الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفقه على جمال الإسلام ابن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد فسمع بها جماعة من الكبار، وكتب الحديث الكثير، وكان بصيراً بعقد الوثائق والسجلات. وفيها توفي المشطوب الأمير - مقدم الجيوش سيف الدين علي بن أحمد بن أبي الهيجاء الهكاري نائب عكا، لما أخذت الفرنج عكا أسروه، ثم اشتري بمبلغ عظيم، ثم أقطعه صلاح الدين القد، فتوفي بها. وفيها توفي أبو المرهف نصر بن منصور الشاعر المشهور، كان ضريراً، قدم بغداد وحفظ القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من القاضي ابن الباقلاني وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك وأبي الفضل ابن الناصر وغيرهم، وقرأ الأدب على ابي منصور الجواليقي، وله ديوان شهر، ومن شعره قوله من قصيدة له:
وأخوف ما أخاف على فؤادي
…
إذا ما أنجد البرق اللموع
لقدحملت من طول الثناء
…
عن الأحباب ما لا أستطيع
وكان زاهداً ورعاً حسن المقاصد في الشعر.
سنة تسع وثمانين وخمس مائة
وفيها توفي صاحب مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العلوي الحسيني. ومحمود سلطان شاه أخوه الملك علاء الدين خوارزم شاه ابنا أرسلان الخوارزمي. وسنان بن سليمان أبو الحسن البصري الإسماعيلي الباطني صاحب الدعوة وصاحب حصون الإسماعيلية. كان أديباً متفنناً متكلماً عالماً عارفاً بالفلسفة أخبارياً شاعراً. وصاحب الموصل السلطان عز الدين مسعود بن مودود أتابك بن زنكي. قال ابن الأثير: بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة، ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإحسان يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم، وفيه حلم وحياء ودين. ودفن في مدرسته في الموصل، وتملك بعده ولده نور الدين.
وفيها توفي السلطان صلاح الدين الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف في آخره ياء النسبة ومعناه بالعربية فرحان - صاحب الديارالمصرية والبلاد الشامية والعراق واليمنية. وتراجم أبيه أيوب وقرابته من الإخوة والأعمام مذكورة في مواضعها، وصلاح الدين المذكور كان واسطة العقد وشهرته وشائعته شهيرة مغنية عن مدحته والتعريف بصفته وسيرته. وقد ذكر بعض المؤرخين الاتفاق على أن أباه وأهله من الاكراد، وذكر بعضهم نسبه أباً، فإما إلى عدنان ثم رفعه إلى آدم صلى الله عليه وسلم وذكر ابن الأثير أن مجاهد الدين متولي شحنة العراق من جهة السلطان غياث الدين السلجوقي مسعود رأى في نجم الدين أيوب شاذي عقلاً ورأياً حسناً وحسن سيرة، فجعله وألياً بتكريت حافظاً للقلعة، فلما انهزم أتابك الشهيد صاحب - الموصل عماد الدين زنكي بالعراق في أيام الإمام المسترشد وكان قد جاء على قصد حصار بغداد - وصل بعد انهزامه إلى تكريت، فخدمه نجم الدين أيوب، وأقام له السفن فعبر دجلة هناك، وتبعه أصحابه فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم، ثم إن أسد الدين أخا نجم الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، وأخرجهما من تكريت، فقصدا عماد الدين زنكي صاحب الموصل، فأحسن إليهما، وعرف لهما خدمتهما، واقطعهما إقطاعاً حسناً وصار من جملة جنده. فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين والياً عليها وحافظاً، فلما قتل عماد الدين زنكي وتولى بعده ولده سيف الدين غازي بن زنكي أرسل إليه نجم الدين أيوب، وطلب منه عسكراً ليستعين به على قتال صاحب دمشق مجير الدين - وكان قد حاصر أيوب فلم ينجده بالعسكر، فلما رأى نجم الدين تلك الحال وخاف أن يؤخذ قهراً، أرسل في تسليم القلعة، وطلب أقطاعاً ذكره، فأجيب إلى ذلك، وحلف له صاحب دمشق، فسلم القلعة ووفى له بما حلف عليه من الإقطاع، وصار عنده من أكبر الأمراء. واتصل أخوه أسد الدين بالخدمة النورية المتعلقة بنور الدين محمود صاحب حلب - وكان يخدمه - فقربه نور الدين وأقطعه، وكان يرى منه في الحروب آثاراً يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عساكره. وكان صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة بقلعة تكريت لما كان عمه
وأبوه بها، ثم إن عماد الدين قصد حصار دمشق فلم تحصل له، فرجع إلى بعلبك فحاصرها شهراً وملكها سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، ورتب فيها نجم الدين أيوب، ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. وحاصر نور الدين بن عماد الدين زنكي دمشق،
فأخذها، فلازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين، وكانت مخائل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة بتأييد الله تعالى، ونور الدين يرى له ويؤثره، وتعلم منه صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، حتى تجهز للمسير مع عمه أسد الدين إلى الديار المصرية لما جاء شاور مستغيثاً إلى الشام بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين بن شاذي في جماعة من عسكره، وكان صلاح الدين من جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر معهم، وجعل أسد الدين ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره، شاور حتى دخلوا مصر فاستولوا عليها. وكان الملك المنصور أبو الأشبال الضرغام بن عامر بن سوار الملقب بفارس المسلمين اللخمي المنذري قد استولى على الديار المصرية، فقتل عند مشهد السيدة نفيسة بين القاهرة ومصر، واجتز رأسه وطيف به ثلاثة أيام، ثم دفن عند بركة الفيل، وبنيت عليه قبة. ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصده وعاد إلى منصبه واستمرت أموره غدر بأسد الدين، واستنجد بالفرنج عليه، فحصروه في بلبيس، فخلى لهم البلاد طامعاً في العود إليها وملكها، وعاد إلى الشام في سنة تسع وخمسين وخمس مائة، فأقام بها مفكراً في تدبير عوده إلى مصر محدثاً نفسه بالملك لها، مقرراً ذلك معه نور الدين إلى سنة اثنين وستين وخمس مائة. وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد فخاف عليها فكتب إلى الفرنج وقرر معهم أنهم يجيؤون إلى البلاد، ويمكنهم تمكيناً كلياً ليعينوه على استئصال أعدائه، فبلغ ذلك نور الدين وأسد الدين، فخافا على الديار المصرية أن يملكوها ويتطرقوا إلى ملك غيرها من البلاد، فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر - وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين - فوصلوا إليها وصولاً مقارباً لوصول الفرنج إليها، واتفق شاور والمصريون جميعهم والفرنج على أسد الدين، وجرت حروب كثيرة ووقعات شديدة، وانفصل الفرنج عن البلاد، وانفصل أسد الدين أيضاً راجعاً إلى الشام. وسبب رجوع الفرنج أن نور الدين جرر العساكر إلى بلادهم في تلك السنة، فخافوا
على بلادهم وعادوا إليها، وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره عن مقاومة الفرنج - والمصريين، وما عاينوه من الشدائد وما عاينوه من الأهوال، وما عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر. ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثانية وقيل ثالثة بسبب أن الفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون الديار المصرية، فسار بنفسه وماله
وإخواته وأهله ورجاله. وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر أرسل إلى أسد الدين يستصرخه، فخرج مسرعاً، ولما علم الفرنج بوصوله إلى مصر واتفاقه مع أهلها رحلوا راجعين على أعقبهم ناكصين. وقام اسد الدين بها، يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان قد وعدهم بمال في مقابلة ما خسروا من النفقة، فلم يعطيهم شيئاً، وعلقت مخالب أسد الدين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الفرنج فرصة أخذوا البلاد، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه. وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور وهو يجتمع بأسد الدين في بعض الأحيان، وكان يركب على عادة وزرانهم بالطبل والبوق والعلم، فلم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا أسد الدين بنفسه، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً، وسار إلى جانبه وأخذ يتلاعب به، وأمر العسكر أن يقصدوا أصحابه، ففزوا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفردة وأمر بجز رأسه. وأرسل المصريون إلى أسد الدين خلع الوزارة، فلبسها وسار ودخل القصر، وترتب وزيراً وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمس مائة، ودام آمراً وناهياً - وصلاح الدين مباشر الأمور ومقررها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته - إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فمات أسد الدين في القاهرة، ودفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد مدة بوصية منه. وذكر بعضهم أن أسد الدين دخل القاهرة في سنة أربع وستين وخمس مائة وخرج إليه العاضد آخر ملوك العبيديين، وتلقاه وحضر يوم الجمعة ثالث يوم دخوله، وجلس جانب العاضد، فخلع عليه، وأظهر له شاور وداً، وطلب منه أسد الدين مالاً ينفقه في العسكر، فدافعه وأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة، فإذا خرجت فكن منهم على حذر، فلم يكترث شاور بكلامه، وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين والعساكر الشامية، ويقبض عليهم، فأحس أسد الدين بذلك، فاتفق صلاح الدين وعز الدين وبعض كبراء الدولة على قتل شاور وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه، وخرج شاور قاصداً أسد الدين - وخيامهم كانت على شاطىء النيل - فلم يجده في خيمته، وكان قد ركب إلى زيارة قبر الشافعي رضي الله عنه بالقرافة - فقال شاور: يمضي إليه، فساروا، فاكتنفه صلاح الدين مع آخر، فأنزلاه عن فرسه، فهرب أصحابه وأخذ أسيراً، وكتف، ولم يمكنهم قتله بغير إذن نور الدين، فأرسل العاضد يأمرهم بقتله فقتلوه. وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية، قد تمكن فى بلاد الصعيد، ثم توجه إلى القاهرة وأخذ الوزارة، ثم توجه إلى
الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين لما خرج عليه ضرغام بن عامر اللخمي المنذري وأخرجه عن القاهرة وولي الوزارة مكانه، فأنجده بالأمير أسد الدين. وأصل شاور من بني سعد من نسل والد حليمة التي أرضعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي كيفية قتله اختلاف كثيرة، والقصد من ذكر هذه الأشياء التوصل إلى ذكر ولاية السلطان صلاح الدين وسيرته. فلما مات أسد الدين استقرت الأمور بعده لصلاح الدين، وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه وإلى الله تعالى إلى أن مات - رحمه الله تعالى - وما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من البلاد، وغشي الناس من سحائب الأفضال والإنعام ما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام، هذا كله وهو وزير متابع للقوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، ويجالس أهل العلم والفقه والتصوف، والناس يهرعون إليه من كل صوب، ويفدون عليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصداً، ولا يعدم وافداً إلى سنة خمس وستين وخمس مائة، فلما عرف نور الدين انتشار أمر صلاح الدين بمصر
أخذ حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف عليه السلام، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف عليه السلام، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد البلاد.