الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محذرين. فكانت هداية الله تعالى ورسالاته ضرورة ملحة وحاجة بشرية، لا غنى عنها، ولا استقامة لحياة الناس بدونها.
وقد تكفل الله سبحانه وتعالى رحمة منه وفضلا- بإرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع، لتستقيم حياة الناس {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1).
فكان ذلك الموكب الكريم من الرسل، صلوات الله عليهم وسلامه، هداة البشرية من لدن آدم ونوح إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد جاءوا كلهم من عند الله تعالى! بدين واحد هو الإسلام.
(1) سورة الحديد الآية 25
الإسلام بمعناه العام:
والإسلام، بمعناه العام، هو إسلام الوجه لله تعالى، بمعنى التذلل لطاعته والإذعان لأمره والخضوع الكامل له بالجوارح ظاهرا وباطنا والخلوص من الشرك، بكل صوره وأشكاله {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (1).
(1) سورة البقرة الآية 112
وهو دين جميع الأنبياء عليهم السلام:
وقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة، فأخبر في غير موضع من كتابه: أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى آخرهم، وهو دين من اتبعهم من الأمم السابقة.
فقال الله تعالى عن نوح عليه السلام {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} (1){فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (2).
وتلك هي دعوة أبي الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، دعوة الإسلام الخالص الصريح، لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه، سفيه عليها، مستهتر بها {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (3){إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (4).
ولذلك يندد الله تعالى بمزاعم اليهود والنصارى ويبين لهم حقيقة دين إبراهيم عليه السلام، فيقول {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (5).
وأخبر الله تعالى عنه وعن ابنه إسماعيل- عليهما السلام بأنهما مستسلمان لله، خاضعان لطاعته، لا يشركان معه في الطاعة أحدا سواه - ولا في العبادة غيره - فهما مسلمان لله {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (6){رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (7).
ولم يكتف إبراهيم عليه السلام بذلك، بل تركها كلمة باقية في عقبه، وجعلها وصية لذريته {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (8){وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (9)
(1) سورة يونس الآية 71
(2)
سورة يونس الآية 72
(3)
سورة البقرة الآية 130
(4)
سورة البقرة الآية 131
(5)
سورة آل عمران الآية 67
(6)
سورة البقرة الآية 127
(7)
سورة البقرة الآية 128
(8)
سورة البقرة الآية 131
(9)
سورة البقرة الآية 132
وهي الوصية التي كررها يعقوب- عليه السلام في آخر لحظة من لحظات حياته، والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته، واستجاب أبناؤه لهذه الوصية والدعوة فأسلموا كما أسلم أبوهم ومن سبقه {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (1).
وأخبر سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام، وهو يتجه إلى ريه في تسبيح الشاكر الذاكر في كل دعوته، وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: أن يتوفاه ربه- حين يتوفاه- مسلما، فيتم بذلك عليه نعمه في الآخرة- كما أتمها في الدنيا- وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (2).
وقال الله تعالى عن موسى عليه السلام، وقد دعا قومه إلى الإسلام {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (3).
وفرعون، عندما أدركه الغرق وعاين الموت، أعلن إيمانه واستسلامه، وهو يوقن أن الإسلام هو دعوة موسى عليه السلام {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (4).
وسحرة فرعون، لما رأوا آيات ربهم، وأيقنوا أنهم إليه راجعون، دعوا الله عز وجل أن يتوفاهم مسلمين لله متابعين لموسى في دينه، فقالوا
(1) سورة البقرة الآية 133
(2)
سورة يوسف الآية 101
(3)
سورة يونس الآية 84
(4)
سورة يونس الآية 90
والإسلام هو دعوة سليمان، عليه السلام، وقد وجهها أيضا لبلقيس في كتاب كريم {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (2){أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (3) فاستنار قلب بلقيس لهذه الدعوة، وأعلنت إسلامها وتوحيدها مخلصة لله رب العالمين {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (4).
وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} (5).
وأخبر الله تعالى عن حواريي عيسى عليه السلام، فقال {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (6).
ولما وجد عيسى- عليه السلام من بني إسرائيل الذين أرسل إليهم- الكفر، سألهم من أنصاري إلى الله؟ فاستجاب الحواريون لدعوة الإيمان بالله واتباع عيسى في دينه الإسلامي وأشهدوه على ذلك ليكتبهم الله مع الذين شهدوا بالحق وأقروا له بالتوحيد فلما {أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (7) ربنا {آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (8).
(1) سورة الأعراف الآية 126
(2)
سورة النمل الآية 30
(3)
سورة النمل الآية 31
(4)
سورة النمل الآية 44
(5)
سورة المائدة الآية 44
(6)
سورة المائدة الآية 111
(7)
سورة آل عمران الآية 52
(8)
سورة آل عمران الآية 53
وهذا خبر من الله عز وجل: أن الإسلام دينه الذي بعث به عيسى والأنبياء قبله، لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئة من الله تعالى لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاج من الله- تعالى ذكره- لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران.
وأمر الله تعالى خاتم النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1){لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (2) فهو أول المسلمين من هذه الأمة، لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته، وهو عليه السلام يبين قي هذا الدعاء مسارعته إلى الامتثال بما أمر به، فلو لم يكن أحد مسلما لكان هو عليه السلام أول مسلم لله تعالى، إذ الإسلام دين الأنبياء جميعا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يستفتح بقولة: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا (من) أول المسلمين (3)» .
(1) سورة الأنعام الآية 162
(2)
سورة الأنعام الآية 163
(3)
أخرجه الإمام مسلم 1/ 534 - 535، كتاب صلاة المسافرين وأبو داود، مختصر المنذري 1/ 370 - 372 ما تستفتح به الصلاة، والترمذي 5/ 149 - 150 في الدعوات، والنسائي 2/ 100 في الافتتاح، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 235 في ذكر الدعاء بين تكبيرة الافتتاح. وابن حبان في موارد الظمآن 124، والإمام أحمد في المسند 1/ 230، وانظر: مجمع الزوائد 1/ 106 - 107، التخليص الحبير: لابن حجر 281/ 229، شرح معاني الآثار: للطحاوي 1/ 199.