الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيها أخد زنكي حماة، ثم نازل حمص وأسر صاحبها، وأخذه معه لما لم يقدرعلى أخذها، ورد إلى الموصل. وفيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلي، وكان قد دخل الشام بهرام الأستراباذي، وأضل خلقاً كثيراً، وأقام داعياً بدمشق، فكثر أتباعه، وملك عدة حصون بالشام، ثم راسل الفرنج ليسلم إليهم دمشق - فيما قيل - ويعوضوه بصور، وقرر، الباطنية بدمشق أن يغلقوا أبواب الجامع - والناس في الصلاة - ووعد الفرنج أن يهجموا البلد حينئذ، فقتله بوري بن طغتكين - بالطاء المهملة والغين المعجمة والكاف بين المثناة من فوق ومن تحت ثم النون - وعلق رأسه على القلعة، ووضع السيف في الباطنية الإسماعيلية بدمشق في نصف رمضان يوم الجمعة، وسلم بهرام بانياس للفرنج، وجاءت الفرنج فنازلت دمشق، ثم تناجى عسكر دمشق والعرب والتركمان، فبيتوا للفرنج، فقتلوا وأسروا. وفيها توفي أبو الحسن عبد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر البيهقي. سمع الكتب من جده ومن الصابوني وجماعة. وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي الأصفهاني الرئيس. وفيها توفي الفقيه العلامة أحد الأئمة الكبار يوسف بن عبد العزيز، نزيل الإسكندرية، أحكم الأصول والفروع، وروى الصحيحين، وله التعليقة الكبرى في الخلاف.
سنة اربع وعثسرين وخمس مائة
فيها التقى زنكي الفرنج بناحية حلب، وثبت الجمعان، ثم ولت الفرنج، فوضع السيف فيهم، وافتتح زنكي حصن الأثارب، فنازل حصن كادم. وفيها أخذ السلطان محمود قلعة الألموت.
وفيها ظهرت ببغداد عقارب طيارة قتلت جماعة أطفال. وفيها توفي أبو إسحاق ابراهيم بن يحيى الكلبي الغزي المشهور، شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وسمع من الشيخ نصر المقدسي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، رحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية عدة سنين، ومدح ورثى غيرواحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى كلام الحافظ. قال ابن خلكان: وله ديوان شعر اختاره بنفسه، وذكر في خطبته أنه ألف بيت، وذكره العماد الكاتب في الخريدة، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب البلاد وتغرب، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ومدح وزير كرمان مكرم بن العلاء في قصيدته البائية التي أبدع فيها. منها قوله:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه
…
كما حمل العظم الكثير العصائبا
ومنها في قصر الليل. وهي معنى لطيف:
وليل رجونا أن يدب عذاره
…
فما اختط حتى صار بالفجر شائبا
ومن شعره قوله:
قالوا هجرت السفر، قلت: ضرورة
…
وباب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى
…
منه النوال ولا مليح بعشق
ومما يستملحه الأدباء ويستظرفونه قوله:
إشارة منك كفينا وأحسنها
…
رد السلام غداة البين بالعنم
أم ترانا وقد ضمت يد ليد
…
عند العناق وقد لاقى فم لفم
حتى إذا طرح عنها المرط من دهش
…
فانحل بالضم سلك العقد في النظم
تبسمت فأضاءالليل فالتقطت
…
حباب منتشرفي ضوء منتظم
قيل: والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي من جملة قصيدته:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي
…
مواقع اللثم في داج من الظلم
وولد الغزي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي بين مرو وبلخ من بلاد خراسان، ودفن ببلخ. وأما كون هاشم قبره بغزة فذكر عبد الملك بن هشام أن أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف: هاشم بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم هلك هاشم بغزة من أرض الشام تاجراً، فقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكيه:
وهاشم في ضريح وسط بلقعة
…
تسقى الرياح عليه بين غزات
قال أهل العلم باللغة: إنما قال غزات: وهي غزة واحدة كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة، وجمعها على غزات، فصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم لأن قبره بها، لكنه غير طاهر لا يعرف، وإلى ذلك أشار أبو نواس الشاعر المشهور لما توجه إلى مصر ليمدح ابن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج، ذكر المنازل في طريقه فقال:
طوالب بالركبان غزة هاشم
…
وبالفرما من حاجهن شقور
والفرما بفتح الفاء والراء المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في زمن ابراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ومن بعض قراها: هاجر أم اسماعيل صلى الله عليه وسلم من قرية تسمى أم العرب، ومن الاتفاق الغريب أن اسماعيل أبو العرب، وأمه من أم العرب، والشقور بضم الشين المعجمة والقاف: بمعنى الأمور المهمة اللاصقة بالقلب. وفيها توفي الاخشيد اسماعيل بن الفضل الأصبهاني. وابن الغزال أبو محمد عبد الله بن محمد المصري المجاور، شيخ صالح مقرىء. وفيها توفيت أم ابراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الأصبهانية - رحمها الله -. وفيها توفي الفقيه الحافظ الظاهري نزيل بغداد أبو عامر العبدري محمد بن سعدون. قال ابن عساكر: كان فقيهاً على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: هو أثبت من لقيته، وقال ابن ناصر: كان فهماً عالماً متعففاً مع فقر، وقال السلفي: كان من أعيان علماء الإسلام، متصرفاً في فنون كثيرة، وقال ابن عساكر: بلغني أنه قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى " ليس كمثله شيء " - الشورى 11 -، أي في الإلهية لا
في الصورة، لم يحتج بقوله تعالى " لستن كأحد من النساء أن اتقيتن " - الأحزاب 32 -، أي في الحرمة. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن تومرت - بضم المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الراء والمثناة في آخره المصمودي البربري الهرغي، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها غين معجمة، نسبة إلى هرغة: وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب، ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهما - الملقب بالمهدي، رحل إلى المشرق، ولقي الإمام أبا حامد الغزالي وطائفة، وحصل فنوناً من العلم والأصول والكلام والحديث، وحج وأقام بمكة مدة مديدة، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً زاهداً متقشفاً، شجاعاً جلداً عاقلاً، عميق الفكر بعيد الغور، فصيحاً، مهيباً لذاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب، نشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شيعته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، وكان كثيراً ظرافاً بساماً في وجوه الناس، مقبلاً على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركو، وكان متحملاً للأذى من الناس، وناله بمكة شيء من المكروه، فخرج منها إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه، وطردته الدولة - وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون - فخرج من مصر إلى الاسكندرية، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد الشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر جميعه على أهل السفينة، وألزمهم إقامة الصلاة وقراءة الأحزاب من القرآن، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية - إحدى مدن إفريقية - وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز الصبهاجي، وذلك في سنة خمس وخمس مائة على ما ذكر في تاريخ القيروان. وذكر غيره أنه اجتاز في رجوعه من العراق بإفريقية أيام ولاية الأمير تميم والد يحيى المذكور والله أعلم بالصواب. ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد مغلق وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكراً من عادة الملاهي أو أواني الخمور، إلا نزل إليها وكسرها، وتسامع الناس به في البلاد، فجأووا إليه، وقرؤوا عليه كتباً من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء.
فلما رأى سمته، وسمع كلامه أكرمه، وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله
تعالى لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك في المهدية إلا أياماً يسيرة، ثم انتقل إلى بجاي، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قراها، واسمها ملال، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي. وذكروا في بعض تواريخ المغرب عن سيرة ملوكه أن محمد بن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجف: بفتح الجيم وسكون الفاء وفي آخره راء - وسيأتي إيضاح الجفر المذكور إن شاء الله تعالى في سنة ثمان وخمسين - وانه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس من ذرية الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى بترمذ - وسيأتي ضبط حروفه بعد إن شاء الله تعالى - ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه، هجاء اسمه ع ب د م وم ن، وتجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته - وكانت حلية عبد المؤمن معه - فبينا هو في الطريق، إذ رأى شاباً قد بلغ أشده على الصفة التي منه، فقال له وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب؟ فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه وقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته، فوافقت ما عنده، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من كومية - بضم الكاف وسكون الواو وكسر الميم وفتح المثناة من تحت - قبيلة، فقال: أين مقصدك؟ فقال: الشرق، فقال: ما تبغي من الشرق؟ قال: أطلب علماً، قال: فقد وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله، فوافقه على ذلك، فألقى محمد إليه أمره، وأودعه سره. وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريشي بالنون بعد الواو ثم الشين المعجمة مكررة قبل الراء والمثناة من تحت وبعدهما - ففاوضه فيما عزم عليه من القيام فوافقه على ذلك أتم الموافقة. وكان الونشريشي ممن تهذب وقرأ فقهاً، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغوب، فتحدثاً يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله: أترى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس، وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس، ليتخذ الخروج واكتساب العلم دفعة واحدة، ليقوم لك ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه، فتصدق فيما تقوله. ففعل عبد الله ذلك.
ثم ان محمداً استدعى أشخاصاً من أهل المغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم ستة سوى الونشريشي، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش - وسلطانها يومئذ علي بن يوسف بن سفيان وكان ملكاً عظيماً حليماً ورعاً عادلاً متواضعاً، وكان بحضرته رجل يقال له ملك بن وهيب الأندلسي - وكان عالماً صالحاً، وشرع محمد في الإنكار على جاري عادته، حتى أنكر على ابنه الملك - وله في ذلك قصة يطول شرحها فبلغ خبره الملك، وأنه يحدث في تغير الدولة فتحدث ملك بن وهيب في أمره وقال: تخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه ليسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد، أجاب الملك، إلى ذلك - وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد - وطلبوهم، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده: سلوا هذا الرجل ما يبغي منا، فانتدب له قاضي المرورية واسمه محمد بن اسود - فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق، المؤثر طاعة الله عز وجل على هواه؟ فقال محمد: أما ما نقل عني فقد قلته، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله عز وجل على هواه، وينقاد إلى الحق فقد ظهر صحة اعتبار هذا القول عنه، لتعلم، بتعريته عن هذه الصفة أنه مغرور بما يقولون له، وتطرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة - فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهاراً، وأن الخنازير تمشي بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ - وعد من ذلك شيئاً كثيراً. فلما سمع الملك كلامه ذزفت عيناه، وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه. ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه، لم يتكلم أحد منهم، فقال ملك بن وهيب - وكان
كثير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ علىير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من
موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من
إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على
أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليهم والتخلي عنه، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليبغضوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم الإجابة فقالوا: نحن من رعية هذا الملك، وله علينا خرإج في كل سنة، يصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجوننا عنها، ويستحلون من فيها من النسوان، فيأتي الأولاد على هذه الصفة، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا. قال محمد: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا - وأنتم أضرب خلق الله بالسيف، وأطعنهم بالحربة؟! - فقالوا: بالرغم لا بالرضى. فقال: أرأيتم لو أن ناصراً نصركم على أعدائكم، ما كنتم تصنعون؟ قالوا كنا نقدم أنفسنا بين يديه بالموت، قالوا: ومن هو؟ قال: ضيفكم. يعني: نفسه، فقالوا: السمع والطاعة. وكانوا يغالون في تعظيمه، فأخذ عليهم العهود والمواثيق، واطمأن قلبه. ثم قال لهم: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءكم فأجروهم على عوائدهم، وخلوا بينهم وبين النساء، وميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فاذنوني بهم. فلما حضر المماليك، وفعل معهم أهل الجبل ما أشار به - وكان ليلاً - أعلموه بذلك، فأمر بقتلهم بأسرهم، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة، وسمع النكبة عليهم والوقع بهم، فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل، ولحق بمراكش، وأخبر الملك بما جرى، فندم الملك على فوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب بما أشار به، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع ذلك الوادي، فإنه ضيق المسلك، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أبواب الوادي، وراصده، واستنجد لهم بعض المجاورين، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانب الوادي مثل المطر - وكان ذلك من أول النهار إلى آخره - وحال بينهم الليل، ورجع العسكر إلى الملك فأخبروه بما نزل بهم، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم، وتحقق محمد ذلك منه، وصفا له مودة أهل الجبل، فعند ذلك استدعى الونشريشي المذكور وقال له: هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة لتقوم المعجزة، لتستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة. ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح، ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في
تلك المدة: - إني رأيت البارحة في منامي: وقد نزل ملكان من السماء، وشقا فؤادي، وغلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح قال ذلك - وهو فصل يطول شرحه - فاتفق أنه انقاد له كل صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم، فقال له محمد: فعجل لنا بالبشرى في أنفسنا، وعرفنا: أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت؛ فإنك المهدي القائم بأمر الله، ومن معك سعد، ومن خالفك هلك، ثم قال: أعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد، وأبقى من أطاعه - وشرح ذلك يطول - وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد. فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا، وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك، فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم، واغتنامهم أموالهم، فسرهم ذلك، وسلاهم عن أهلهم. وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة طويل، وخلاصة الأمر أن محمداً لم يزل حتى جهز جيشاً عدد رجآله عشرة آلاف - ما بين فارس وراجل - وفيهم عبد المؤمن والونشريشي وأصحابه كلهم، وأقام هو بالجبل، فنزل القوم لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن، وقتل الونثسريشي، وبلغ محمداً الخبر - وهو بالجبل - وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه، فأوصى من حضر أن يبلغ ألفائبين أن النصر بهم وألفاقبة حميدة، فلا يضجروا، وليعتادوا القتال، وأن الله سيفتح على أيديهم - والحرب سجال - وإنكم ستقومون ويضعفون، وسيفتح لكم وتكثرون ويقفون، وأنتم في مبدأ أمروهم في آخره - ومثل هذه الوصايا وأشباهها، وهي وصية طويلة. ثم إنه توفي رحمة الله تعالى في السنة المذكورة، ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار. وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وأول دعأنه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكان رجلاً ربعة
قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك: قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن
هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا
…
وخلفك القوم اذ ودعوا
فكم أنت تنهي ولا تنتهي
…
وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشجر حتى متى
…
تسد الحديد ولا تقطع
وكان كثيراً ما ينشد:
تجرد من الدنيا فإنك إنما
…
خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يفتتح شيئاً من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها ورتبها، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما سيأتي في ترجمته - أن أول ما أخذ تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ثم مراكش، واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس. ومما ذكر بعض المؤرخين أنه ادعى الإمامة وأنه معصوم، قال: وكان على طريقة مثلى لا تنكر معه العظمة، وقيل: كان حاذقاً في ضرب إلىمل، وقيل: اتفق لعبد المؤمن أنه كان قد رأى أنه جمل في صحفة مع ابن تاشفين، ثم اختطف الصحفة منه، فقال له المعبر هذه إلىؤيا: لا ينبغي أن تكون ذلك، بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين، ثم يغلب على الأمر. وذكر أنه بعدما انكسرت المصادمة انتصرت مرة أخرى، ثم استنجد أمرهم وأخذوا في شن ألفارات في بلاد ابن تاشفين، وكثر ألفاخلون في دعوتهم. وكان ابن تومرت لم يزل على لون واحد من الزهد والتقلل والعبادة وإقامة السنن والشعائر. قال: غير أنه أفسد بالدعاء - كونه المهدي - وبسرعته في الدعاء، وكان ربما كاشف أصحابه، ووعدهم بأمور فيوافق، وكان طويل الصمت حسن الخشوع والسمت رحمه الله تعالى.