الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كل دين عقيدة ومنهج حياة:
فظهر بذلك أن كل دين من عند الله تعالى يتضمن جانبين اثنين: العقيدة والشريعة، إذ أن طبيعة الدين، أي دين، أن يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع وألا يقتصر على الجانب العقدي أو التهذيبي الأخلاقي، ولا على المشاعر الوجدانية وحدها، ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك، فهذا لا يكون دينا، فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر، ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله، ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية عن القيم الخلقية عن الشعائر التنظيمية في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي، وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين قي النفوس وفي الحياة ويخالف مفهوم الدين وطبيعته، كما أراده الله سبحانه.
وإذا كانت العقيدة - كما سبق- واحدة لا تختلف فإن الشريعة لكل قوم مباينة لغيرها من الشرائع، وبكلا الجانبين جاءت الآيات القرآنية الكريمة ولا تعارض بينها إذ أن كل آية دلت على عدم التباين في الدين فهي دالة على أصول الدين، وأما الآيات الدالة على حصول التباين فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد الله عباده في كل وقت بما يشاء (1).
(1) تفسير الخازن 2/ 50 - انظر: الفخر الرازي 12/ 14، فتح الباري 15/ 49، شرح الطحاوبة 464 وما بعدها.
هل اسم الإسلام خاص بهذه الأمة
؟
ووقع النزاع بعد ذلك في اختصاص اسم الإسلام بهذه الأمة، هل
هو خاص بها أم يوصف به من سبقها من الأمم ويطلق على من آمن بنبيه من أمة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء صلوات الله عليهم وعلى نبينا وتسليمه؟.
وللعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران، حكاهما غير واحد من الأئمة:
أحدهما: أنه يطلق الإسلام على كل دين حق، ولا يختص بهذه الملة، وبهذا أجاب ابن الصلاح رحمه الله فقال: يطلق اسم الإسلام على الجميع، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعا، فقد ورد ذلك بألفاظ راجعة إلى هذا في كتاب الله تعالى (1).
واستدل لهذا الرأي بقوله تعالى {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (2){فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (3) وبقوله تعالى {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (4) وقوله تعالى {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (5).
وأجاب الإمام السيوطي عن ذلك أنه كان يطلق فيما تقدم على الأنبياء، وما أطلق على غيرهم إلا على سبيل التغليب أو على سبيل التبعية (6).
والقول الثاني: أن الإسلام خاص بهذه الملة الشريفة، ووصف المسلمين خاص بهذه الأمة المحمدية، ولم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط، وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم
(1) فتاوى ابن الصلاح في التفسير والعقائد، ص 37، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، في الجزء الرابع.
(2)
سورة الذاريات الآية 35
(3)
سورة الذاريات الآية 36
(4)
سورة البقرة الآية 133
(5)
سورة يونس الآية 84
(6)
الحاوي للفتاوى: لجلال الدين السيوطي 2/ 224.
بخصائص لم تكن لأحد سواها، إلا للأنبياء فقط.
ومن الأدلة التي ترجح هذا القول: قوله تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (1)، فلو لم يكن قوله سبحانه {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} (2) خاصا بهذه الأمة، كالذي ذكر قبله من الهداية ورفع الحرج، لم يكن لتخصيصه بالذكر ولاقترانه بما قبله معنى.
ولم يذكر الله سبحانه بالإسلام غير هذه الأمة، ولم نسمع بأمة ذكرت بالإسلام غيرها، ونصوص أئمة السلف المفسرين من الصحابة وغيرهم من التابعين وأتباعهم: إن الله تعالى سمى هذه الأمة " المسلمين " في اللوح المحفوظ وفي التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة وفي القرآن الكريم، فإنه اختصهم بهذا الاسم من بين سائر الأمم فلا يدعون إلا به، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم)، قالوا: يا رسول الله وإن صام وإن صلى؟ قال: (نعم، وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم، بما سماهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين، عباد الله عز وجل (3)» .
(1) سورة الحج الآية 78
(2)
سورة الحج الآية 78
(3)
أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/ 130 و 5/ 344، والترمذي في الأمثال 4/ 226 - 227 وقال: حسن صحيح غريب، وقال ابن كثير في التفسير 1/ 59 هذا حديث حسن وعزاه للنسائي في 3/ 237، وأخرج الآجري في الشريعة قطعة منه بإسناده ص 8. وقوله من جثي جهنم - وفي المسند جثاء- أي من جماعاتها، والجثوة: ما جمع من تراب وغيره، فاستعيرت، وروي: "جثي" وهو جمع جاث، من قوله تعالى " / 403/ 403 حول جهنم جثيا ". انظر: الفائق: للزمخشري 1/ 190، ترتيب القاموس المحيط 1/ 445.
وقال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} (1)، دعا بذلك لنفسه ولولده، وهما نبيان، ثم دعا به لأمة من ذريته، وهي هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال عقب ذلك {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} (2) وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإجماع، فاستجاب الله دعاءه بالأمرين: ببعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيهم وتسميتهم مسلمين.
وقال الله تعالى {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (3).
وهذه الآية ظاهرة في الاختصاص، فإن تقديم " لكم " يستلزم الاختصاص ويفيد أنه لم يرضه لغيرهم، فقد اختاره الله لنفسه ولهذه الأمة، ويشير إلى هذا ما أخرجه البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال جبريل، قال الله تعالى: هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه (4)» .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن مكحول في حديث طويل، وفيه: «تسمى الله باسمين، سمى الله بهما أمتي، هو السلام وسمى بها أمتي المسلمين، وهو المؤمن وسمى
(1) سورة البقرة الآية 128
(2)
سورة البقرة الآية 129
(3)
سورة المائدة الآية 3
(4)
تفسير البغوي، 2/ 9 - 10، وانظر: الطبري 9/ 523 شاكر، البحر المحيط 3/ 426، الحاوي: للسيوطي، نفس الموضع.
بها أمتي المؤمنين (1)». قال السيوطي: وهذا الحديث صريح في اختصاص أمته صلى الله عليه وسلم بوصف الإسلام، ولذلك أطبقت ألسنة الخلق كلهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم والمجتهدين والفقهاء والعلماء على اختلاف فنونهم، والمسلمين بأسرهم، واليهود والنصارى والمجوس وسائر الفرق حتى الحيوانات والشجر والحجر في آخر الزمان على تسمية من كان على دين موسى يهوديا، ومن كان على دين عيسى نصرانيا، ومن كان على دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مسلما لا يمتري في ذلك أحد، وما كان هذا عن فساد، بل هو الحق المطابق للواقع (2).
تحرير محل النزاع:
ونضع هنا كلمة قيمة لابن تيمية رحمه الله يحرر فيها محل النزاع، قال: وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى، هل هم مسلمون أم لا؟.
وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم المتضمن لشريعة القرآن: ليس إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء (3).
(1) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه.
(2)
الحاوي للفتاوى: للسيوطي 2/ 219، 223.
(3)
الرسالة التدمرية لابن تيمية: 113، وهي نفسها في مجموع الفتاوى 3/ 128.