الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء وترك البدع وكل بدعة فهي ضلال).
وهكذا نجد مما تقدم من النصوص أن الكتاب والسنة والآثار والأخبار التي نقلت عن السلف الصالح تفيد من نظر فيها بتبصر وتدبر أن كل بدعة في الدين صغيرة أو كبيرة في الأصول أو الفروع، في العقائد أو العبادات أو المعاملات فعلية أو قولية أو تركية، هي ضلالة صاحبها مؤاخذ معاقب عليها في النار، وبدعته مردودة عليه غير مقبولة منه، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم:«إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي (1)» . وقال أيضا: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (2)» (3).
(1) رواه مالك في (الموطأ) بهذا المعنى.
(2)
سنن الترمذي العلم (2676)، سنن أبو داود السنة (4607)، سنن ابن ماجه المقدمة (44)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 126)، سنن الدارمي المقدمة (95).
(3)
رواه ابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.
السنة والبدعة:
إذا تبين ذلك فإنه قد يرد سؤال مفاده: ما هو
الفارق والميزان الذي نميز به بين البدعة والسنة
؟ لأن كل مبتدع يزعم أنه على السنة، بل يرى أن بدعته بعينها هي السنة؟ فالجواب أن نقول: السنة في اللغة هي الطريق. . ولا ريب في أن أهل النقل والأثر والمتبعين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. هذا هو مفهوم السنة عند السلف بعبارة مختصرة هي: الطريقة التي كان عليها رسول الله-صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
هذا هو المعنى الذي يعنينا في هذا المقام، وهناك تعريفات أخرى
للسنة عند المحدثين والأصوليين والفقهاء ليس من غرضنا التعرض لها وأما تعريف البدعة فإني أنقل باختصار التعريف الذي أورده الإمام العلامة الشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه " الاعتصام ".
(وأصل مادة " بدع ") للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (1) أي مخترعهما من غير سابق متقدم، ويقال ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، ويربط الإمام الشاطبي بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فيقول: ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة، فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة ثم يستمر بالتمهيد للتعريف، ويذكر أقسام الحكم التكليفي الخمسة حتى يتوصل إلى أن من المنهيات ما يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفا لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك. وهذا هو الابتداع والبدعة ويسمى فاعله مبتدعا، ومما تقدم يستنتج الشاطبي تعريف البدع في الدين فيقول:(فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعب لله سبحانه). ومعنى هذا التعريف وهو جامع مانع كما ترى فالطريقة والسبيل والسنن ألفاظ مترادفة وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لأن صاحبها يضيفها إليه، خرج بذلك الطريق المخترعة في الدنيا كالصناعات مثلا فإنها لا تسمى بدعة في الدين بهذا القيد وإن كانت مخترعة.
(1) سورة البقرة الآية 117