الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَشَرَحَ صُدُورَنَا لِاقْتِفَاءِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَرَعَ لَنَا الشَّرَائِعَ وَالْأَحْكَامَ لِنُمَيِّزَ بِهَا الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً مِنْهُ وَحِلْمًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامُ الْأَصْفِيَاءِ، وَسَيِّدُ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْرَمُ مَنْ مَشَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَأَصْحَابِهِ، وَأَشْيَاعِهِ وَأَحْزَابِهِ، مَا جَرَى يَرَاعٌ، وَطَابَتْ بِذِكْرِهِ الْأَسْمَاعُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، نَاهِجِينَ مَنْهَجَ الصِّدْقِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَبِفُقَهَائِهِمْ، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ أَئِمَّةً أَعْلَى مَنَاصِبَهُمْ وَأَقْدَارَهُمْ، وَنَزَّهَ عَنْ الْخَطَأِ أَلْسِنَتَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ
، فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ، مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَبِأَفْعَالِهِمْ تَقْتَدِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ: أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَابْنَ إدْرِيسَ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ صَاحِبَ الْعِلْمِ النَّفِيسِ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَتْبَاعًا وَأَحْزَابًا وَأَشْيَاعًا، لِيَضْبِطُوا أَقْوَالَهُ وَرِوَايَاتِهِ، وَيُرَجِّحُوا نُصُوصَهُ
وَاسْتِنْبَاطَاته، فَمِنْهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْحَبْرُ الْهُمَامُ مَرْعِي بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْكَرْمِيُّ الْمَقْدِسِيَّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَبَاحَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ، أَلَّفَ كِتَابَ غَايَةَ الْمُنْتَهَى فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " عَلَى مَذْهَبِ مُحْيِي السُّنَّةِ، الصَّابِرِ عَلَى الْمِحْنَةِ، الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ مَرْقَدَهُ وَضَرِيحَهُ - فَاعْتَنَى بِتَأْلِيفِهِ وَتَشْيِيدِهِ وَتَرْصِيفِهِ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الْمَذْهَبِ قَدْرًا، وَأَجْمَعِهَا لِمُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ طُرًّا، مُشْتَمِلًا عَلَى فَوَائِدَ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا، وَحَاوِيًا لِفَرَائِدَ تُعْقَدُ الْخَنَاصِرُ عَلَيْهَا مِنْ صَحِيحِ النُّقُولِ، وَغَرَائِبِ الْمَنْقُولِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَحْهُ أَحَدٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ، بَلْ كَتَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إلَى آخِرِ الْحَجْرِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرَ فِي شَرْحِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ اخْتَصَرَ وَفِي بَعْضِهَا أَطَالَ، فَالْتَمَسَ مِنِّي بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ إلَيَّ، مِنْ أَصْدِقَائِي الْأَعِزَّاءِ عَلَى أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يَكْشِفُ اللِّثَامَ عَنْ مُخَدَّرَاتِهِ، وَيُسْفِرُ عَنْ خَفِيِّ مَكْنُونَاتِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِمَّا صَحَّحَهُ أَعْيَانُ أَصْحَابِنَا الْأَمَاجِدِ، فَتَعَلَّلْتُ بِالْجَهْلِ فَلَمْ يَنْفَعْنِي التَّعْلِيلُ، بَلْ أَلَحَّ عَلَيَّ فِي خَوْضِ هَذَا الْبَحْرِ الْعَرِيضِ الطَّوِيلِ، فَأَجَبْتُهُ مُشَمِّرًا عَنْ سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ، مُعْتَصِمًا بِمَنْ لَا نِهَايَةَ لِعِلْمِهِ وَلَا نَفَادَ، طَالِبًا مِنْهُ الْمَعُونَةَ عَلَى اقْتِنَاصِ مَعَانِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، الَّتِي تَبْهَرُ عُقُولَ أَرْبَابِ الْفَضَائِلِ، وَجَمَعْتُهُ مِنْ شَرْحِ الْإِقْنَاعِ وَحَاشِيَتِهِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَحَوَاشِيهِ " " وَشَرْحِ الْوَجِيزِ وَالْمُنْتَقَى " وَمِنْ " شَرْحَيْ الْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ " وَحَوَاشِي ابْنِ قُنْدُسٍ " وَالْمُسْتَوْعَبِ " وَشَرْحِ التَّحْرِيرِ " وَمِنْ الْفُرُوعِ وَحَوَاشِيهِ " وَالْإِنْصَافِ " وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَالْهَدْيِ " وَالْخِلَافِ "، وَمِنْ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ ".
وَكِتَابِ الْمُصَنِّفِ بَهْجَةِ النَّاظِرِينَ ". وَمِنْ كِتَابِ الدُّرَّةِ الْمُضِيئَةِ " وَبَدَائِعِ الْفَوَائِدِ "
وَقَاعِدَةِ الْعُقُودِ " " وَالصَّارِمِ الْمَسْلُولِ " وَالْقَوَاعِدِ " وَمِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ " وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ " وَالِاخْتِيَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ " وَمِنْ اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " وَالْمَنْهَجِ الْأَحْمَدِ " وَإِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَمَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ، وَالْأَجْوِبَةِ وَالْمَسَائِلِ.
وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ الْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعُ "، لِيَكُونَ لِمَنْ طَالَعَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ إقْنَاعٌ، وَبَيَّنْتُ الْمُعْتَمَدَ فِيهِ مِنْ التَّوْجِيهَاتِ، وَالْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّوَائِدِ وَالِاحْتِمَالَاتِ. وَسَمَّيْتُهُ: مَطَالِبَ أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَةِ الْمُنْتَهَى " وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، مُقَرِّبًا إلَيْهِ زُلْفَى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَإِنْ وَقَعَ مِنِّي هَفَوَاتٌ، أَوْ صَدَرَ عَنِّي كَبَوَاتٌ. فَالْمَأْمُولُ مِمَّنْ نَظَرَ إلَيْهَا أَنْ يَسْحَبَ ذَيْلَ السِّتْرِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الصَّفْحَ عَنْ عَثَرَاتِ الضِّعَافِ مِنْ شِيَمِ أَفَاضِلِ الْأَشْرَافِ، وَأَنَا مُعْتَرِفٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوُلُوجِ فِي هَذَا الْمَضِيقِ، وَالسِّبَاحَةِ فِي تَيَّارِهِ الْعَمِيقِ، وَلَكِنْ أَسْتَمِدُّ مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقَ، وَالْهِدَايَةَ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.
قَالَ مُصَنِّفُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ (اقْتِدَاءً) بِالْكِتَابِ الْمَجِيدِ وَعَمَلًا (بِقَوْلِ النَّبِيِّ) عليه الصلاة والسلام «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدَلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَفِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " بِلَفْظِ
«لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»
، وَمَعْنَى أَجْذَمَ، وَأَقْطَعَ، وَأَبْتَرَ: قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ: إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ: فَبِالِابْتِدَاءِ بِالْبَسْمَلَةِ حَصَلَ الْحَقِيقِيُّ، وَبِالِابْتِدَاءِ بِالْحَمْدَلَةِ حَصَلَ الْإِضَافِيُّ، أَوْ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا مِنْ حِينِ الشُّرُوعِ فِي التَّأْلِيفِ إلَى حِينِ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَقَدَّمَ الْبَسْمَلَةَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ، وَالْإِجْمَاعِ.
وَالْبَاءُ فِي الْبَسْمَلَةِ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَوْ: الِاسْتِعَانَةِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ فِعْلًا أَوْلَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ، وَخَاصًّا لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقَامِ، وَمُؤَخَّرٌ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْوُجُودِ وَأَدْخُلُ فِي التَّعْظِيمِ. وَكُسِرَتْ الْبَاءُ - وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ الْفَتْحَ - لِلُزُومِهَا غَيْرَ الْحَرْفِيَّةِ وَالْجَرِّ، وَلِتُشَابِهَ حَرَكَتُهَا عَمَلَهَا. وَحُذِفَتْ الْأَلِفُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا تَطْوِيلُ الْبَاءِ.