للوقف للزوم رعاية شرط الواقف وإن استثنى الواقف إلا إذا كانت الإجارة أكثر من عام أنفع للوقف جاز إذا كان أنفع للفقراء وإن لم

ص: 38

يشترط ذلك قال الصدر الفتوى في الضياع بالجواز إلى ثلاث إلا إذا كانت المصلحة عدم الجواز وفي الدور بعام إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز في أكثر من عام وهذا يختلف باختلاف الأزمنة والمكان وقال القاضي أبو علي لا ينبغي أن يؤجر بأكثر من ثلاث فإن فعل جازت وصحت وعلى هذا فلا يحتاج إلى الحيلة التي ذكرناها في الإجارة الطويلة آنفا والفقيه أبو جعفر اختار أن لا يؤجر الدور أكثر من عام والأرض التي تزرع في كل عام كذلك وإن كانت تزرع في كل عامين أو ثلاث أو أربع أو يزرع كل قطعة منها في كل عام حتى يستوعب الزراعة كلها مثلا في كل أربع أو خمس يشترط في العقد ذلك المقدار من المدة المستغرقة للكل في العادة لأنه لو آجرها عاما أو عامين يزرع المستأجر كلها في تلك المدة وتصير الأرض خرابا لا يستأجر بعدها إلى مدة فيتضرر الوقف وكان الإمام أبو جعفر الكبير رحمه الله يجيز إجارة ضياعه ثلاثة أعوام لأن الزارع في العادة لا يرغب في أقل منه وفي الدور سنة لأن من رآه يتصرف في متواليا ولا مالك يعارض ويزاحم ومال الواقف مال ضائع لعدم الطالب المهتم يظنه الرائي بتصرفه الدائم مالكا ويشهد له بالملك إذا ادعاه ولا مصلحة للوقف في أمر يدعو ويؤدي إلى هذا الضرر والفقيه أجاز ثلاث سنين في الضياع والدور وغيرهما) ا. هـ.

في الفتاوى الخانية في ص 333 بهامش الفتاوى الهندية ما نصه (فإن احتاج القيم أن يؤجر الوقف إجارة طويلة قالوا الوجه فيه أن يعقد عقودا مترادفة كل عقد على سنة ويكتب في الصك استأجر فلان ابن فلان أرض كذا أو دار كذا ثلاثين سنة بثلاثين عقدا كل عقد سنة وكذا من غير أن يكون بعضها شرطا في بعض فيكون العقد الأول لازما: لأنه ناجز، والثاني غير لازم: لأنه مضاف قال رضي الله عنه: وكان فيما قالوا: نظر

ص: 39

فإنهم قالوا الأول لازم، والثاني غير لازم، لأنه مضاف وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى أن الإجارة المضافة تكون لازمة في إحدى الروايتين وهو الصحيح، وذكروا أيضا القيم إذا احتاج إلى تعجيل الأجرة يعقد عقودا مترادفة على نحو ما قالوا وأجمعوا على أن الأجرة لا تملك في الإجارة المضافة باشتراط التعجيل فكان فيما قالوا نظر من هذا الوجه ا. هـ.

قال صاحب رد المحتار، تعليقا على قول للفقيه أبي جعفر: الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود قال في ص 550 أي لتحقق المحذور المار فيها وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف كما في الذخيرة) ا. هـ.

ونقل الأستاذ محمود الأوزجندي قاضيخان في فتاواه، ج3، ص 333، عن أبي جعفر الفقيه أن إطالة مدة إيجار الوقف يؤدي إلى إبطال الوقف فإن من رآه يتصرف فيه تصرف الملاك على طول الزمان يزعمه مالكا.

ص: 40

1 -

من أقوال بعض فقهاء المالكيين:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وعليهم وعلى آل كل وصحبهم والتابعين (وبعد) فالغرض ذكر ما لأهل المذهب في هذه الأوراق من الخلاف في العقار إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها هل يجوز بيعه ويستبدل بثمنه غيره من نوعه أو المناقلة به أو كراؤه المدة الطويلة أو لا، قال ابن رشد في البيان في شرح رابع مسألة من رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم. كتاب الحبس: الأحباس في جواز بيعها والاستبدال بها إذا انقطعت لمنفعة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم يجوز بيعه باتفاق، وهو ما انقطعت

ص: 40

منفعته ولم يرج أن يعود، وفي إبقائه ضرر مثل الحيوان الذي يحتاج إلى الإنفاق عليه ولا يمكن أن يستعمل في نفقته فيضر الإنفاق عليه بالمحبس عليه أو بيت المال إن كان حبسا في السبيل أو على المساكين وقسم لا يجوز بيعه باتفاق وهو ما يرجى أن تعود منفعته ولا ضرر في إبقائه، وقسم يختلف في جواز بيعه والاستبدال به وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود ولا ضرر في إبقائه وخراب الربع المحبس الذي اختلف في جواز بيعه من هذا القسم انتهى. فجعل الربع المحبس إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها من المختلف فيه. وظاهر كلامه سواء كان الربع الخراب في العمران أو بعيدا عنه وهو ظاهر كلام غيره من أهل المذهب كما سنقف عليه في كلامهم وجعل اللخمي الخلاف إنما هو إذا كان بعيدا عن العمران، وأما إذا كان في العمران فظاهر كلامه أنه من القسم المتفق على عدم جواز بيعه، ونصه في ترجمة بيع الحبس وإذا انقطعت منفعة الحبس وعاد بقاؤه ضررا جاز بيعه وإن لم يكن ضررا ورجي أن تعود منفعته لم يجز بيعه، واختلف إذا لم يكن ضررا ولا ترجى منفعته فأجاز ابن القاسم وربيعة البيع ومنعه غيرهما، ولا يباع ما خرب من الرباع إذا كان في المدينة لأنه لا ييأس من إصلاحه وقد يقوم محتسب لله فيصلحه وإن كان على عقب فقد يستغني بعض فيصلحه وما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه جرى على القولين والذي آخذ به في الرباع المنع لئلا يتذرع الناس إلى بيع الأحباس ا. هـ. قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة ولا يباع الحبس وإن خرب. ما ذكره الشيخ هو المعروف وروى أبو الفرج جوازه حكاه ابن رشد وكذا ذكر اللخمي الخلاف وعزا الجواز لابن القاسم جريا على قوله في الثياب إذا بليت إلا أنه قصر الخلاف على ما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه وأما ما كان بمدينة فلا يباع وظاهر كلامه باتفاق فجعله

ص: 41

بعض شيوخنا قولا ثالثا ا. هـ. وبعض شيوخه هو ابن عرفة ويشير بذلك لقول ابن عرفة في كتاب الحبس وفيها مع العتبية والموازية، وغيرهما منع ما خرب من ربع حبس مطلقا وسمع ابن القاسم لا تباع دار حبس خربت ليبتاع دونها. ابن رشد فيها لربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا ولي ذلك لخرابه وهي إحدى روايتي أبي الفرج اللخمي لا يباع إن كان بمدينة إذ لا ييأس من صلاحه من محتسب وبعض عقب وما بعد عن العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين والذي آخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس. قلت ففي منعه ثالثها إن كان بمدينة للمعروف وإحدى روايتي أبي الفرج ونقل اللخمي ا. هـ كلام ابن عرفة بلفظه وقال في العتبية في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال في قوم حبست عليهم دار فخربت فأرادوا بيعها ابتياع دونها إن ذلك لا يجوز لهم وأما الفرس يكلب أو يجن فإنه يباع ويشترى بثمنه فرس يحبس مكانه قال ابن رشد هذا هو ما في المدونة أن الربع الحبس لا يباع وإن خشي عليه الخراب ومثله في رسم الأقضية. الثاني من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع بخلاف ما بلي من الثياب وضعف من الدواب والفرق بين ذلك أن الربع وإن خرب فلا تذهب المنفعة ويمكن أن يعاد إلى حاله وابن الماجشون يرى أن لا يباع شيء من ذلك كله وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وروي عن ربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا أدى ذلك إلى خرابه كالدواب والثياب وهو قول مالك في إحدى روايتي أبي الفرج عنه قال لا يباع الربع الحبس وقال في موضع آخر إلا أن يخرب ا. هـ. فحاصل ذلك أن القول بالمنع مطلقا والقول لجواز إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في العمران أو بعيدا. . المنع لمالك في المدونة وغيرها والجواز لإحدى روايتي أبي الفرج

ص: 42

عنه، إلا أن المنع صرح بمشهوريته غير واحد من أهل المذهب، قال في معين الحكام اختلف قول مالك في بيع العقار المحبس إذا خرب فالمشهور عنه المنع وروى عنه أبو الفرج في حاويه الجواز. وقال ابن راشد محلب القباب وأما الرباع فالمشهور فيها المنع وروى أبو الفرج الجواز وقال ابن هارون في مختصر المتيطية وإذا انقطعت منفعة الحبس فأما الرباع فاختلف في بيعها إذا خربت فالمشهور عن مالك (1). وروى عنه أبو الفرج في كتابه الجواز وهو قول ربيعة ا. هـ، فهؤلاءكلهم صرحوا بمشهورية المنع وتقدم في كلام ابن عرفة وابن رشد أنه المعروف لمالك واختيار اللخمي له أيضا وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره لا عقار وإن خرب والقول بالجواز اختاره جماعة من المتأخرين وبه وقعت الفتوى والحكم وجرى به العمل قال ولد ابن عاصم في شرح رجز والده عند قوله:

وغير أصل عادم النفح صرف

ثمنه في مثله ثم وقف

استثنى الأصول بقوله. وغير أصل وذلك على المشهور من المذهب وقد قيل بيع ما عدمت منفعته منها وإن كان غير المشهور وقد أفتى بذلك من شيوخ شيوخنا الأستاذ أبو عبد الله الحفار رحمه الله تعالى فسئل في فدان محبس على مصرف من مصارف البر لا منفعة فيه هل يباع ويشترى بثمنه ما يكون فيه منفعة فأجاب إن كان الفدان الذي حبس لا منفعة فيه فإنه يجوز أن يباع ويشترى بثمنه فدان آخر يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الفدان الأول على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو، فقد أفتى ابن رشد رحمه الله تعالى في أرض محبسة عدمت منفعتها بسبب ضرر جيران أن تباع ويعاض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة من العلماء في الربع المحبس إذا خرب ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن

(1) كذا في الأصل والظاهر أنه سقط منه المنع الذي هو خبر المشهور كما يدل عليه السياق.

ص: 43

يثبت عنده أنه لا منفعة فيه قاله محمد الحفار وبمثل ذلك أفتى الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله تعالى وقد سئل في طراز محبسة على الرابطة ثبت أنه قد تداعى للسقوط وأنه يضر بحيطان الجيران المشتركة معه من جيران الرباط إضرارا بينا وأنه لا بد من حله وأنه لا يصلح للرباطة ما يسدد به بناءه فأجاب يسوغ بيع الطراز على الصحيح من القولين وبعوض بثمنه للحبس ما يكون له أنفع وإن وجد من يناقل به بربع آخر للحبس فهو حسن إن أمكن قاله: فرج. انتهى.

وقال البرزلي ابن عات عن الفضل بن سلمة. وبحبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط بحبس الماء عنه يرى القاضي فيه رأيه بيع أو شركة أو عمل أو كراء ما رآه فيها. وعن ابن اللباد أرى أن يباع إذا كان بهذه الحال. يحيى بن خلف وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث عليه وحده ولا ينتفع به فإنهم يرون بيعه ويدخل في غيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى. والله الموفق وجرى العمل عندنا ببيع ما لا نفع منها. ووقعت مسائل عندنا بتونس منها فندق ابن يعطاس تهدم فأفتى شيخنا الإمام يعني ابن عرفة أنه تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارا ورجح هذا القول وحكم بهذه الفتوى قاضي الجماعة وحق له ذلك. ومنها دار خربت من دور مدرسة القنطرة فأفتى فيها شيخنا الإمام المذكور ببيعها - واشتري بثمنها رسم في الغابة بتونس وظاهر فتاوى الأندلسيين إباحة البيع ويستبدل بها ما هو أعود بالمنفعة انتهى كلام البرزلي بلفظه ونقله ابن سلمون في وثائقه أيضا ونصه وفي كتاب الاستفتاء قال الفضل بن سلمة في حبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط بحبس الماء عنه فقال يرى القاضي فيه رأيه في بيع أو شركة أو غير ذلك.

وقال ابن اللباد أرى أن يباع إذا كان بهذه الحالة قال يحيى بن خلف

ص: 44

وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث وحده ولا ينتفع به فإنهم يرون بيعه وإدخال ثمنه في غيره وقال ابن عرفة في مسألة ما إذا كانت غلة الحبس لا تفي بنفقته والأظهر عندي أن ينظر فإن كان مع ذلك لا ثمن له رد لمحبسه وإن كان له ثمن يبلغ ما يشترى به ما فيه نفع ولو قل بيع واشترى بثمنه ذلك. ثم قال والحاصل أن نفقته من فائدته فإن عجزت بيع وعوض بثمنه ما هو من نوعه فإن عجز صرف في مصرفه انتهى فتحصل من هذه النصوص أن في العقار الموقوف إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في مدينة أو بعيدا من العمران لمالك قولين: الأول: المنع وهو المشهور عنه في المدونة والعتبية والموازية وغيرها وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره، والثاني: الجواز وهو ما رواه عنه أبو الفرج في حاويه وقال به جماعة من العلماء ورجحه ابن عرفة كما تقدم في نقل البرزلي وبه وقعت الفتوى والحكم وقال أبو سعيد بن لب إنه الصحيح من القولين وقال يحيى بن خلف إنه الصواب إن شاء الله تعالى ووجه القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة القول بالمنع بما نصه والدليل على ذلك أي المنع أن الوقف إزالة ملك لا إلى ملك فإذا كان فيما لا ضرر في تبقيته فلم يجز البيع اعتبارا به إذا لم يخرب وبذلك فارق الحيوان على أحد الوجهين لأن في تبقيته ضررا إذا لم ينتفع به وإن أجبنا بالتسوية قلنا لأنه إزالة ملك بسبب يمنع البيع من السلامة فوجب أن يمنع فيه مع التغير كالعتق وتزيد بالإزالة في الفرع المنافع ولأن القصد انتفاع الموقوف عليه بمنفعته فلو أجزنا بيعه لخالفنا شرط الواقف وجعلنا المنفعة له بالأصل ولأن العمارة قد تعود وتنتقل ففي إجازة بيعه إبطال حق من جعل له حق بعد هذا البطن وذلك مما لا سبيل إليه انتهى، ووجه الجواز بما نصه، [ووجه الجواز اعتباره بالحيوان ولأن الواقف إنما أراد وصول الانتفاع إلى

ص: 45

الموقوف عليهم من جهة هذا الوقف فإذا لم يكن من جهته منفعة وجب أن تنتقل إلى منفعة ما يقوم مقامه وإلا كان في ذلك إبطال شرطه والأول أصح وأوضح انتهى. فهذا ملخص ما يتعلق بالكلام على البيع إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها والاستبدال بثمنه من نوعه. وأما حكم المعاوضة بالعقار الخرب بعقار آخر غير خرب فقال الشيخ ابن أبي زيد في رسالته، واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب، واختلف شراحه في حمل كلامه هذا مع قوله أولا ولا يباع الحبس وإن خرب فمنهم من حمل ذلك على أن ذلك مسألة واحدة ومعنى الكلامين أنه لا يجوز أن يباع الحبس الخرب ويشترى بثمنه غيره من جنسه يكون وقفا عوضه فجزم أولا بما اختاره من أنه لا يباع وإن خرب ثم حكى وجود الخلاف فيه ومنهم من حمل الأول على الصورة المتقدمة والثاني على المعاوضة به بربع غيره من غير بيع قال الجزولي إثر قوله ولا يباع الحبس وإن خرب ظاهر هذا معارض لما يأتي من قوله واختلف في المعاوضة فقال في تلك اختلف في بيعه وقال هنا لا يجوز وإن خرب. والانفصال عن هذا أن يقال مذهبه أنه لا يجوز بيع الحبس وإن خرب وهو الذي قال أولا وقوله في المعاوضة إلخ، إنما حكى الخلاف ويكون مذهبه القول بالمنع ثم قال في شرح قوله واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب صورة هذا أن تكون دار محبسة ثم خربت فإنها تباع ممن يملكها ويشترى بثمنها أخرى فيصير الحبس ملكا والملك حبسا فاختلف فيه على قولين: مالك يمنعه، وربيعة وابن القاسم يجيزان بيعه، ووجه قول مالك سدا للذريعة وحسما للباب ومنهم من قال إنما صورته أن يباع الحبس الخرب بدار أخرى غير خربة وفي بعض النسخ ومنهم من قال صورة المناقلة أن يدفع ربعا خربا في ربع صحيح الشيخ بغير تعقب ولا فرق بين المسألتين

ص: 46

أعني من أن يأخذ فيه دراهم ويشتري بها دارا أخرى أو يأخذ دارا فيها كلاهما يقال فيه عاوض بدار غير خرب انتهى. (فرع) قال الجزولي وأما مناقلة الأحباس فقال ابن أبي زيد لا تجوز من غير خلاف وصورته أن يكون رجلان لكل واحد منهما حبس وحبس كل واحد منهما بإزاء الآخر فأراد أن يتناقلاهما وأراد كل واحد منهما الحبس الذي بإزائه فهذا لا يجوز. ا. هـ] ونقله عن الشيخ ابن أبي زيد غير واحد وهو في النوادر في كتاب الحبس في ترجمة بيع الحبس إذا خرب.

" مسألة: وأما بيع بعض العقار الوقف لإصلاح بعضه فمقتضى كلام ابن الماجشون في النوادر في ترجمة بيع الحبس إذا خرب أنه لا يجوز بيعه من غير خلاف ونصه قال ابن الماجشون ولو حبس إبلا أو غنما فانفصلت الذكور من التيوس أكثر نسلها قال لا تباع ولو صارت ضرورة بكثرة ما ينفق في رعايتها ومؤنتها فلا تباع عندي إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة وهو كالربع الخرب الذي إذا بيع بعضه أصلح به باقيه ا. هـ ونقله الشيخ بهرام في شرحه الكبير بلفظ - وفي النوادر عن ابن الماجشون في الإبل والغنم المحبسة تلد الذكور وتكثر بذلك فإنها لا يباع شيء منها قال ولو صارت ضرورة لكثرة ما ينفق في رعايتها ومؤنتها فلا تباع عندي إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة وهو كالربع الخرب إذا بيع بعضه أصلح به باقيه ا. هـ فقول ابن الماجشون إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة مفهومه أنها إذا أضرت بغيرها من الصدقة أنها تباع فأجاز بيعها لإصلاح باقيها بإزالة الضرر عنه واستدلاله على ذلك بمسألة الربع الخرب الذي إذا بيع بعضه أصلح باقيه يقتضي عدم الخلاف في مسألة الربع الخرب لأن الاستدلال على الحكم مسألة أخرى يقتضي عدم الخلاف في المسألة المستدل بها فتأمل والله أعلم. وفي أحكام ابن سهل الكبرى عن ابن زرب

ص: 47

أنه سئل عن دار محبسة هدم من تحت يده قطعة منها وباع نقضها فأمر بإخراجه منها وتسعيرها عليه فقال له السائل إنه لا يبنى منها شيء على يد من هي تحت يده لأنه شديد السعة فقال أرى أن يباع من النقض بعضه وينفق من ثمنه في بنيان الحبس ويدخل باقي النقض في البنيان ثم يباع للموقوف عليه فقال له جماعة من أهل المجلس أو ليس هذا من بيع الحبس؟ فقال ليس هذا من بيع الحبس هذا إصلاح له " انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

قال العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المعروف بالحطاب المتوفي سنة 954 في شرح قول خليل في مختصره (وإكراء ناظره إن كان على معين كالسنتين) قال يعني أن الحبس إذا كان على معينين كبني فلان فللناظر أن يكريه سنتين أو ثلاث سنين ولا يكريه أكثر من ذلك ولكن لا يكون كراؤه بالنقد، انظر النوادر في ترجمة الحبس، يزاد فيه أو يعمر من غلته وكراء الحبس السنين الكثيرة. (فرع) قال في البيان في رسم الأقظية هذا من سماع أشهب من كتاب الصدقات فإن وقع الكراء في السنين الكثيرة على القول بأنه لا يجوز فعثر على ذلك وقد مضى بعضها فإن كان الذي بقي يسيرا لم يفسخ وإن كان كثيرا فسخ على ما قاله في كتاب محمد. ا. هـ قلت- القائل الحطاب - ولم يبين حد اليسير والظاهر أنه كالشهر والشهرين كما في مسألة كراء الوصي ربع الصغير ثم يتبين رشده وذكر البرزلي في مسائل الحبس عن نوازل ابن

ص: 48

رشد فيمن حبس على بني فلان أكرى أحدهم نصيبه خمسين عاما فأجاب إن وقع الكراء لهذه المدة على النقد فسخ وفي جوازه على غير النقد قولان الصحيح منهما عندي المنع وهذا فيما ينفسخ فيه الكراء بموت المكري وهذا كمسألتك. أما الحبس على المساجد والمساكين وشبههما فلا يكريها الناظر إلى أكثر من أريعة أعوام إن كانت أرضا أو أكثر من عام إن كانت دارا وهو عمل الناس ومضى عليه عمل القضاة فإن أكرى أكثر من ذلك مضى إن كان نظرا على مذهب ابن القاسم وروايته ولا يفسخ انتهى. وقال في الشامل وجاز كراء بقعة من أرض محبسة على غير معينين لتبنى دارا أو عمل به انتهى. وانظر أحكام ابن سهل في أول كتاب الأقضية من مسائل الحبس في ترجمة قطع محبس باعته المحبسة وانظر الأحكام الصغرى من مسائل الأقضية) ا. هـ كلام الحطاب. ج 6 ص 47.

وقد زاد الأستاذ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك على ما نقله الحطاب عن نوازل البرزلي ج 2 ص 199 - 200، قول البرزلي قلت وقعت هذه المسألة في كتاب الأقضية من كتاب ابن سهل وذكر أنها نزلت ببطليوس اكترى أرضا محبسة خمسين عاما ثم قام النسوة المكريات المحبس عليهن على الغارس يطلبن فسخ الكراء بعد سبعة أعوام وامتنع المكتري من ذلك وهو أبو شاكر

ص: 49

أحد فقهاء تلك البلد فكتب إلي بها أبو شاكر وقاضيها ابن خالص وكتبت جوابها لأبي شاكر وكان أنكر علي فسخ الكراء فأجبته: من المعول عليه في الفتوى في الأحكام قول ابن القاسم (لا سيما إذا كان في المدونة ثم على ما وقع فيها لغيره). هذا الذي سمعناه قديما في مجالس شيوخنا الذين تفقهنا عندهم وعلة ذلك اعتماد الناس في المغرب عليها حتى أنست نفوسهم وألفت معانيها وتقررت عندهم صحة أصولها وفروعها وما سبق للنفس ألفته ثم ذكر مسائل من المدونة والعتبية والواضحة والوقار منها أنه لا يجوز كراء الحبس إلا إلى سنة. ونحوها ولا بأس بكراء الدور السنة وفوق ذلك إلى عشرين سنة من غيره ثم قال وما أجاب به ابن رزق من جواز عقد الكراء سبعين عاما فيبطله ما تقدم ولا سمعته ولا رأيته إنما حكي لي عن المنصور بن أبي عامر أنه اكترى موضعا حبسا إلى سبعين عاما. وهذا لو صح نقله فلا يصح أصله ولا يجوز العمل به لما ذكرناه عن مالك وأصحابه. وفي وثائق أبي العطار: الذي جرى به العمل قبالات أرض الأحباس لأربعة أعوام وهذا الذي شاهدناه بقرطبة ودور الأحباس والحوانيت إنما تكرى عاما فعاما، وشاهدنا ذلك من قضاتها بمحضر فقهائها مرارا وقد رأيت مسألة نزلت بقاضي الجماعة حفيد ابن زرب أقبل بياضا وفيها سواد اثنتي عشرة سنة وذكر أنه شاور الفقهاء فاختلفوا في نقضها لطول مدة الكراء فقال بعضهم يفسخ وقال بعضهم يمضي وأبين هذا مما نحن فيه ثم قال البرزلي والواقع عندنا اليوم بتونس مما جرت به العادة في أحباس قرطاجنه بقاء المدة أربعين سنة ورأيت كذا في قاعة دار خمسين سنة من الحبس وهذا نحو ما تقدم لأبي شاكر

ص: 50

ومنصور بن أبي عامر ولعلهم لم يجدوا من يتقبلها إلا على هذه الهيئة فافتقروا ذلك للضرورة كالتزام الجزاء على أرض الجزاء أبدا لضرورة حاجة بيت المسلمين وإن كان عن ثمن الأرض لكونه تابعا لأصل جائز للضرورة والله أعلم ا. هـ كلام البرزلي.

قال الأستاذ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش المالكي في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، - ج 2، ص 199، ما نصه قال العلامة العدوي في حاشية الخرشي اعلم أن للخلو صورا منها أن يكون الوقف آيلا للخراب فيكريه ناظره لمن يعمره بحيث يصبر الحانوت مثلا يكرى بثلاثين نصف فضه ويحمل عليه لجهة الوقف خمسة عشر فصارت المنفعة مشتركة بينهما فما قابل الدراهم المصروفة من المنفعة هو الخلو فيتحقق به البيع والوقف والإرث والهبة ويقضى منه الدين وغير ذلك ولا يسوغ للناظر إخراجه من الحانوت ولو وقع عقد الإيجار على سنين معينة كتسعين سنة ولكن شرط ذلك أن لا يكون ريع يعمر به. ا. هـ.

وقال أبو عبد الله محمد عليش في ص 207، ج2، قال الأجهوري رحمه الله الخلو اسم لما يملكه دافع الدارهم من المنفعة التي دفع الدراهم في مقابلتها ا. هـ، قال الغرقاوي وظاهره سواء كانت المنفعة عمارة كأن يكون في الوقف أماكن آيلة للخراب فيكريها ناظره لمن يعمرها ويكون ما صرفه خلوا له ويكون شريكا للواقف بما زادته عمارته مثلا كانت الأماكن التي عمرت تكرى، قبل العمارة كل يوم بعشرة أنصاف وبعد العمارة تكرى كل يوم بعشرين نصفا فيكون الذي عمر شريكا بالنصف أو الثلث أو الثلثين بحسب ما وقع من الشرط فإن احتاجت تلك المحلات إلى العمارة ثانيا كان الوقف ما يخصه من نصف أو ثلث أو ثلثين وعلى صاحب

ص: 51

الخلو ما يخصه وقد تكون المنفعة غير عمارة لكن لا بد أن تكون تلك المنفعة أو تلك الدراهم عائدة على جهة الوقف كوقيد مصباح وسواء كان الإذن في ذلك من الواقف أو ناظره. وأما ما يقع عندنا بمصر من خلو الحوانيت لمن هو مستأجر كل شهر بكذا فقال بعض الشيوخ إنه من ملك المنفعة وتورث عنه شرعا إذا كان العقد صحيحا والإجارة لازمة بشروطها وذلك أن الواقف حين يريد بناء محلات للوقف يأتي له أشخاص يدفعون له دراهم على أن يكون لكل شخص محل من تلك المحلات يسكنه بأجرة معلومة يدفعها في كل شهر فكأن الواقف باعهم حصة من المحلات قبل التحبيس وحبس الباقي فليس للواقف تصرف في المحلات إلا بقيض الأجرة المعلومة كل شهر وكان دافع الدراهم شريكا للواقف بتلك الحصة ثم قال الغرقاوي وفتاوى الناصر مخرجة على النصوص وقد أجمع على العمل بها واشتهرت في المشارق والمغارب وانحط الأمر عليها وهو إن لم يستند فيها إلى نص صريح فقد وافقه عليها من هو مقدم عليه ولا يضر عدم استناد المفتي إلى نص فيما أفتى به عندنا لأنه يجوز له إذا لم يجد نصا في الحادثة تخريجها على النصوص بالشروط الآتية كما صرح به الشهاب القرافي وقد سئل نور الدين الشيخ علي الأجهوري رحمه الله عن جواب المفتي إذا لم يجد نصا في المسألة ولم يكن له مستند ولا مرجع فيما أفتى به كفتوى الناصر اللقاني في مسألة الخلوات وجوازها هل يكون من أحد الأدلة الشرعية حتى إنه للمفتي المالكي أن يفتي بقوله ويتخذه حجة ومستندا ودليلا على صحة جواز الخلوات مع عدم نص في ذلك من الأئمة المتقدمين في المذهب أو لا فأجاب رحمه الله تعالى يجوز للمفتي إذا لم يجد نصا في المحادثة أن يخرجها على النصوص إذا كان شديد الاستحضار لقواعد مذهبه وقواعد الإجماع ونص أيضا على أنه يجوز لمن

ص: 52

حفظ روايات المذهب وعلم مطلقها ومقيدها وعامها وخاصها وعلم أصول الفقه وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وموانعه وشرائطه أن يفتي بما يخرجه على ما هو محفوظ له وشيخ عصره الشيخ ناصر الدين اللقاني ممن اتصف بهذه الصفات التي يسوغ لمن اتصف بها جواز الإفتاء فيما لم يكن فيه نص وقد أطبق من بعده من العلماء على متابعته فيما يفتى به مما لم يوجد فيه نص في المذهب ثقة به واعتقادا لاطلاعه على ما لم يطلعوا عليه وأنه لا يقدم على ذلك من غير شيء يعتمد عليه وقد وافقه على ذلك من هو مقدم عليه في الفقه وهو أخوه الشيخ محمد اللقاني وقد وقع لعلماء مذهبهم المعتمد عليهم كابن عرفة والبرزلي وابن ناجي العمل بما جرى عليه عمل شيوخهم مما ليس بمنصوص عليه. فهذا أو نحوه يفيد أنه يجوز للمفتي أن يفتي بما خرجه غيره على النصوص ممن فيه أهلية للتخريج. ومما يستأنس به في هذا المقام قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن (1)» يعني أنه عند الله حسن ومقتضى الحال في المسألة الواقعة هي أن حوانيت الأوقاف بمصر جرت عادة سكانها أنه إذا أراد أحدهم الخروج من الدكان أخذ من الآخر مالا على أن ينتفع بالسكنى فيه ويسمونه خلوا وجدكا ويتداولون ذلك بينهم واحدا بعد واحد وليس يعود على تلك الأوقاف نفع أصلا غير أجرة الحانوت بل الغالب أن أجرة الحانوت أقل من أجرة المثل بسبب ما يدفعه الآخذ من المال والذي يدور عليه الجواب في ذلك إن كان الساكن الذي أخذ الخلو يملك منفعة الحانوت مدة فأسكنها غيره وأخذ على ذلك مالا فإن الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو الوكيل بشروطها بأجرة المثل فهو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي يملكها ولا ضرر على الوقف لصدور الأجرة موافقة لأجرة المثل وأما إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة صحيحة فلا عبرة بخلوه

(1) مسند أحمد بن حنبل (1/ 379).

ص: 53

ويؤجره الناظر لمن شاء بأجرة المثل ويرجع دافع الدراهم بها على من دفعها له. وبعد أن ذكر الشيخ محمد عليش جميع ما ذكرناه في الخلو عقد فصلا لشروط الخلو قال فيه ما نصه (فصل في شروط صحة الخلو). منها: أن تكون الدراهم المدفوعة عائدة على جهة الوقف يصرفها في مصالحه فما يفعل الآن من صرف الناظر الدراهم في مصالح نفسه بحيث لا يعود على الوقف منها لشيء فهو غير صحيح ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر ومنها أن لا يكون للوقف ريع يعمر به فإن كان له ريع يفي بعمارته مثل أوقاف الملوك فلا يصح فيه خلو ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر. ومنها ثبوت الصرف في منافع الوقف بالوجه الشرعي فلو صدقه الناظر من غير ثبوت لم يعتبر لأن الناظر لا يقبل قوله في مصرف الوقف حيث كان له شاهد. وفائدة الخلو أنه يصير كالملك ويجري عليه البيع والإجارة والهبة والرهن ووفاء العين والإرث كما يؤخذ من فتوى الناصر اللقاني وسئل عن هذا كله شهاب الدين أحمد السنهوري رضي الله عنه فأجاب بما نصه الخلوات الشرعية يصح وقفها ويكون لازما منبرما مع شرط اللزوم كالحوز وانتفاء المانع كالدين كوقف صحيح الأملاك ويجب العمل بذلك ورهنه وإجارته وهبته وعاريته كل ذلك صحيح ولواقفه أن يجعله مؤبدا أو مؤقتا على غيره فقط أو عليه وعلى ذريته أو على جهة من جهات الخير كوقود مصباح وتفرقة خبز وتسبيل ماء ونحو ذلك مما ينص عليه الواقف ويراه ويشترط فيه ما يجوز له اشتراطه من الأمور الجائزة عملا بما أفتى به شيخنا الشيخ ناصر الدين اللقاني في فتواه انتهى، وقد بحث في ذلك شيخنا العلامة الأجهوري في شرحه على المختصر بكلام طويل حاصله أن الخلو هو ملك المنفعة كما تقدم ومحل صحة وقف المنفعة إذا لم تكن منفعة حبس لتعلق الحبس بها وما تعلق الحبس به لا يحبس ولو صح

ص: 54

وقف منفعة الوقف لصح وقف الوقف واللازم باطل شرعا ألا ترى أنه لا يوقف ما فتح من الأرض عنوة ولو إن أقطعه له الإمام لأنها بمجرد الفتح صارت وقفا فلا يصح وقفها شرعا ولا عقلا ومن المعلوم أن كل ذات وقفت إنما يتعلق الوقف بمنفعتها وأن ذاتها مملوكة للواقف ولهذا تعلم بطلان تحبيس الخلو. وأما أجرته فيصح تحبيسها لكنه يبطل تحبيسها بموت المحبس لأن المنفعة تنتقل للوارث فتكون أجرتها له إلا أن يجيز فعل مورثه انتهى. وقد بالغ في عدم صحة وقف الخلو ولكن الذي عليه العمل ما أفتى به العلامة الشيخ أحمد السنهوري من صحة وقف الخلو وجرى به العمل كثيرا في الديار المصرية ويلزم على بطلانه ضياع أموال الناس وكثرة الخصام المؤدي للتفاقم انتهى كلام الغرقاوي ملخصا. قال في المجموع: صح وقف مملوك وإن منفعة ولو خلو وقف آخر كما في الحاشية قال في ضوء الشموع قال في الحاشية المذكورة اعلم أن الخلو يصور بصور منها: أن يكون الوقف آيلا للخراب فيكريه ناظر الوقف لمن يعمره بحيث يصير الحانوت مثلا يكرى بثلاثين نصف فضة ويجعل عليه لجهة الوقف خمسة عشر فصارت المنفعة مشتركة بينهما فما قابل الدراهم المصروفة من المنفعة هو الخلو فيتعلق به البيع والوقف والإرث، والهبة ويقضي عنه الدين وغير ذلك ولا يسوغ للناظر إخراجه من الحانوت ولو وقع عقد الإيجار على سنين معينة كتسعين سنة ولكن شرط ذلك أن لا يكون ريع يعمر به. الثانية: أن يكون للمسجد حوانيت موقوفة عليه واحتاج المسجد لتكميل أو عمارة ويكون الدكان يكرى الشهر بثلاثين نصفا مثلا ولا يكون هناك ريع يكمل به المسجد أو يعمر به فيعمد الناظر إلى الساكن في الحوانيت فيأخذ منه قدرا من المال يعمر به المسجد، ويجعل عليه خمسة عشر مثلا في كل شهر. والحاصل أن منفعة الحانوت المذكورة

ص: 55

شركة بين صاحب الخلو والناظر على وجه المصلحة كما يؤخذ مما أفتى به الناصر كما أفاده الأجهوري. الثالثة: أن تكون أرض محبسة فيستأجرها من الناظر ويبني فيها دارا مثلا على أن عليه كل شهر لجهة الوقف ثلاثين نصف فضة ولكن الدار تكرى بستين نصف فضة مثلا فالمنفعة التي تقابل الثلاثين الأخرى يقال لها خلو. وإذا اشترك في البناء المذكور جماعة وأورد بعضهم بيع حصته في البناء فلشركائه الأخذ بالشفعة. وإذا حصل خلل في البناء ففي الصورتين الأوليين الإصلاح على الناظر وصاحب الخلو على قدر ما لكل وفي الأخيرة على صاحب الخلو وحده. واعلم أن الخلو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع ينتفع بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير. ولمالك المنفعة تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير. ولمالك المنفعة تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه والفرق بينهما أن مالك الانتفاع يقصد ذاته مع وصفه كإمام وخطيب ومدرس وقف عليه بالوصف المذكور بخلاف مالك المنفعة فإنما يقصد به الانتفاع بالذات بأي منتفع كمستعير لم يمنع عن إعارته ثم إن من ملك الانتفاع وأراد أن ينفع به غيره فإنه يسقط حقه منه ويأخذه الغير على أنه من أهله حيث كان من أهله. والخلو من ملك المنفعة فلذلك يورث وليس للناظر أن يخرجها عنه وإن كانت الإجارة لغيره ولذلك قال الأجهوري: واعلم أن العرف عندنا بمصر أن الأحكام مستمرة للأبد وإن عين فيها وقت الإجارة مدة فهم لا يقصدون خصوص تلك المدة والعرف عندنا كالشرط فمن احتكر أرضا مدة ومضت فله أن يبقى وليس للمتولي أمر الأرض إخراجه نعم إن حصل ما يدل على القصر على زمن الإجارة لا على الأبد فإنه يعمل بذلك نحو أن مدة الاحتكار كذا وكذا. تنبيه قد تقدم أن الخلو اسم للمنفعة التي حصل في مقابلتها الدراهم. والحاصل أن وقف الأجرة متفق عليه بين الأجهوري وغيره كما أفاده بعض شيوخنا

ص: 56

ومخالفة الأجهوري لغيره إنما هي في وقف المنفعة والحق مع غيره والحاصل أن تلك المنفعة بعضها موقوف ولعضها غير موقوف وهو المسمى بالخلو فيتعلق به. أما إن كان لذمي خلو في وقف المسجد فإنه يمنع من وقفه على كنيسة مثلا قطعا بالعقل والنقل هذه عبارة الحاشية وقوله بالعقل أي لأن الوقف الأصلي حاصل لمنفعة الخلو ولا يصح أن يحمل المسجد للكنيسة والنقل النصوص الدالة على أن المطلوب إذلال الكفر وهذا ينافيه وما نقله عن بعض الشيوخ من أن وقف الأجرة متفق عليه والخلاف إنما هو في وقف المنفعة يرد عليه أن الأجرة ناشئة عن المنفعة وما ذكره عن الأجهوري من تأييد الحكر ولو ذكر أجل كستين سنة، يرد عليه أن ضرب الأجل على هذا يصير لا فائدة فيه، إلا أن يقال ضربه في مقابلة المقبوض ومعه تأييد الحكر فتكون الدراهم عجلت في نظير شيئين الأجل المضروب والتأييد بالحكر ينظر في ذلك. ثم أن الخلو ربما يقاس عليه الجدك المتعارف في حوانيت مصر. فإن قال قائل الخلو إنما هو في الوقف لمصلحة وهذا يكون في الملك قيل له إذا صح في وقف فالمالك أولى لأن المالك يفعل في ملكه ما يشاء نعم بعض الجدكات بناء أو إصلاح أخشاب في الحانوت مثلا بإذن وهذا قياسه على الخلو ظاهر خصوصا وقد استندوا في تأييد الحكر للعرف والعرف حاصل في الجدك وبعض الجدكات وضع أمور مستقلة في المكان غير مستمرة فيه كما يقع في الحمامات وحوانيت القهوة بمصر فهذه بعيدة الخلوات فالظاهر أن للمالك إخراجها وكتب عبد الله ما نصه قد أفتى شيخنا عبد الباقي بإبطال وقف الخلو فراجعه ولده سيدي محمد بفتوى الشيخ أحمد السنهوري وبفتوى الناصر اللقاني بجواز بيعه وإرثه فرجع عن فتواه المذكورة انتهى. وفتواه التي رجع عنها تبع فيها شيخه الأجهوري وحاصل كلامه أن منفعة الوقف وقف فلو صح وقف

ص: 57

الخلو لزم وقف الوقف أيضا فشرط الشيء المحبس أن لا يتعلق به حق للغير. وجوابه أن الوقف والحق في المنفعة الأصلية والوقف الثاني للخلو الذي حصل بالتعمير مثلا فقد اختلف المحل قاله الأجهوري ولا يلزم من ملك منفعة الخلو وقفها فإن المالك قد يمنع من فعل بعض التصرفات لمانع كمنع وقف من ملك عبدا على مرسى بقصد الضرر ومنع مالك آلة الحرب من بيعها لحربي وقاطع طريق ومنع مالك عهد مسلم من بيعه لكافر ولا شك أن تعلق الوقف بمنفعته يمنع وقفها لما بينا من تعلق الحق وقد علمت جوابه من اختلاف محل الوقفين والحقين نعم يظهر كلام جهوري في الصورة الثانية من صور الخلو السابقة في كلام الحاشية فإنه لم يحدث عمارة وإنما أخذ دراهم عمر بها المسجد وجعل الحانوت بخمسة عشر بعد أن كان بثلاثين فصارت منفعة الحانوت الوقف بعينها مشتركة بين صاحب الخلو والناظر فكيف بوقفها ثانيا فتدبر انتهى كلام ضوء الشموع والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ا. هـ.

ص: 58

3 -

من أقوال بعض فقهاء الشافعية:

قال الشيرازي واختلف قوله في أكثر مدة الإجارة والمساقاة فقال في موضع، سنة، وقال في موضع يجوز ما شاء وقال في موضع يجوز ثلاثين سنة فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال.

أحدها: لا تجوز بأكثر من سنة لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة.

والثاني: تجوز ما بقيت العين لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى منها كالكتابة والبيع إلى أجل.

ص: 58

والثالث: أنه لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة لأن الثلاثين شطر العمر ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك ومنهم من قال هي على القولين الأولين وأما الثلاثون فإنما ذكره على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد وهو الصحيح (1).

قال الفقيه ابن حجر المكي الهيتمي في الفتاوى الكبرى الفقهية، -3، ص 338، طبعة عبد الحميد أحمد حنفي قال في بيان المصلحة المجوزة لإجارة المدة الطويلة: هي المصلحة التي ترجع إلى بقاء عين الوقف وقد انحصرت في إيجاره تلك المدة لا إلى مجرد مصلحة المستحق أما الأول فلما يأتي عن أبي زرعة وغيره. وأما الثاني فالدليل عليه ما قررته من كلام صاحب الإرشاد وغيره من أن مجرد زيادة أجرة المثل لا تجوز إجارة المدة الطويلة وقد صرح به السبكي حيث قال لعمارة ونحوها كما يأتي عنه تخص الجواز بالعمارة ونحوها وعلى ما ذكرته من أن الإجارة لمجرد زيادة الأجرة لا تجوز ينبغي أن يحمل إطلاق الأذرعي امتناع الإجارة الطويلة لأنها تؤدي إلى تملك الوقف ومفاسد أخرى تعلم مما سأذكره فمحل امتناعها إذا كانت المصلحة عائدة للمستحقين فقط وأما إطلاقه امتناعها وإن عادت إلى عين الوقف فلا يتجه كما بينه أبو زرعة في فتاويه وسيأتي فتعين حمل كلامه على ما ذكر وكذلك يحمل على ذلك قول تلميذه الزركشي جواز إجارة الوقف مائة سنة ونحوها، بعيد، فإنه يؤدي إلى استهلاكه ويدل على حمل كلامه أعني الزركشي على ما ذكرته قوله أيضا ويخرج من كلام ابن سراقه وأبي الفرج الجزم بالجواز مطلقا في الخراب وهو ظاهر إذا اقتضته المصلحة ليحتكر. ا. هـ. فافهم أن استبعاده الأول إنما هو في غير الخراب ويوجه بأن المصلحة في غير

(1) المهذب ومعه المجموع، ج 14، ص 227.

ص: 59

الخراب إنما تعود على المستحق فلم تكن مسوغة للإجارة الطويلة لاشتماله على مفاسد فلا تفعل إلا لمصلحة ترجع إلى عين الوقف لأن رعاية حفظه بالعمارة أولى من رعاية توهم تملكه. ومما يؤيد اشتمالها على مفاسد قول الزركشي أن الحكام من أئمتنا القائلين بأن الموقوف لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس مالوا إلى مذهب أبي حنيفه رضي الله عنه لأنه أحوط. وقول أبي زرعة وصاحب الأنوار ما فعلوه من ذلك الاصطلاح هو الاحتياط وقول السبكي منتصرا لهذا الاصطلاح لعل سببه أن إجارة الوقف تحتاج إلى أن تكون بالقيمة وتقويم المدة المستقبلة البعيدة صعب قال وفيه أيضا توقع الانتقال إلى البطن الثاني وقد تتلف الأجرة فتضيع عليهم ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها فالحاكم يجتهد في ذلك ويقصد وجه الله تعالى. ا. هـ. قال الكمال الرداد شارح الإرشاد وما قاله ظاهر لا سيما في هذا الوقف شاهدنا كثيرا إجارة بعض الحكام الوقف مدة طويلة أدت إلى تملكه وإبطال وقفيته واندراسه والاحتياط متعين في هذا الزمان بلا شك. ا. هـ. وقال أيضا في امرأة أرادت أن تؤجر وقفا خمسين سنة بإذن الحاكم فرارا من البطن الذي بعدها لا يجوز لها ذلك ولا يجوز للحاكم الإذن لها في تلك المدة المذكورة لأن التقويم لأجرة المثل المدة البعيدة صعب ولأنه يخشى على الوقف إذا أجر المدة المذكورة اندراسه رأينا ذلك وشاهدناه على أن القاضي وتلميذه البغوي والمتولي ذكروا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين هذا في زمانهم فكيف في زماننا الذي لا يوجد فيه قاض أمين أهل للولاية بل قال الأذرعي قضاة العصر كقريبي العهد بالإسلام وهذا في زمانه فكيف في زماننا. ا. هـ. وقال أيضا وقد كثرت المفاسد في نظار الوقف في تأجير المدة الطويلة حتى صار كثير من أماكن الأرض الموقوفة مندرس الوقف

ص: 60

ويتصرف فيه تصرف الملك ولا شك أن ذلك قادح في نظرهم فعلى الإمام ونوابه أصلحهم الله سبحانه وتعالى إزالة هذه المفاسد. ا. هـ. فظهر من كلام هؤلاء الأئمة أن في الإجارة الطويلة مفاسد فلذا وجب الاحتياط فيها أكثر ولا يتم ذلك الاحتياط إلا إن انحصرت المصلحة في العمارة ونحوها مما يتعلق بعين الوقف وبقائه كما صرح به الإمام أبو زرعة محقق عصره باتفاق من بعده ومن ثم ترجموه بأنه ما رأى مثل نفسه لأنه جمع فقه شيخيه الأسنوي والبلقيني وحديث والده حافظ المتأخرين وحاصل عبارته في فتاويه أنه سئل عما يفعله حكام مكة من إجارة دور مكة الخربة الساقطة مائة سنة أو نحوها مما يقوم بعمارتها ويقدرون ذلك أجرتها في مدة الإجارة ويأذنون للمستأجر في صرفه في العمارة ويقرون الدار معه بعد عمارتها على حكم الإجارة السابقة من غير زيادة في الأجرة هل هذا التصرف حسن يسوغ اعتماده وتكراره أم لا لأن هذه المدة تؤدي إلى تملك الوقف غالبا وذلك أعظم ضررا من الخراب وأطالوا في السؤال فأجاب وأطال وملخصه أن منافع الوقف كمنافع الطلق يتصرف الناظر فيها بالمصلحة وقد تقتضي المصلحة تكثير مدة الإجارة وتقليلها وحينئذ فيجوز إجارة الدار الموقوفة مدة تبقى إليها غالبا ويختلف ذلك باختلاف الدور ولاختلاف البلاد في إحكام ما يبنون به وإتقانه ومدة بقائه غالبا فيما يفعله حكام مكة من إجارة دور الوقف الخربة الساقطة مائه سنة أو نحوها عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به ولا وجد من يقرض القدر المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك وإنما استحسناه وسوغناه لأن فيه بقاء عين الوقف وهو مقدم على سائر المقاصد وقد تعينت الإجارة المذكورة طريقا لذلك ثم قال ولا نظر

ص: 62

لخشية تملك الوقف حينئذ لأن الأمور إذا ظنت مصلحتها في الحال لا نظر في إبطالها إلى احتمال مفسدة مستقبلة ولا نظر إلى أن العمارة إنما يحصل النفع بها للمستأجر فقط لأن مدته لا تفرغ إلا وقد عادت الدار خربة كما كانت لحصول غرض الواقف مع ذلك بعمارته لها وذلك الغرض هو بقاء العين الموقوفة منقلة عن ملك الآدميين لرقبتها مملوكة لله سبحانه وتعالى فيبقى ثوابه مستمرا حتى يجري عليه ولو لم ينتفع الموقوف عليه بريعها والصورة التي تكلمنا عليها أن الإجارة المذكورة تعينت طريقا لبقاء عين الوقف فإنه تداعى للسقوط ولم يوجد ما يعمر به من ريع حاصل والقرض. والأولى إذا خرب الوقف ولم ينهض بعمارته إلا أجرة مائة سنة أن يؤجر المدة المذكورة ليعمر جميعه بالأجرة لأن بقاء عين الوقف مقصود شرعا في غرض الواقف ولا نظر إلى خشية الإفضاء إلى تملكه لأن ذلك غير محقق وبالجملة فمتى أمكنت المبادرة إلى عمارة الوقف وبقاء عينه كما كانت فهو حسن فليفعل ذلك بكل طريق ممكن شرعي ويحترز عما يتوقع من المفسدات بما أمكن الاحتراز به ولا تترك المصالح المظنونة للمفاسد الموهومة. ا. هـ. حاصل كلام الولي رحمه الله تعالى وهو صريح لمن عنده أدنى تأمل لما ذكرته أنه لا بد في الحاجة المسوغة للإجارة الطويلة من عودها إلى عين الوقف لتوقع بقائها على ذلك ألا ترى إلى قوله عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به ولا وجد من يقرض القرض المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك وإنما استحسناه، إلخ. فتأمل قوله (لأجل العمارة) وقوله (إذا لم يكن الوقف) إلخ وقوله (من غير احتياج لذلك) تجد ذلك كله كبقية كلامه صريحا فيما ذكرته من أنه لا يجوز إجارة المدة

ص: 62

الطويلة إلا عند تحقق الحاجة الراجحة إلى العمارة ونحوها. وهذا أمر ظاهر من كلامه لا ينكره إلا معاند مكابر لا يلتفت إليه، ويوافقه قول السبكي السابق ومع ذلك فقد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها. فإن قلت الحاجة أخص من المصلحة وهم لم يشترطوا في إجارة الناظر إلا المصلحة ولا يلزم من اشتراط الأعم اشتراط الأخص وإذا أجره بزيادة على أجرة المثل كان ذلك مصلحة فلم لا يسوغ أن زيادة أجرة المثل هنا بمجردها تكون مصلحة مسوغة للإجارة وإن طالت مدتها، وكلام السبكي إنما هو في الحاجة وهي منحصرة في نحو العمارة فلا ينافي ما ذكرناه من جواز الإجارة للمصلحة التي ذكرت قلت أما كون الحاجة أخص من المصلحة فواضح وأما اشتراطهم في الناظر ما ذكر فإنما هو لكونه شرطا في كل إجارة ثم بعض الإجارات كالذي نحن فيه يشترط فيه زيادة على ذلك وهو الحاجة وبعضها كإجارة المدة القليلة يكفي فيه مطلق المصلحة وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى الزيادة على أجرة المثل بل حيث كان في الإجارة مصلحة اكتفى فيها بأجرة المثل وحيث لم يكن لم يكتف فيها إلا بالزيادة كما مر عن الكمال شارح الإرشاد فعلمنا أن الزيادة بمجردها ليست مصلحة كافية عن غيرها لا في الإجارة القصيرة ولا الطويلة فبطل اعتبار تلك الزيادة ولم يجز النظر إليها وبهذا علم الجواب عنه. فإن قلت فلم اشترطتم في الإجارة الطويلة الحاجة واكتفيتم في القصيرة بمجرد المصلحة قلت لأن الطويلة فيها مفاسد شتى كما مر وهذا متفق عليه بين المطلقين المنع والمجوزين لها بالشروط السابقة وإذا اشتملت على مفاسد منافية لغرض الواقف والشارع من بقاء عين الوقف فكان الأصل امتناعها وما كان الأصل امتناعه لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة حاقة ولا شك أن العمارة إذا توقفت على الإجارة الطويلة كان ذلك إما ضرورة أو حاجة

ص: 63

فمن ثم جوزوها حينئذ. وأما إذا لم يكن ضرورة ولا حاجة بأن كان المكان عامر لا يخشى عليه انهدام ولا يحتاج لترميم ونحوه من العمارات فالمنع باق بحاله خشية من تلك المفاسد ويؤيد ذلك أن الولي قال في رده منع الأذرعي الطويلة مطلقا لأنه يؤدي إلى استهلاكه لم أر من قاله هكذا في كل شيء على الإطلاق ولا نظير يشهد له ومنع الإجارة بأمر متوهم وهو إفضاء الأمر إلى استهلاكه لا دليل عليه ولا تقتضيه قواعدنا وكيف نثبت أمرا بالشك وليس من مذهبنا سد الذرائع ا. هـ فرده لهذا مع تقييده الجواز بما مر عنه صريح في أنه إنما قصد بذلك رد المنع إطلاق لا أصل المنع وإلا لم يشترط في الجواز ما قدمته عنه ونتج من كلامه أن الطويلة لا تجوز إلا لحاجة وليس علته إلا ما قررته فافهمه. فإن قلت ينافي ما ذكرته كلام الكمال شارح الإرشاد في فتاويه فإنه سئل عن رجل وقف بيتا يملكه على ولدي ابن له ليسكناه ويؤجراه وينتفعا به وجعل النظر في ذلك إليه مدة حياته ثم بعده إلى الموقوف عليهما ثم مات الواقف وأحد الولدين صغير لم يبلغ فاحتاج إلى الكسوة والنفقة فنصب الحاكم الابن البالغ على أخيه اليتيم فأجر المنصوب حصة أخيه اليتيم بالمصلحة لحاجته وضرورته إلى النفقة والكسوة على أخيه بأجرة زائدة على أجرة المثل في الوقف مدة مائة سنة وقبض له الأجرة فهل تصح هذه الإجارة أم لا؟ فأجاب نعم تصح الإجارة المذكورة انتهى. قلت لا ينافي ما ذكرته. أما أولا فلأنه أطلق هنا الصحة وقد قدمت عنه عدة أماكن من فتاويه مصرحة بأنه لا بد في الإجارة الطويلة من مصلحة غير زيادة الأجرة. وأما ثانيا فلأن جوابه منزل على ما قاله السائل وهو أنه أجر الحصة بالمصلحة ولحاجة اليتيم بأجرة المثل فأكثر فذكر هنا ثلاثة أسباب المصلحة وحاجة اليتيم وزيادة أجرة المثل فتعين أن المصلحة راجعة لعين الوقف وليس مستند الإجارة في

ص: 64

السؤال ذكر فيه مثل هذه الثلاثة إذ لو ذكر فيه ذلك المذكور لكان أمره واضحا جليا وقد علمت أنه لم يذكر فيه إلا أن المصلحة التي للوقف والموقوف عليه مقيدة بزيادة الأجرة على أجرة المثل. وقد علمت بما قررته ووضحته أن مجرد هذه غير كاف في الإجارة الطويلة فاعلم ذلك وتنبه له فإن بعض المعاندين ربما اطلع على كلام الكمال هذا فجعله مستندا له على صحة مكتوب الإجارة الذي في السؤال وليس فيه مستند لذلك يوجه لما علمت من إيضاح الفرق بينهما ثم رأيت بعد فراغي من جواب المسائل السابقة والآتية الرافعي صرح في الكلام على ألفاظ الوجيز بما هو صريح فيما قدمته عن أبي زرعة وغيره من أنه لا بد من مصلحة تعود للوقف دون الموقوف عليه فإنه قال في قول الوجيز وتأثيره أي لزوم الوقف إزالة الملك وحبس التصرف على الموقوف ويجوز أن يغير قوله. وحبس التصرف على الموقوف بقصر التصرف على ما يلائم غرض الواقف ويمنع الموقوف عليه ا. هـ كلام الرافعي فتأمل تفسيره كلام الغزالي بقصر التصرف الذي لا يكون إلا من الناظر على ما يلائم غرض الواقف ويمنع الموقوف عليه تجده قاضيا بما قلناه من أن مصلحة التصرف لا بد وأن ترجع إلى غرض بقاء الوقف وأنه إذا تعارض هذا مع غرض المستحق قدم الأول ومنع المستحق من غرضه المنافي له. فإن قلت لا شاهد في هذه العبارة لأن من غرض الواقف نفع الموقوف عليه قلت نعم هو منه لكن إنما يراعى حيث لم يعارض غرض الوقف أما عند المعارضة فيقدم غرض الوقف وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد زيادة الأجرة مسوغا للإجارة الطويلة المؤدية إلى استهلاك الوقف من غير حاجة الوقف إلى ذلك لكنا قدمنا غرض المستحق على غرض الواقف وهو ممتنع كما علمت من كلام الرافعي هذا ومما يؤيد ذلك أيضا قولهم لو قال الموقوف عليه أسكن الدار وقال الناظر أؤجرها

ص: 65

لأرممها بأجرتها أجيب الناظر فهذا فيه التصريح منهم بتقديم مصلحة الوقف على مصلحة المستحق وقولهم في موقوف له منافع يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف وأجرى الرافعي ذلك في الدار المشرفة على انهدام ففيه تصريح منه بأنه إذا تقابل غرض الواقف وغرض المستحق قدم غرض الواقف وما نحن فيه تقابل غرضاهما فيقدم غرض الواقف من عدم الإجارة الطويلة على غرض المستحق.

وقولهم يراعى غرض الواقف ما أمكن فانظر قولهم ما أمكن تجده هو صريحا فيما قلناه. ومما يصرح بذلك أيضا قولهم في باب التفليس (والعبارة للشيخين) يؤجر الموقوف على المفلس المرة بعد المرة إلى أن يفي الدين وتبعهما المتأخرون على ذلك فتأمل قولهم المرة بعد الأخرى ولم يقولوا يؤجر مدة طويلة تراه شاهدا لما قررته من رعاية غرض الواقف دون المستحق وإلا لم يحتج إلى تكرار الإجارة وأوجر مدة طويلة رعاية لغرضه مع قوله بأن الحجر يدوم عليه حتى يفي الدين على ما فيه ومع ذلك لم تلفت الأئمة إلى هذا الغرض ويجوزون الإجارة لأجل ارتفاع الحجر مدة طويلة تفي بالدين. بل أوجبوا أن يؤجر المرة بعد المرة وإن أدى إلى دوام الحجر. فإن قلت قد خالف السبكي كلام الشيخين وغيرهما فقال في شرح المهذب الوجه أن يقال إذا كانت أي العين الموقوفة مما تؤجر غالبا لمدة قريبة يغلب البقاء فيها ألزم بذلك لأن جملة تلك المدة كالمال الحاضر عرفا وتضاف تلك الأجرة إلى بقية أمواله ويقسم بين الغرماء ويفك الحجر عنه وقال غيره الأقرب أنه يؤجر دفعة واحدة بأجرة معجلة لا مرة بعدة مرة خلافا للشيخين قلت لا نظر لمخالفته هذه فإنه نفسه صرح بأن هذا رأي له ولم يره منقولا وإذا تعارض رأيه ومنقول الشيخين وغيرهما قدم المنقول ولم يجز العمل بذلك الرأي كما هو بديهي لمن عنده

ص: 66

أدنى إلمام بأصول المذهب ومأخذه فتأمل جميع ذلك فإنه مهم وفيه دلالات ظاهرة أو صريحة لما قررته. فإن قلت ما وجه دلالة عبارتهم على امتناع إيجار المدة الطويلة هنا قلت صراحة عبارتهم على ذلك لا تحتاج إلى برهان وكفاك شاهدا على ذلك مخالفة السبكي المذكورة إذ لولا أن تلك العب للاشتراط لما قال خلافا للشيخين ولما قال عما قاله هذا ما رأيته ولم منقولا ا. هـ.

قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ج3، من (الفتاوى الكبرى الفقهية) ص 348، طبعة عبد الحميد أحمد حنفي قال قد تباينت آراء الأئمة في الإجارة الطويلة - أي الوقف- فمنعها، جماعة منهم الأذرعي وتبعه تلميذه الزركشي فاستبعد جوازها وجوزها آخرون بشروط منهم السبكي وأبو زرعة وغيرهما وجرى عليه الكمال الرداد شارح الإرشاد وهو الحق واتفق الكل على أن فيها مفاسد فالمانعون نظروا إليها فأطلقوا منعها نظرا للعادة المحققة لها غالبا والمجوزون لها نظروا إلى أنها موهومة مع الحاجة إذا حقت منعت النظر إليها وقد صرح الأئمة بأنه يجب على الناظر الاحتياط في الإجارة وفي حفظ الأصول ولا يتم الاحتياط في هذين في الإجارة الطويلة إلا إن احتيج إليهما كما ذكر. وصرحوا أيضا في عدة مواضع بأنه يجب على المتصرف على الغير أن يراعي في تصرفه الأغبط والأصلح ففي مدد الإجارات يلزمه رعاية الأصلح منها ولا يجوز له فعل المصالح مع وجود الأصلح فلا يفعل الإجارة الطويلة إلا إذا تحقق كونها أصلح. وذكروا أيضا أن لا يسجل نحو إجارته إلا إن ثبت مسوغها وهذا كله مؤيد للمجوزين للإجارة الطويلة بشرط الحاجة لتوقف بقاء عين الوقف بعمارته أو نحوها عليها ا. هـ.

ونقل الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي في (الفتاوى الكبرى الفقهية)

ص: 67

ج 3، ص 338، عن السبكي أنه قال في إجارة الوقوف المدة الطويلة (تحتاج إلى أن تكون بالقيمة وتقويم المدة المستقبلة البعيدة صعب. قال وفيه أيضا توقع الانتقال إلى البطن الثاني وقد تتلف الأجرة فتضيع عليهم ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها فالحاكم يجتهد في ذلك ويقصد وجه الله تعالى) ثم نقل ابن حجر عن الكمال الرداد شارح الإرشاد، أنه قال: قد شاهدنا كثيرا إجارة بعض الحكام الوقف مدة طويلة أدت إلى تملكه وإبطال وقفيته واندراسه، والاحتياط متعين في هذا الزمان بلا شك. ا. هـ. قال (وقال أيضا في امرأة أرادت أن تؤجر وقفا خمسين سنة بإذن الحاكم فرارا من البطن الذي بعدها لا يجوز لها ذلك ولا يجوز للحاكم الإذن لها في تلك المدة المذكورة، لأن التقويم لأجرة المثل المدة البعيدة صعب ولأنه يخشى على الوقف إذا أجر المدة المذكورة اندراسه كما رأينا ذلك وشاهدناه على أن القاضي وتلميذه البغوي والمتولي ذكروا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين هذا في زمانهم فكيف في زماننا الذي لا يوجد فيه قاض أمين أهل للولاية بل قال الأذرعي قضاة العصر كقريبي العهد بالإسلام وهذا في زمانه فكيف في زماننا. ا. هـ. وقال أيضا وقد كثرت المفاسد من نظار الوقف في تأجير المدة الطويلة حتى صار كثير من أماكن الأرض الموقوفة مندرس الوقف ويتصرف فيه تصرف الملك ولا شك أن ذلك فاح في نظرهم فعلى الإمام ونوابه أصلحهم الله سبحانه وتعالى إزالة هذه المفاسد. ا. هـ.

وجاء في فتاوى ابن الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ج1، ص 441، نشر مكتبة القدسي ما نصه (مسألة: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين في شخص وقف وقفا على أولاده وشرط أنه لا يؤجر

ص: 68

أكثر من سنه ولا يعقد على ذلك ولا على بعضه عقد إجارة ثانية حتى تنقضي مدة العقد الأول ويعود إلى يد الناظر ولا يتحيل على ذلك فقيه بحيلة شرعية، وحكم بصحة ذلك حاكم من حكام المسلمين فآجره الناظر المستحق له يومئذ عشرين سنة هلاليات متواليات في عشرين عقدا كل عقد منها سنة واحدة يتلو بعضها بعضا ثم أقر الناظر المؤجر المستحق للوقف إقرارا صحيحا شرعيا أنه لا يستحق في منافع المأجور المعين فيه المدة المعينة فيه منع المستأجر المسمى فيه حقا قليلا ولا كثيرا ولا أجرة ولا إجارة ولا استحقاق منفعة ولا دعوى ولا طلب بوجه ولا سبب ولأن منافع المأجور فيه يستحقها المستأجر استحقاقا صحيحا شرعيا بطريقة صحيحة شرعية فهل تصح الإجارة فيه في المدة المعينة أم لا بحكم أنها مخالفة لما شرط الواقف ولم يدثر الوقف ولم ينهدم إذا بطلت الإجارة فهل يؤاخذ بإقراره المعين أم لا. وإذا كان إقراره باطلا فهل يرجع المقر المؤجر على المستأجر بأجرة المثل فيما زاد عن المسألة الأولى في الإجارة المذكورة أم لا. أفتونا مأجورين؟. وأجاب رضي الله عنه هذه أمور ملتبسة والظاهر أنها صادرة عن أمور باطلة وإن احتملت وجها من الصحة. والذي أراه بطلان الإجارة وأن المقر مؤاخذ بإقراره ولا يعطى أي شيء وإن كان الوقف يستحق غيره معه يصرف إليه وإلا فيكون منقطع الوسط يصرف مصارف المنقطع الوسط والله أعلم. ا. هـ.

وفي الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي، ج 3، ص 248، ما نصه (سئل عن واقف شرط في وقفه أن لا يؤجر أكثر من سنة بأجرة مثل فإذا آجره الناظر عشر سنين في عشرة عقود كل سنة بأجرة مثله تلك السنة من شخص واحد فهل يجوز ذلك كما صرح به شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله في كتابه عماد الرضا في بيان أدب القضا أم لا يجوز

ص: 69

فيما زاد على العقد الأول نظرا للمعنى كما أفتى به ابن الصلاح وأفتى غيره بالصحة نظرا للفظ تبعا لشيخ الإسلام زكريا وقال وهو أفقه لكن المعتمد الأول الذي أفتى به ابن الصلاح. وإذا قلتم بالجواز تبعا لشيخ الإسلام زكريا سواء كان الوقف عامرا أم خرابا أوضحوا لنا ذلك فأجاب بقوله الذي أفتى به ابن الصلاح من الامتناع نظر فيه إلى المعنى فإنه علله بأن المدتين المتصلتين في العقد في معنى العقد الواحد فيخالف شرط الواقف قال صاحب الإسعاد في بعض نسخه وما أفتى به متجه جدا. ا. هـ. وإنما يتم اتجاهه عند النظر للمعنى كما قررته لكن من تأمل كلامهم وتفاريعهم على أنهم في الغالب يرجحون ما كان أقرب إلى لفظ الواقف مما هو أقرب إلى غرضه دون لفظه ولهذا يظهر ترجيح الجراز ومن ثم جرى عليه ابن الأستاذ وجزم به صاحب الأنوار وتبعهما شيخنا شيخ الإسلام زكريا سقى الله عهده وغيره فاندفع قول من قال المعتمد ما أفتى به ابن الصلاح ووجه اندفاعه ما قررته من أن الجواز أقرب إلى كلام الأئمة ولذلك اعتمده المحققون وخالفوا ابن الصلاح ولم يبالوا بذلك ولا يجوز للحاكم نقض حكم غيره بالجواز لأنه المعتمد كما علمت. ومحل الخلاف حيث لم يشترط الواقف أن لا يدخل عقد على عقد وإلا بطل العقد الثاني وما بعده اتفاقا لاستلزام القول بصحته مخالفة تصريح الواقف بامتناعه من غير ضرورة داعية لذلك إذ الغرض أن الوقف محاصر والله أعلم ا. هـ.

وفي فتاوى العلامة شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي، ج 3، بهامش فتاوى ابن حجر الهيتمي، ج 3، ص 87 - 88 ما نصه (سئل أي الرملي - عما لو شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة فأجره عشر سنين في عشرة عقود كل عقد بسنة

ص: 70

بأجرة مثل تلك السنة فهل يصح كما تقتضيه عبارة الأنوار ووفاقا لابن الأستاذ أم لا يصح إلا العقد الأول كما نقله الكمال بن أبي شريف بأن قال لو شرط أن لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين مثلا فآجره الناظر ست سنين في عقدين الثاني قبل انقضاء الأول والمدة متصلة أفتى ابن الصلاح بأنه لا يصح العقد الثاني وإن قلنا بالأصح أنه تصح إجارة المدة المستقبلة للمستأجر اتباعا لشرط الواقف وخالفه ابن الأستاذ وقال ينبغي الصحة وظاهر إطلاق عبارة الأنوار الجزم بذلك ثم ساق عبارته ثم قال وما أفتى به ابن الصلاح متجه جدا ثم قال: لأنا إنما صححنا العقد المستأنف مع أن المذهب أنه لا يجوز إجارة مدة مستقبلة لأن المدتين المتصلتين في العقدين في معنى المدة الواحدة في العقد الواحد. وهذا بعينه يقتضي في هذه الصورة البطلان فإنه يجعل ذلك بمثابة ما إذا عقد على المدتين في عقد واحد. ا. هـ. كلامه فأجاب بأن ما أفتى به ابن الصلاح وافقه عليه جماعة من المتأخرين) ا. هـ.

وفي باب الإجارة من فتاوى ابن حجر الهيتمي الفقهية الكبرى، ج 3، ص 144، ما نصه (وسئل في مسألة الإجارة المدرجة التي صورتها آجرتك هذه الأرض مائة سنة بمائة محلق كل سنة بمحلق عقودا مختلفة يتلو بعضها بعضا هل تصح هذه الإجارة أم لا؟ فإذا قلتم بصحتها فهل يجري ذلك في المملوك والموقوف أم في المملوك فقط أم لا يصح في كل منهما وما يكون إذا حكم حاكم بصحة ذلك؟ فإذا قلتم بصحتها في المملوك والموقوف وكان من شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنتين فهل تصح الإجارة بهذا العقد هذه المدة أم على شرط الواقف ولا يصح التدريج؟ وإذا قلتم بصحتها في العقود المختلفة وإن زادت على شرط الواقف فهل تنفسخ الإجارة بموت البطن الأول كان الوقف وقف ترتيب أم

ص: 71

تشريك أم لا؟ وإذا قلتم بصحتها في الموقوف فهل تكون كالصحيحة تسقط أجرة المثل فيما مضى أم تكون كالمقبوض بعقد فاسد وبطلت أجرة المثل فيما مضى بينوا لنا جواب ذلك ما الصحيح من مذهب الشافعي ومذهب الغير أثابكم الله؟ فأجاب: إجارة الأرض المملوكة مائة سنة صحيحة وكذا الموقوفة لكن بشرط أن تخرب تلك الأرض فتحتاج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة وأن لا يكون للوقف حاصل يعمر به وأن لا يوجد من يقرض القدر المذكور المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإن انتفي شرط من ذلك لم تجز إجارتها تلك المدة الطويلة. هذا حاصل ما ذكره الولي أبو زرعة في فتاويه وأطال في بيانه وتحقيقه. وحيث شرط الواقف أن لا تؤجر أكثر من سنتين لم تجز إجارتها أكثر منهما في عقد واحد ولا تنفسخ الإجارة بموت البطن الأول ولا من بعده سواء كان الوقف وقف ترتيب أم وقف تشريك إلا في مسألة واحدة هي ما لو شرط الواقف النظر لكل مستحق على حصته ما دام مستحقا فحينئذ تبطل الإجارة بموت المؤجر المستحق وحيث انفسخت بالموت وجب حصة ما مضى من المسمى ورجع المستأجر بما بقي من المسمى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب) ا. هـ.

قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى، ج 3، ص 331، سئلت عن مسألة مهمة فأجبت إثباتها هنا وهي مسألة أرض موقوفة هي ومياهها شرط واقفهما شروطا منها أن لا تؤجر أكثر من سنة ولا تؤجر السنة الثانية حتى تنقضي السنة الأولى وحكم بموجب الوقف حنفي ونفذه شافعي وغيره فآجر ناظره منه أراضي ومياهها مائة سنة مثلا في مائة عقد من نفسه لنفسه لمحجوريه ابني ابنه وحكم بهذه الإجارة شافعي وذكر مورقه ما يعتاده المورقون في كل مستند وحكم وهو حكما صحيحا شرعيا

ص: 72

مستوفيا شرائطه الشرعية فهل يعمل بهذه الإجارة المخالفة لشرط الواقف لقول المورق المذكور أو لا يعمل بها لأنه لم يثبت لها مسوغ لمخالفته شرط الواقف والمورقون يقولون ذلك ولا يفهمون معناه ولا يكون مطابقا للواقع في كثيرين والمسؤول من تفضلات السادة العلماء الذين هم نجوم الهدى ومصابيح الاقتداء وعليهم المعول في النوائب وإليهم الملجأ في المصائب. بيان حكم الله سبحانه وتعالى في هذه الإجارة التي أكل بها مال الوقف بالباطل لأنه لم يثبت لها مسوغ في مستند الإجارة ولا في الخارج مع مخالفتها لشرط الواقف نصا وإيضاح حكم ذلك وبسطه كما هو الواجب عليهم ليصل كل ذي حق إلى حقه ويرجع المتعدي عن تعديه وعناده وفرقه. فأجبت هذه الإجارة باطلة من وجهين أحدهما كون الناظر آجر ابني ابنه المحجورين واستأجر لهما وهذا باطل ولو بأجرة المثل فأكثر كما صرحوا بنظيره في الوصي والقيم وقالوا كما في الروضة وغيرها إن ناظر الوقف كالوصي والقيم في مال اليتيم فيمتنع عليه ما يمتنع عليهما ويجوز له ما يجوز لهما. وفي أدب القضاء للاصطخري حكاية الإجماع على ما يصرح بأن ناظر الوقف كالوصي وهذا الوجه أظهر من الثاني وهو مخالفة تلك الإجارة لشرط الواقف وذلك مقتض لبطلانها وإن قال المورق ما ذكر لأن كلامه في مثل ذلك لا يعول عليه ووجه كون الأول أظهر أن إبطاله للإجارة لا يمكن تداركه وإن حكم به الشافعي وقال: إنه استوفى المسوغات الشرعية لأن هذا لا مسوغ له فأبطل الإجارة مطلقا بخلاف الثاني فإنه يمكن وجود مسوغ له بأن تشهد الآن بينة عادلة بأن الوقف كان خرب ولم يبق من غلته ما يعمر خرابه ولا يمكن اقتراض ما يعمره ولم تمكن عمارته إلا بأجر تلك المائة سنة إذ هذا مجوز لمخالفة شرط الواقف ومع وجود هذا المسوغ وإقامة هذه البينة الشاهدة به لا تمكن صحة هذه

ص: 73

الإجارة لما تقرر في المبطل الأول المشتملة عليه ا. هـ.

قال محقق عصره الإمام أبو زرعة في فتوى له في الإجارة الطويلة قد تقتضي المصلحة أي مصلحة الوقف تكثير مدة الإجارة وتقليلها وحينئذ فيجوز إجارة الدار الموقوفة مدة تبقى إليها غالبا اختلف ذلك باختلاف الدور وباختلاف البلاد في أحكام ما يبنون به وإتقانه ومدة بقائه غالبا فما يفعله حكام مكة من إجارة دور الوقف الخربة الساقطة مائة سنة أو نحوها عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به ولا وجد من يقرض المقدر المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك وإنما استحسناه وسوغناه لأن فيه بقاء عين الوقف وهو مقدم على سائر المقاصد وقد تعينت الإجارة المذكورة طريقا لذلك ثم قال ولا نظر لخشية تملك الوقف حينئذ لأن الأمور إذا ظنت مصلحتها في الحال لا نظر في إبطالها إلى احتمال مفسدة ولا نظر إلى أن العمارة إنما يحصل النفع بها للمستأجر فقط لأن مدته لا تفرغ إلا وقد عادت الدار خربة كما كانت لحصول غرض الواقف مع ذلك بعمارته لها وذلك الغرض هو بقاء العين الموقوفة منفكة عن ملك الآدميين لرقبتها مملوكة لله سبحانه وتعالى فبقي ثوابه مستمرا حتى يجرى عليه ولو لم ينتفع الموقوف عليه بريعها والصورة التي تكلمنا عليها أن الإجارة المذكورة تعينت طريقا لبقاء عين الوقف فإن تداعى للسقوط ولم يوجد ما يعمر به من ربع حاصل والقرض والأولى إذا خرب الوقف ولم ينهض بعمارته إلا أجرة مائة سنة أن يؤجر المدة المذكورة لأن بقاء عين الوقف مقصود شرعا في غرض الواقف ا. هـ، المراد من كلامه الذي نقله عنه ابن حجر الهيتمي في الجزء الثالث من الفتاوى الكبرى الفقهية. ص 339.

ص: 74

قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى، ج3، ص 329، (ذكر أبو سعيد) الإصطخري في أدب القضاء له الذي نختاره أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة أو ثلاث سنين ولا يزيد على الثلاثة إلا أن يقع في ضرر فيزيد ويعمل بما فيه الصلاح في الاستغلال فأما ما يدخل على المستحقين به ضرر بين فلا يجوز فإن آجره وفيه ضرر وجب فسخه ثم قال وكذلك في أموال اليتامى والمولي عليهم قال في التوسط وظاهر كلامه التسوية فيما ذكره بين أموال اليتامى والمحجوزين والأوقاف وهو غير بعيد) ا. هـ.

ص: 75

4 -

من أقوال بعض فقهاء الحنابلة:

قال ابن قدامة:

ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت وهذا قول كافة أهل العلم إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه فمنهم من قال له قولان (أحدهما) كقول سائر أهل العلم وهو الصحيح (الثاني) لا يجوز أكثر من سنة لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها ومنهم من قال له قول ثالث أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها وتتغير الأسعار والأجر.

ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} (1) وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل، ولأن ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها كالبيع والنكاح والمساقاة والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه، وإذا استأجره سنين لم يحتج إلى تقسيط الأجر على كد سنة في ظاهر

(1) سورة القصص الآية 27

ص: 75

كلام أحمد كما لو استأجر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر بالإتفاق ولو استأجر شهرا لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم، ولأن المنفعة كالأعيان في البيع ولو اشتملت الصفقة على أعيان لم يلزمه تقدير ثمن كل عين كذلك هنا. وقال الشافعي في أحد قوليه كقولنا وفي الآخر يفتقر إلى تقسيط أجر كل سنة لأن المنافع تختلف باختلاف السنين فلا يأمن أن ينفسخ العقد فلا يعلم بم يرجع وهذا يبطل بالشهور فإنه لا يفتقر إلى تقسيط الأجر عليها مع الاحتمال الذي ذكروه (1).

قال الخرقي: إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم لم يكن لواحد منهما الفسخ إلا عند تقضي كل شهر.

وقال ابن قدامة: وجملة ذلك أنه إذا قال أجرتك هذا كل شهر بدرهم فاختلف أصحابنا فذهب القاضي إلى أن الإجارة صحيحة وهو المنصوص عن أحمد قي رواية ابن منصور واختيار الخرقي إلا أن الشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد لأنه معلوم يلي العقد وله أجر معلوم وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به وهو السكنى في الدار إن كانت الإجارة على دار لأنه مجهول حال العقد فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه فصح بالعقد الأول وإن لم يتلبس له أو فسخ العقد عند انقضاء الأول انفسخ، وكذلك حكم كل شهر يأتي وهذا مذهب أبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن مالك نحو هذا إلا أن الإجارة لا تكون لازمة عنده لأن المنافع متقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة إلا في اللزوم، واختار أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وأبو عبد الله بن حامد أن العقد باطل وهو قول الثوري والصحيح من قولي الشافعي لأن كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولا فيكون فاسدا كما لو قال أجرتك

(1) المغني ومعه الشرح الكبير ج / 6/ 8.

ص: 76

مدة أو شهرا، وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد في هذا على أن الإجارة وقعت على أشهر معينة. ووجه الأول «أن عليا رضي الله عنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل منه، قال علي كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطها جلدة،» «وعن رجل من الأنصار أنه قال ليهودي أسقي نخلك؟ قال نعم كل دلو بتمرة واشترط الأنصاري أن لا يأخذها خدرة ولا تارزة ولا حشفة ولا يأخذ إلا جلدة فاستقى بنحو صاعين فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1)» رواهما ابن ماجه في سننه وهو نظير مسئلتنا ولأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم في العقد من الإنفاق على تقدير أجرة والراضي ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة إذا جرى من المساومة ما دل على التراضي بها. فعلى هذا: متى ترك التلبس به في شهر لم تثبت الإجارة فيه لعدم العقد، وإن فسخ فكذلك وليس بفسخ في الحقيقة لأن العقد في الشهر الثاني ما ثبت، فأما أبو حنيفة فذهب إلى أنهما إذ تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد وهو عذر غير صحيح لأن العقد الفاسد في الأعيان لا يلزم بالقبض ولا يضمن بالمسمى ثم لم يحصل القبض هاهنا إلا فيما استوفاه، وقول مالك لا يصح لأن الإجاره من العقود اللازمة فلا يجوز أن تكون جائزة (2).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (3).

وإذا آجر الأرض أو الرباع، كالدور، والحوانيت، والفنادق، وغيرها. إجارة كان لازمة من الطرفين، لا تكون لازمة من أحد

(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2448).

(2)

المغني / 6/ 18 - 19.

(3)

الجزء الثلاثون صفحة 217.

ص: 77

الطرفين، جائزة من الطرف الآخر، بل إما أن تكون لازمة منهما، أو تكون جائزة غير لازمة منهما، عند كثير من العلماء.

كما لو استكراه كل يوم بدرهم، ولم يوقت أجلا، فهذه الإجارة جائزة غير لازمة، في أحد قولي العلماء. فكلما سكن يوما لزمته أجرته، وله أن يسكن اليوم الثاني، وللمؤجر أن يمنعه سكنى اليوم الثاني. وكذلك إذا كان أجر الشهر بكذا، أو كل سنة بكذا، ولم يؤجلا أجلا.

وأما إذا كانت لازمة من الطرفين، فإذا كان المستأجر لا يمكنه الخروج قبل انقضاء المدة، لم يكن للمؤجر أن يخرجه قبل انقضاء المدة لا لأجل زيادة حصلت عليه في أثناء المدة، ولا لغير زيادة، سواء كانت العين وقفا، أو طلقا. وسواء كانت ليتيم أو لغير يتيم. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وغيرهم من أئمة المسلمين. لم يقل أحد من الأئمة أن الإجارة المطلقة تكون لازمة من جانب المستأجر، غير لازمة من جانب المؤجر؛ في وقف، أو مال يتيم، ولا غيرهما. وإن شذ بعض المتأخرين فحكى نزاعا في بعض ذلك، فذلك مسبوق باتفاق الأئمة قبله. والله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود، وأمر بالوفاء بالعهد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته (1)» وقال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، واذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر (2)» .

وإذا قال الناظر للطالب: اكتب عليك إجارة، واسكن، فقد أجره، فإن لم يكن أجره لم يحل له أن يسلم إليه العين، فإنه يكون قد سلم الوقف ومال اليتيم إلى ما لا يجوز تسليمه، فيكون ظالما ضامنا، ولو لم

(1) صحيح مسلم الجهاد والسير (1738)، سنن الترمذي الفتن (2191)، سنن ابن ماجه الجهاد (2873)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 61).

(2)

صحيح البخاري الإيمان (34)، صحيح مسلم الإيمان (58)، سنن الترمذي الإيمان (2632)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5020)، سنن أبو داود السنة (4688)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 189).

ص: 78

يستأجر لكان له أن يخرج إذا شاء، ولكان غاصبا لا تجب عليه الأجرة المسماة؛ بل أجرة المثل لما انتفع به في أحد قولي العلماء. وعلى قول من يضمن منافع الغصب لا يجب عليه شيء.

وغاية ما يقال: أنه قبضها بإجارة فاسدة، ولو كان كذلك لكان له أن يخرج إذا شاء؛ بل كان يجب عليه أن يرد العين على المؤجر، كالمقبوض بالعقد الفاسد؛ بل يجب عليه المسمى، أو أجرة المثل، في أحد قولي العلماء. وفي الآخر يجب أقل الأمرين من المسمى أو أجرة المثل. فلا يجوز قبول الزيادة، لا في وقف، أو مال يتيم، وغيرهما. إلا حيث لا تكون الإجارة لازمة، وذلك حيث يكون المستأجر متمكنا من الخروج، ورد العقار إليهم إذا شاء، وهو الذي يسميه العامة الإخلاء، والإغلاق.

فإذا كان متمكنا من الإخلاء والإغلاق، كان المؤجر أيضا متمكنا من أن يخرجه، ويؤجره لغيره، وإن لم يقع عليه زيادة، ويجب أن يعمل ما يراه من المصلحة.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

عن إجارة الوقف. . هل تجوز سنين؟ وكل سنة بذاتها؟ وإذا قطع المستأجر من الوقف أشجارا هل تلزمه القيمة؟ أم لا؟ وإذا شرى الوقف بدون القيمة ما يجب عليه؟

فأجاب: إن كان الوقف على جهة عامة جازت إجارته بحسب المصلحة ولا يتوقف ذلك بعدد عند أكثر العلماء.

وما قطعه المستأجر فعليه ضمانه ولا يجوز للموقوف عليه بيع الوقف بل عليه رد الثمن على المشتري والوقف على حاله (1).

(1) ج 30، ص 246.

ص: 79

قال الإمام ابن القيم في الجزء الثالث من إعلام الموقعين عن رب العالمين ص 291 - 293 طبعة مكتبة الكليات الأزهرية قال في بيان مفاسد الإجارة الطويلة للوقف كم ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينا بعد سنين.

وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل. وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة. وكم زادت أجرة الأرض والعقار أضعاف أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها ثم قال الإمام ابن القيم وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد. ا. هـ.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في ج3 من كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ص 291 - 293 طبعة مكتبة الكليات الأزهرية: من الحيل الباطلة تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا وقد شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا فيؤجر المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعا فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا. وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينا بعد سنين وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة. وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها. وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد، والواقف إنما قصد دفعها وخشي منها بالإجارة الطويلة، فصرح بأنه لا يؤجر أكثر من تلك المدة التي شرطها،

ص: 80

فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقود مخالفة صريحة لشرطه مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة. وبالله العجب هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوزها في ساعة واحدة في عقود متفرقة وإذا أجره في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين أيصح أن يقال وفي بشرط الواقف ولم يخالفه هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه وتعرض لإبطال هذه الصدقة وأن لا يستمر نفعها وأن لا يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها فلا يحل لمفت أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب ويتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه واستمرار الصدقة وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به وقد يكون البيع أو الاستبدال خيرا من الإجارة والله يعلم المفسد من المصلح والذي يقضي منه العجب التحيل على مخالفة شرط الواقف وقصده الذي يقطع بأنه قصده مع ظهور المفسدة. والوقوف مع ظاهر شرطه ولفظه المخالف لقصده والكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه بحيث يكون مرضاة الله ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجرة ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحب إلى الله ورسوله لا يغير شرط الواقف ويجري مع ظاهر لفظه وإن ظهر قصده، بخلافه. وهل هذا إلا من قلة الفقه؟ بل من عدمه فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسد العظيمة فهلا تحيلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح الراجحة بتخصيص لفظة أو تقييده أو تقديم شرط الله عليه فإن شرط الله أحق وأوثق بل يقولون

ص: 81

هاهنا نصوص الواقف كنصوص الشارع وهذه جملة من أبطل الكلام وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدا بل نصوص الواقف يتطرق إليها التناقض والاختلاف ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها ولا حرمة لها حينئذ البتة ويجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين ولا يتعين الموقوف معها.

ونقل الشيخ أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي في كتابه الفواكه العديدة في المسائل المفيدة ج 1ص 461 عن بعض أهل العلم أنه قال: أتتني عدة مرار صورة مسألة من حلب في وقف شرط واقفه أن لا يؤجر أكثر من سنتين فأجره الناظر عشرين سنة وحكم حاكم حنبلي بصحة الإجارة وقال مذهب أحمد يجوز مخالفة شرط الواقف في ذلك فأجبت عليها بأن هذا القول من هذا الحاكم على الإطلاق خطأ وافتراء على مذهب أحمد بغير علم، والصواب في ذلك متى كان في الإجارة مصلحة أكبر من مراعاة شرط الواقف فهنا قال بعض الأشياخ حفظ عين الوقف أولى وتجوز مخالفة شرط الواقف واعتمدت في ذلك على ما سمعته من شيخنا ومن القاضي برهان الدين بن مفلح ولم يحضرني فيها نقل ثم رأيت كلام الفروع وقد صرح بها غيره أيضا وقد قال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين بعد كلام له سبق هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل وهو

ص: 82

مخالفة شرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه وتعرض لإبطال هذه الصفقة ثم قال فلا يحل للمفتي أن يفتي بذلك ولا لحاكم أن يحكم به ومتى حكم به نقص حكمه اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة للوقف بأن يخرب ويبطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه واستمرارا لصدقته ثم قال رأيت المسألة بعينها في الفتاوى المصرية وصورتها في وقف شرط واقفه أن لا يؤجر أكثر من سنتين فهل للناظر أن يؤجره أريع سنين أم لا فأجاب إذا لم يمكن الانتفاع به إلا على الوجه جاز ذلك وإن كان فيه مخالفة للشرط المطلق.

ص: 83

الرقم 726 وتاريخ 10/ 11 / 1375 هـ

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الشيخ عبد العزيز بن صالح رئيس المحكمة الشرعية بالمدينة الموقر السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وبعد:

فبالإشارة إلى خطابكم رقم 811 وتاريخ 20/ 8 / 75 هـ وملحقه رقم 2365 في 26/ 10 / 75 هـ بشأن الاستفتاء الموجه منكم عن بيع العقار الذي فيه حكر. وقد اطلعنا على صورة الصك المرسل منكم بهذا الخصوص والذي يظهر جواز بيع العقار الذي فيه حكر وهو بمعنى الصبرة عند أهل نجد. وقد أجاز العلماء بيع مثل هذه العقارات قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في الاختيارات كلاما ما معناه إذا بيعت الأرض المحكرة أو ورثت فإن الحكر يكون على المشتري والوارث وليس لأصحاب الحكر أخذ الحكر من البائع وتركة الميت في أظهر قولي العلماء ا. هـ.

وقال ابن القيم في الهدى أثناء الكلام عن الأرض المغنومة فعلم أن

ص: 83

الأرض لا تدخل في الغنائم والإمام مخير فيها بحسب المصلحة وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك عمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجا مستمرا في رقبتها يكون للمقاتلة فهذا معنى وتفهما وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأئمة وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث ولا يجوز مهرا في النكاح ولأن الوقف إنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته. والمقاتلة معهم وخراج الأرض فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء فلا يبطل حق أحد من المسلمين بهذا البيع كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق ا. هـ.

وقال في مختصر مجموع المنقور قال ابن ذهلان بيع الأرض التي فيها صبرة معلومة صحيح لا بطلان فيه ولا فرق في ذلك عن الخراج على القول بصحة بيع الخراجية فبيع النخل إذا كان فيه صبرة صحيح على ما اعتاده كثير من أهل الوشم وغيرهم. يوصي أحدهم في عقاره بمثل هذه ويصبر الموصي به في العقد مقدم في الغلة على المشتري ولذلك يقول فقهاؤهم منهم الشيخ محمد. ا. هـ.

ومما ذكرناه من كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن ذهلان يتضح جواز بيع الدور التي فيها الحكور وأنها أملاك لمن اشتروها أرضها وأنقاضها ولهم التصرف فيها بالبيع والهبة والوقف والسكن والإسكان والتحكير وغير ذلك. إلا أن الحكر السابق المشروط مقدم فيها حسب شرط البائع الأول كما يظهر أنه يجوز أن يشتري بقيمة الوقف الذي بيع للمسوغ الشرعي سواء أكان ذلك الوقف المذكور فيه حكر سابق على الوقفية أم لا دارا من تلك الدور التي فيها تلك الحكور تكون وقفا بدلا عن

ص: 84

الوقف المبيع الأول لما تقدم من كون أرض الدار المحكرة ملكا لا وقفا حيث تكون تلك الدار المشتراة وقفا ويتصور فيها وجود حكر بين اثنين أحدهما الحكر السابق يتضمن تقديمه على غيره الثاني الحكر الذي هو الوقف المنقول يكون مؤخرا عن هذا الحكر وما فصل عن الحكرين غلة الوقف المنقول وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته حرر 11/ 11 / 1375هـ.

نقلتها من صورة طبق أصلها المسجل في سجل الإفتاء وقد أجرى مطابقتها على أصلها المسجل عضو الهيئة القضائية العليا بوزارة العدل عبد الله بن سليمان بن منيع وتوقيعه وختمه.

حرر في 16/ 1 / 1376

ص: 85

من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة الشيخ محمد بن عوده عضو الرئاسة المنتدب لعنيزة المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فقد اطلعنا على كتابكم المؤرخ في 13/ 2 / 1384هـ، المرفق به استرشاد كاتب العدل ببريدة المنتدب لعنيزة رقم 52 وتاريخ 23/ 2 / 1384هـ، حول صفة كتابة صكوك البيوت التي هدمت لتوسعة الشارع نظرا إلى أن معظم البيوت فيها صبرة ويسأل عن من يتولى إفراغ البيع هل هو مالك الأنقاض أو صاحب الصبرة ومن يتولى قبض التعويض. . إلخ.

والجواب: الحمد لله وحده لا يخفي أن هذا ليس من باب البيع الحقيقي المتوفرة فيه شروط البيع وإنما هو اقتضاء إلزامي اقتضته المصلحة العامة لتوسعة الشارع وتعويض المالك بهذا العوض ومع هذا فإذا أمكن أخذ إقرارهما جميعا فهو أكمل وإلا فالمتصرف في البيت بيعا وتعميرا وسكنا وتأجيرا هو الذي يتولى عقد البيع وقبض الثمن ولا بد من التصريح في صك المبايعة بأن في هذا البيت صبرة لفلان قدرهما كذا وكذا قادمة فيه

ص: 85

وفي عوضه جعل (1) لهما حل يصطلحان عليه كأن يشتري بالثمن بيت عوض عن البيت المهدوم وتكون الصبرة قادمة فيه أو يعوض صاحب الصبرة بمقدار صبرته بتقدير أهل الخبرة أو غير ذلك عن الحلول الصريحة التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا لحديث الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلى حراما أو حرم حلالا فإن تشاجروا وآلت المسألة إلى الخصومة فأمامهما المحكمة. والسلام عليكم.

(1) لعله (يجعل).

ص: 86

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد، فقد اطلع مجلس القضاء الأعلى المنعقد بهيئته الدائمة على المعاملة الواردة بخطاب فضيلة وكيل الوزارة للشؤون القضائية رقم 606/ 1 / ل وتاريخ 10/ 6 / 95، المتضمنة بما رفعه أحد المواطنين للمقام السامي من امتناع كاتب عدل عنيزة من افراغ الأراضي المباعة من الملك المسمى هلالة في عنيزة وفيها صبرة ما لم يكن هناك موافقة من أهل الصبرة. وكذا ملحقها الوارد بخطاب معالي وزير العدل رقم 1391 وتاريخ 9/ 9 / 95هـ، كما جرى الاطلاع على المعاملة الواردة بخطاب معاليه رقم 1427 وتاريخ 12/ 9 / 95هـ، المتعلقة بتشكي بعض أهالي عنيزة من توقف كاتب عدل عنيزة عن توثيق بيع الأراضي المصبرة إلا بعد موافقة أهل الصبرة. وبدراسة جميع الأوراق المرفقة وجدت تتضمن الإشارة إلى بعض منها كل الأراضي المصبرة في عنيزة وأنه عندما يتقدم بعض المواطنين لدى كاتب العدل للإفراغ من أرض قد خططت وجزئت وبيعت قطعا سكنية يتوقف كاتب عدل عنيزة عن الإفراغ منها إلا بعد موافقة المصبرين فنتج عن ذلك تعقيد كبير وحصلت عدة مشاكل ويطلبون حلا لهذه المشاكل.

وبتأمل الهيئة الداثمة بمجلس القضاء الأعلى لما ذكر ظهر أن الحل

ص: 86

لهذا هو أن تقوم الصبرة الثابتة في الملك ويعوض أصحابها بقيمتها ليبقى باقي الملك طليقا خاليا من الصبرة. وذلك بأن يقوم كامل الملك بجميع حقوقه وحدوده وما رافقه خاليا من الصبرة ثم يقوم والصبرة مثبتة فيه والفرق بين التقييمين هو نص الصبرة فإن شاء أصحاب الصبرة أخذوها نقدا وإن شاءوا أخذوها أرضا بنسبة التقويم كما لو ثمن العقار بمائة ألف خاليا من الصبرة وبثمانين ألف والصبرة فيه فنسبة الصبرة من القيمة الخمس فيعطى صاحب الصبرة خمس كامل الأرض بمرافقها وجميع حقوقها من متوسط الأرض رغبة وهدمها بعد معرفة مساحتها بالمتر وتقويمها بثمن المثل. فإن كانت الصبرة في بيت أو بيوت منزوعة للتوسعة فنظرا لأن إزالة تلك المصبرة كان بطريقة إلزامية لمشروع التوسعة فإن الهيئة ترى لحل مشكلات هذه العقارات المصبرة التي هدمت للتوسعة أحد الأمور التالية:

أولا: أن يشترى بقيمة البيت المهدوم بيتا بدله تؤمن فيه الصبرة ويكون للبدل حكم المبدل بالشروط والمدة ومقدار الصبرة وغير ذلك وهذا هو المتعين عند النزاع.

ثانيا: أن يقوم البيت المهدوم بقيمة مثله وفيه الصبرة ثم يقوم بقيمة مثله خاليا من الصبرة والفرق بين التقويمين هو قيمة الصبرة تدفع لصاحب الصبرة من مجموع ما قوم من البيت والباقي يكون لصاحب البيت.

ثالثا: أن يصطلح المالك مع صاحب الصبرة على تعويضه عن صبرته بدراهم يدفعها له ليشتري له بها عقارا خاصا وليبقى الباقي طليقا لا صبرة فيه. فإن كان شيء مما ذكر وقفا فلا بد من إشراف المحكمة محافظة على حقوق الوقف والتحقق من شراء البدل بقيمة المثل وإجرائه على مصارفه الشرعية.

ص: 87