الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالإسلام يتضمنه الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده عبادته وحده وطاعته وحده. فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمرنا ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في الإسلام.
فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تتنوع بعض صور الفعل، وهو وجه المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشريعة والمنهاج والوجه والنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد (1).
(1) انظر: مجموع الفتاوى 3/ 90 - 92، اقتضاء الصراط المستقيم 454 - 455، الإيمان 250.
الدين واحد والشرائع متعددة:
فإذا كان الدين واحدا، فإن الشرائع مختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفا في شريعة فيزداد بالشدة في الشريعة الأخرى، وقد تختلف طرق العبادة، نظرا لاختلاف الناس وطرق تعليمهم باختلاف استعداداتهم وظروف بيئتهم في مختلف العصور والأزمان، إذ أن الشريعة تأتي لتلبية حاجات الناس، وهذه قد تختلف من أمة لأخرى ومن زمن لآخر. كما تختلف الشرائع في شمولها لبعض الأحكام مما لم يكن منصوصا عليه في شريعة سابقة خاصة، لأن كل شريعة لاحقة إنما جاءت مكملة أو موضحة لشريعة سابقة أو مصححة لما وقع فيها من انحراف.
وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيها الأمة، إلى القبلة التي هي القبلة (1).
وهذا شبيه بقوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (2). قال الإمام الطبري: ومعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقا إلى الحق يؤمه وسبيلا واضحا يعمل به واختلف أهل التأويل في المعني بقوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} (3).
فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الملل المختلفة، أي أن الله جعل لأهل كل ملة شريعة ومنهاجا، وفسر قتادة الشريعة والمنهاج فقال: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة، للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل، لأن الله تعالى ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله وأنزل عليه الإنجيل وأمر من بعثه إليه بالعمل بما فيه، ثم ذكر نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبياء والأمم قبله الذين قص عليه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم، في توحيد الله والإقرار بما جاءهم به من عند الله
(1) تفسير الطبري 3/ 192 - 193، تحقيق محمود شاكر، تفسير ابن كثير 1/ 195.
(2)
سورة المائدة الآية 48
(3)
سورة المائدة الآية 48
والانتهاء إلى أمره ونهيه واحدا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم، فقال سبحانه {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1){وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} (2){وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (3){وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (4).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما تنوع الشرائع وتعددها، فقال تعالى لما ذكر القبلة بعد الملة بقوله {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (5) إلى قوله {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (6) فأخبر أن لكل أمة وجهة، ولم يقل: جعلنا لكل أمة وجهة: بل قد يكون هم ابتدعوها كما ابتدعت النصارى وجهة المشرق، بخلاف ما ذكره في الشرع والمنهاج، فإنه قال {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} (7) إلى قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (8).
وهذه الآيات نزلت بسبب الحكم في الحدود والقصاص والديات، أخبر الله تعالى أن التوراة يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا
(1) سورة المائدة الآية 45
(2)
سورة المائدة الآية 46
(3)
سورة المائدة الآية 47
(4)
سورة المائدة الآية 48
(5)
سورة البقرة الآية 144
(6)
سورة البقرة الآية 148
(7)
سورة المائدة الآية 41
(8)
سورة المائدة الآية 50
والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله، وهذا عام في النبيين جميعا والربانيين والأحبار، ثم لما ذكر الإنجيل قال {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} (1) فأمر هؤلاء بالحكم، لأن الإنجيل بعض ما في التوراة وأقر الأكثر، والحكم بما أنزل الله فيه حكم بما في التوراة أيضا. ثم قال {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (2).
فأمره أن يحكم بما أنزل الله على من قبله، لكل جعلنا من الرسوليين والكتابيين شرعة، ومنهاجا، أي سنة وسبيلا، فالشرعة: الشريعة، وهي السنة، والمنهاج: الطريق والسبيل. وكان هذا بيان وجه تركه لما جعل لغيره من السنة والمنهاج إلى ما جعل له، ثم أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه: فالأول: نهي له أن يأخذ بمنهاج غيره ولشرعته. والثاني: وإن كان حكما غير الحكم الذي أنزل، نهي له أن يترك شيئا مما أنزل فيها اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فمن لم يتبعه لم يحكم بما أنزل الله، وإن لم يكن من أهل الكتاب الذين أمروا أن يحكموا بما فيها مما يخالف حكمه.
وكما أمر الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات أن يحكم بما أنزل الله إليه دون ما في سائر الكتب، أمره كذلك مرة أخرى أن يحكم بهذه الشريعة التي جعلها الله له، من بعد الذي آتاه بني إسرائيل الذين وصف له صفتهم في اختلافهم بغيا بينهم، فقال سبحانه {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (3){وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (4){ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (5)
(1) سورة المائدة الآية 47
(2)
سورة المائدة الآية 48
(3)
سورة الجاثية الآية 16
(4)
سورة الجاثية الآية 17
(5)
سورة الجاثية الآية 18
ويقول الشيخ ولي الله الدهلوي: إن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج، تفصيل ذلك: أن الأنبياء عليهم السلام أجمعوا على توحيد الله تعالى: عبادة واستعانة، وتنزيهه عما لا يليق بجنابه، وتحريم الإلحاد في أسمائه، وأن حق الله على عباده أن يعظموه تعظيما لا يشوبه تفريط، وأن يسلموا وجوههم وقلوبهم إليه، وأن يتقربوا بشعائر الله إلى الله، وأنه قدر جميع الحوادث قبل أن يخلقها، وأن لله ملائكة لا يعصون الله فيما أمر ويفعلون ما يؤمرون، وأنه ينزل الكتاب على من يشاء من عباده، ويفرض طاعته على الناس. . . فهذا أصل الدين، ولذلك لم يبحث القرآن العظيم عن ملية هذه الأشياء، إلا ما شاء الله، فإنها كانت مسلمة فيمن نزل القرآن بألسنتهم، وإنما الاختلاف في صور هذه الأمور وأشباهها، فكان في شريعة موسى عليه السلام الرجم فقط، وجاءت شريعتنا بالرجم للمحصن والجلد لغيره، وجاء في شريعة موسى عليه السلام القصاص فقط، وجاءت شريعتنا بالقصاص والدية جميعا، وعلى ذلك اختلافهم في أوقات الطاعات وآدابها وأركانها.
وبالجملة: فالأوضاع الخاصة التي مهدت وبينت بها أنواع البر والارتفاقات هي الشرعة والمنهاج (1).
(1) انظر: حجة الله البالغة: للدهلوي 1/ 86 - 87.