الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَطَرٍ، أَوْ مَعَ إمْكَانِ خُرُوجٍ مِنْ نَحْوِ سَفِينَةٍ؛ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِاسْتِيفَائِهَا مَا يُعْتَبَرُ لَهَا. (وَمَنْ بِمَاءٍ وَطِينٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ (يُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ (كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ إمْكَانِهِ (وَيَسْجُدُ غَرِيقٌ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ)، أَيْ: ظَهْرِهِ، (وَلَا إعَادَةَ فِي الْكُلِّ) لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُعْتَبَرُ الْمَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ مَثَلًا عَلَى نَحْوِ قُطْنٍ) ، كَصُوفٍ (مَنْفُوشٍ) وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ (وَلَمْ يَنْكَبِسْ) ؛ لَمْ تَصِحَّ.
(أَوْ صَلَّى مُعَلَّقًا) أَوْ فِي أُرْجُوحَةٍ (بِلَا ضَرُورَةٍ) تَمْنَعُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَرْضِ؛ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ عُرْفًا، وَعَدَمِ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ.
(وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (إنْ حَاذَى صَدْرَهُ)، أَيْ: الْمُصَلِّي (نَحْوَ رَوْزَنَةٍ) وَهِيَ: الْكُوَّةُ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ".
وَنَحْوُ الرَّوْزَنَةِ: الشُّبَّاكُ وَمَا لَا يُجْزِئُ سُجُودُهُ عَلَيْهِ.
(وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (عَلَى نَحْوِ صُوفٍ حَائِلٍ) كَشَعْرٍ وَوَبَرٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَلَا كَرَاهَةَ، لِحَدِيثِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّى عَلَى فَرْوٍ مَدْبُوغَةٍ» . (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا عَلَى (مَا مَنَعَ صَلَاتُهُ الْأَرْضَ) كَفِرَاشٍ مَحْشُوٍّ بِنَحْوِ قُطْنٍ، (وَ) عَلَى (مَا تُنْبِتُهُ) الْأَرْضُ لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ)(قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّة) جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] الْآيَةَ، عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ «لِأَنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَخْلُ مِنْهُ. وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
مَا لَنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ فَقَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَحِبْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] ؛ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، مَعْنَاهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ.
وَهُوَ (أَفْضَلُ) مِنْ الْإِتْمَامِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَاءَهُ دَاوَمُوا عَلَيْهِ
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» .
(وَلَا يُكْرَهُ إتْمَامُ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ، لِحَدِيثِ يَعْلَى؛ قَالَتْ عَائِشَةُ:«أَتَمَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَصَرَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ.
وَيَجُوزُ الْقَصْرُ (لِمَنْ نَوَى سَفَرًا)، أَيْ: شَرَعَ فِيهِ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا، كَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعُمْرَةِ، فَالسَّفَرُ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلِلْمَنْدُوبِ مِنْهُ مَنْدُوبٌ، وَكَالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَزِيَارَةِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَالْوَالِدَيْنِ، أَوْ ابْتَدَأَ سَفَرًا (مُبَاحًا)، أَيْ: لَيْسَ حَرَامًا وَلَا مَكْرُوهًا، (وَلَوْ عَصَى فِيهِ)، أَيْ: السَّفَرِ الْمُبَاحِ، (أَوْ) كَانَ لِ (زِيَارَةِ قُبُورٍ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ)، أَيْ: السَّفَرَ لِزِيَارَتِهَا (قُرْبَةً) ، فَإِنْ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً؛ فَلَا يَقْصُرُ، لِحَدِيثِ «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ» . . . إلَى آخِرِهِ.
(أَوْ) كَانَ (نُزْهَةً أَوْ فُرْجَةً)
بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ: الرَّاحَةُ مِنْ الْغَمِّ، (أَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (تَاجِرًا مُكَاثِرًا) فِي الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَانِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ؛ مُبَاحٌ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ التَّكَاثُرَ. (أَوْ) كَانَ السَّفَرُ (الْمُبَاحُ أَكْثَرَ قَصْدِهِ) ، كَتَاجِرٍ قَصَدَ التِّجَارَةَ، وَقَصَدَ مَعَهَا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ خَمْرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ؛ فَإِنْ تَسَاوَى الْقَصْدَانِ، أَوْ غَلَبَ الْحَظْرُ، أَوْ سَافَرَ لِيَقْصُرَ فَقَطْ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ.
(يَبْلُغُ)، أَيْ: السَّفَرُ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا تَقْرِيبًا) لَا تَحْدِيدًا، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "(يَقِينًا) لَا ظَنًّا. (بَرًّا أَوْ بَحْرًا) لِلْعُمُومَاتِ. (وَهِيَ)، أَيْ: السِّتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (يَوْمَانِ قَاصِدَانِ)، أَيْ: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ طُولًا وَقِصَرًا (فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرِّ وَالْبَرْدِ (بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ، وَهِيَ: أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) جَمْعُ: بَرِيدٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «يَا أَهْلَ مَكَّةَ؛ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، خُصُوصًا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ.
(وَالْبَرِيدُ: أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ) جَمْعُ: فَرْسَخٍ. (وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ) نِسْبَةً إلَى هَاشِمٍ جَدِّ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ: مِيلَانِ وَنِصْفُ) مِيلٍ. (وَ) الْمِيلُ (الْهَاشِمِيُّ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ)، وَهِيَ:(سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهِيَ:(أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ، وَالذِّرَاعُ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً، كُلُّ إصْبَعٍ) مِنْهَا عَرْضُهَا (سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، عَرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ بِرْذَوْنَ) : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى بِرْذَوْنَةُ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الْبِرْذَوْنُ: التُّرْكِيُّ مِنْ الْخَيْلِ، وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ عَكْسُ الْعِرَابِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": الذِّرَاعُ الَّذِي ذُكِرَ قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ، فَعَلَى هَذَا؛ فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا. قَالَ: وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ قَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا. (أَوْ تَابَ فِيهِ)، أَيْ: فِي سَفَرٍ غَيْرِ مُبَاحٍ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ أَفَاقَ) مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَقَدْ بَقِيَتْ) الْمَسَافَةُ قَصَرَ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ أَبَاحَ الْقَصْرَ وَلَوْ بَقِيَ دُونَ الْمَسَافَةِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ
فَإِنْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَقْصُرْ. (أَوْ أُكْرِهَ) عَلَى سَفَرٍ (كَأَسِيرٍ، أَوْ غُرِّبَ) زَانٍ حُرٌّ غَيْرُ مُحْصَنٍ، (أَوْ شُرِّدَ) إذَا أَخَافَ السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ
يَأْخُذْ مَالًا، لِأَنَّ سَفَرَهُمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِهَا.
وَ (لَا) يَقْصُرُ (هَائِمٌ)، أَيْ: خَارِجٌ عَلَى وَجْهِهِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، (وَ) لَا (تَائِهٌ) وَهُوَ: مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، (وَ) لَا (سَائِحٌ) لَا يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا، لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ قَصْدُ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهِ.
(وَتُكْرَهُ سِيَاحَةٌ لِغَيْرِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ قَطَعَهَا فِي سَاعَةٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا سِيَاحَةَ فِي الْإِسْلَامِ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَتْ السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَا هِيَ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ.
وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": السِّيَاحَةُ فِي الْبِلَادِ لِغَيْرِ قَصْدٍ شَرْعِيٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَمْرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَأَمَّا السِّيَاحَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا.
(إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ) مُسَافِرًا (وَلَوْ) كَانَتْ (خَارِجَ سُورٍ وَقَبْلَهَا خَرَابٌ) قَائِمَةٌ حِيطَانُهُ أَوْ لَا (أَوْ اجْتَمَعُوا)، أَيْ: الْمُسَافِرُونَ بِمَكَانٍ (لِانْتِظَارِ بَعْضِهِمْ) يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ فَلَهُمْ الْقَصْرُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، لِأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا السَّفَرَ وَفَارَقُوا قَرْيَتَهُمْ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: إنْ لَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ عَدَمَ اجْتِمَاعِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ (بَعْدَ فُرْقَةِ عَامِرٍ)، أَيْ: فَيَقْصُرُ مَنْ فَارَقَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَارِبَةٌ أَوْ الْبَرِّيَّةُ، فَإِنْ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَارِبَةٌ، ثُمَّ بُيُوتٌ عَامِرَةٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْعَامِرَةِ الَّتِي تَلِي الْخَارِبَةَ. (أَوْ) إذَا فَارَقَ (خِيَامَ قَوْمِهِ) إنْ اسْتَوْطَنُوا الْخِيَامَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْبُعْدِ عُرْفًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ، وَقَبْلَ مُفَارَقَتِهِ مَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ ضَارِبًا فِيهَا، وَلَا مُسَافِرًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرَفَيْ السَّفَرِ، أَشْبَهَ حَالَةَ الِانْتِهَاءِ. (أَوْ) إذَا فَارَقَ مُسْتَوْطِنٌ قُصُورَ وَبَسَاتِينَ. (مَا)، أَيْ: مَحَلًّا (نُسِبَ إلَيْهِ) ذَلِكَ
الْمَحَلُّ (عُرْفًا كَسُكَّانِ قُصُورٍ وَبَسَاتِينَ) يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ، وَلَوْ فِي فَصْلٍ مِنْ الْفُصُولِ لِلنُّزْهَةِ. (وَمَحَلَّتُهُ بِبَلَدٍ لَهُ مَحَالٌّ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِبَعْضِهَا، وَبُقْعَةٌ لِمُقِيمٍ بِمَفَازَةٍ) وَأَهْلِ عِزَبٍ مِنْ نَحْوِ قَصَبٍ، فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهَا.
ذَكَرَ مَعْنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَامِرَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، وَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى؛ فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ؛ فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا.
وَمَحَلُّ إبَاحَةِ الْقَصْرِ: (إنْ لَمْ يَنْوِ عَوْدًا) قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَسَافَةِ، (أَوْ) لَمْ (يَعُدْ قَبْلَ) بُلُوغِ (مَسَافَةٍ) إلَى وَطَنِهِ، (فَإِنْ نَوَاهُ)، أَيْ: الْعَوْدَ عِنْدَ خُرُوجِهِ (أَوْ) لَمْ يَنْوِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ، بَلْ (تَجَدَّدَتْ نِيَّتُهُ) لِلْعَوْدِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ (لِحَاجَةٍ بَدَتْ) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، (فَلَا) قَصْرَ إنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ سَفَرًا طَوِيلًا (حَتَّى يَرْجِعَ) إلَى وَطَنِهِ. (وَيُفَارِقُ بِشَرْطِهِ)، وَهُوَ: أَنْ لَا يَنْوِيَ الْعَوْدَ، (أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ) عَنْ الْعَوْدِ، (وَيَسِيرُ) فِي سَفَرِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ، وَنِيَّتُهُ لَا تَكْفِي بِدُونِ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، (إلَّا إنْ كَانَ مَا رَجَعَ إلَيْهِ غَيْرَ وَطَنٍ) لَهُ (وَلَا أَهْلَ) لَهُ بِهِ (وَلَا مَالَ لَهُ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ فِي عَوْدَةٍ) إلَيْهِ (أَنْ يُقِيمَ مَا)، أَيْ: زَمَنًا (يَمْنَعُ الْقَصْرَ) ، وَهُوَ فَرْضُ عِشْرِينَ صَلَاةٍ فَأَكْثَرَ. (قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ") وَهُوَ الْمَذْهَبُ، (وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَإِنْ رَجَعَ لِأَجْلِ شَيْءٍ نَسِيَهُ؛ لَمْ يَقْصُرْ فِي رُجُوعِهِ لِوَطَنِهِ إلَّا إذَا رَجَعَ لِبَلَدٍ كَانَ بِهِ غَرِيبًا، فَيَتَرَخَّصُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى) كَلَامُ " التَّلْخِيصِ ".
وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ لِلسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ، لِعَدَمِ الْمَسَافَةِ، فَهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ كَغَيْرِهِمْ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ
بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ بِمَكَّةَ وَلَا مِنًى وَلَا مُزْدَلِفَةَ، لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِمْ بِدُخُولِ مَكَّةَ، إذْ الْحَجُّ: قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يَأْتِي.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ؛ لَمْ يَقْصُرْ بِعَرَفَةَ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ لِلْحَجِّ، وَيُرِيدُ) أَنْ (يَرْجِعَ لِمَكَّةَ فَلَا يُقِيمُ بِهَا)، أَيْ: أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: (فَهَذَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ)، أَيْ: وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى؛ (لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ لِبَلَدِهِ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ، (وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَصَرَ) بِشَرْطِهِ (ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ) اسْتِكْمَالِ (الْمَسَافَةِ) ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّةُ الْمَسَافَةِ لَا حَقِيقَتُهَا.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْصُرَ مَنْ أَسْلَمَ) بِسَفَرٍ مُبِيحٍ (أَوْ بَلَغَ) بِسَفَرٍ مُبِيحٍ، (أَوْ طَهُرَتْ) مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بِسَفَرٍ مُبِيحٍ) لِلْقَصْرِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ أَفَاقَ مَنْ جُنَّ)، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (بِأَثْنَائِهِ) أَيْ: السَّفَرِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ بَقِيَ) بَعْدَ إسْلَامٍ أَوْ بُلُوغٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ طُهْرٍ (دُونَ الْمَسَافَةِ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَكْلِيفِهِ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَرْكِ الْقَصْرِ فِي آخِرِهِ، إذْ عَدَمُ التَّكْلِيفِ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ الْقَصْرِ، بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ، وَقَدْ بَقِيَ دُونَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقَصْرِ فِي ابْتِدَائِهِ، (كَجَاهِلِ الْمَسَافَةِ ثُمَّ عَلِمَهَا) فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ، (أَوْ) كَجَاهِلِ (جَوَازِ الْقَصْرِ ابْتِدَاءً ثُمَّ عَلِمَهُ) ، فَيَقْصُرُ.
(وَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالٍّ) كَآبِقٍ وَشَارِدٍ، (نَاوِيًا أَنْ يَرْجِعَ أَيْنَ وَجَدَهُ، لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمَسَافَةَ) ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمُبِيحَ لِلْقَصْرِ، قَالَهُ
فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَفِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي أَوَّلِ الْقَصْرِ مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ حَتَّى جَاوَزَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ، لِعَدَمِ نِيَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
انْتَهَى.
وَفِي " الشَّرْحِ ": وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدٍ آبِقٍ لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ، أَوْ مُنْتَجِعًا عُشْبًا أَوْ كَلَأً مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ، أَوْ سِلْكِيًّا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ سَارَ أَيَّامًا.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْصُرَ مَنْ) نَوَى بَلَدًا بِعَيْنِهِ يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، وَ (عَلِمَهَا) ابْتِدَاءً، (ثُمَّ نَوَى) فِي سَفَرِهِ (إنْ وَجَدَ عَزِيمَةً) فِي طَرِيقِهِ (رَجَعَ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ انْعَقَدَ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالنِّيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ.
(وَقِنٌّ) سَافَرَ مَعَ سَيِّدِهِ (وَزَوْجَةٌ) سَافَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا (وَجُنْدِيٌّ) بِضَمِّ الْجِيمِ، سَافَرَ مَعَ أَمِيرِهِ، يَكُونُونَ (تَبَعًا لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ وَأَمِيرٍ فِي سَفَرٍ وَنِيَّتِهِ)، أَيْ: السَّفَرِ فَإِنْ نَوَى سَيِّدٌ وَزَوْجٌ وَأَمِيرٌ سَفَرًا مُبَاحًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، جَازَ لِلْقِنِّ وَالزَّوْجَةِ وَالْجُنْدِيِّ الْقَصْرُ، وَإِلَّا فَلَا لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ.
(وَ) عَبْدٌ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ، (فَلَا) يَقْصُرُ (إنْ لَمْ يُسَافِرْ سَيِّدَاهُ) لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، (أَوْ يَنْوِي) الْمُقِيمُ فِيهِمَا السَّفَرَ، وَلَوْ لَمْ يُسَافِرْ مَعَ شَرِيكِهِ، فَلِلْعَبْدِ حِينَئِذٍ الْقَصْرُ تَبَعًا لِمَنْ سَافَرَ مَعَهُ، وَتَغْلِيبًا لِجَانِبِ السَّفَرِ.
(وَشُرِطَ مَعَ مَسَافَةٍ نِيَّةُ قَصْرٍ عِنْدَ
إحْرَامٍ) بِمَقْصُورَةٍ، لِأَنَّ الْإِتْمَامَ الْأَصْلُ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا انْصَرَفَ إلَى الِانْفِرَادِ. (وَ) شُرِطَ أَيْضًا
(عِلْمُهُ بِهَا)، أَيْ: النِّيَّةِ (إذَنْ)، أَيْ: عِنْدَ الْإِحْرَامِ، هَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ ".
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَمْ نَعْلَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْعِلْمُ بِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَعْنَاهُ الْعِلْمُ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَتْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَقْصُورَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ حُكْمًا لَا ذِكْرًا عِنْدَ التَّكْبِيرِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ بِأَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ، هَلْ نَوَاهُ؟ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. (وَ) شُرِطَ أَيْضًا عِلْمُهُ حَالَ الصَّلَاةِ (بِسَفَرِ إمَامِهِ وَلَوْ بِأَمَارَةٍ) وَعَلَامَةٍ كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ، لَا عِلْمُهُ أَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ.
(وَسُنَّ قَوْلُهُ)، أَيْ: الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ (لِمُقِيمِينَ: أَتِمُّوا فَأَنَا سَفْرٌ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، لِلْحَدِيثِ، وَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ.
(فَإِنْ أَتَمَّ) إمَامُ مُسَافِرِينَ بِهِمْ (سَهْوًا وَعَلِمُوا ذَلِكَ سَبَّحُوا بِهِ وَلَمْ يُتَابِعُوهُ) لِنِيَّتِهِمْ الْقَصْرَ وَلِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ سَهْوًا لَغْوٌ. (فَإِنْ) لَمْ يَرْجِعْ عَالِمًا عَمْدًا وَ (تَابَعُوهُ، فَوَجْهَانِ)، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِمُتَابَعَتِهِ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ. (وَإِنْ شَكُّوا أَقَامَ) إمَامُهُمْ إلَى ثَالِثَةٍ (سَهْوًا أَمْ عَمْدًا لَزِمَ) الْمَأْمُومِينَ (مُتَابَعَتُهُ) ، لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» .
(وَلَا يَقْصُرُ مَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ) سَوَاءٌ كَانَ وَطَنَهُ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَاضِي، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ طَرِيقُهُ إلَى بَلَدٍ يَطْلُبُهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَامَ فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ بِمَوْضِعٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ إقَامَةً بِهِ تَمْنَعُهُ.
(أَوْ) مَرَّ بِ (بَلَدٍ لَهُ بِهِ امْرَأَةٌ) وَلَوْ
لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ، (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ) ، فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلَدٍ، فَلِيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ وَمَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ.
(أَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ حَضَرًا) ثُمَّ سَافَرَ، فَلَا يَقْصُرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا صَلَاةُ حَضَرٍ وَجَبَتْ تَامَّةً، (أَوْ دَخَلَهُ)، أَيْ: وَطَنَهُ أَوْ مَكَانًا نَوَى إقَامَةً فِيهِ تَمْنَعُ الْقَصْرَ (قَبْلَ إتْمَامِ) صَلَاةٍ أَحْرَمَ بِهَا (كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ) أَحْرَمَ فِيهَا بِصَلَاةٍ مَقْصُورَةٍ، فَوَصَلَتْ إلَى وَطَنِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ.
(أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ بِسَفَرٍ وَعَكْسَهُ) بِأَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ بِحَضَرٍ، فَلَا يَقْصُرُ.
(أَوْ ائْتَمَّ) مُسَافِرٌ (بِمُقِيمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ، أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ) ، فَيُتِمُّ نَصًّا.
لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «تِلْكَ السُّنَّةُ» .
وَسَوَاءٌ ائْتَمَّ بِهِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا عَلِمَهُ مُقِيمًا أَوْ لَا، وَيَشْمَلُ كَلَامُهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فَاسْتَخْلَفَ لِعُذْرٍ مُقِيمًا، لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِتْمَامُ دُونَ الْإِمَامِ الْمُسْتَخْلَفِ.
(أَوْ) ائْتَمَّ مُسَافِرٌ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أَيْ: فِي كَوْنِهِ مُسَافِرًا (بِلَا قَرِينَةٍ) ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، (وَإِنْ تَبَيَّنَ قَصْرَهُ)، أَيْ: وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا عِنْدَ الْإِحْرَامِ (وَيَكْفِي عِلْمُهُ)، أَيْ: الْمَأْمُومِ (بِسَفَرِهِ)، أَيْ: الْإِمَامِ (بِعَلَامَةِ) سَفَرٍ كَلِبَاسٍ، (فَيَنْوِيهِ)، أَيْ: الْقَصْرَ وَيَأْتِي، (فَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ قَصَرَ مَعَهُ) ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ (أَوْ)، أَيْ: وَإِنْ (أَتَمَّ) الْإِمَامُ (تَابَعَهُ) الْمَأْمُومُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ.
(وَصَحَّ لَوْ نَوَى) مَأْمُومٌ عِنْدَ اقْتِدَائِهِ بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا (إنْ قَصَرَ
قَصَرْت، وَ) إنْ (أَتَمَّ أَتْمَمْت وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ)، أَيْ: الْمُسَافِرِ (أَنَّ إمَامَهُ نَوَاهُ)، أَيْ: الْقَصْرَ (إذَنْ) أَيْ: حِينَ اقْتِدَائِهِ بِهِ (عَمَلًا بِالظَّنِّ) لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ عِبَارَتِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: أَوْ جَهِلَ أَنَّ إمَامَهُ نَوَاهُ، أَيْ: فَيُتِمُّ.
وَتَفْسِيرُ الْبُهُوتِيِّ فِي شَرْحِهِ " الْجَهْلُ بِالشَّكِّ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يَضُرُّ فِي النِّيَّةِ، فَيَقْصُرُ مَعَهُ إنْ قَصَرَ، وَيُتِمُّ إنْ أَتَمَّ، (أَوْ شَكَّ) إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ (فِي أَثْنَائِهَا)، أَيْ: الصَّلَاةِ (أَنَّهُ نَوَاهُ) أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ، (ثُمَّ ذَكَرَ) بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ (وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ) مَعَ الشَّكِّ (عَمَلًا) ، فَإِنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَسُجُودُ السَّهْوِ أَيْضًا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَمْ يَنْوِهِ)، أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامٍ) ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، (أَوْ نَوَاهُ)، أَيْ: الْقَصْرَ عِنْدَ إحْرَامٍ (ثُمَّ، رَفَضَهُ فِيهَا) وَنَوَى الْإِتْمَامَ، لَزِمَ أَنْ يُتِمَّ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ
إلَى التَّعْيِينِ فَبَقِيَتْ النِّيَّةُ مُطْلَقَةً.
(وَإِنْ) نَوَى مُسَافِرٌ الْقَصْرَ ثُمَّ (أَتَمَّ سَهْوًا؛ فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ وَسَجَدَ لَهُ)، أَيْ: لِسَهْوِهِ (وُجُوبًا)، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (لَا نَدْبًا خِلَافًا لَهُ)، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَ بِنَدْبِيَّةِ السُّجُودِ لِلزِّيَادَةِ.
(وَإِنْ ذَكَرَ) مَنْ سُهَى أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ رَكْعَةً (ثَالِثَةً؛ عَادَ) إلَى التَّشَهُّدِ، (وَسَلَّمَ إنْ شَاءَ) وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، (أَوْ نَهَضَ بِنِيَّةِ إتْمَامٍ) ؛ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ عَمْدًا، فَكَانَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ عَمْدًا؛ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ
. (أَوْ نَوَى) الْمُسَافِرُ (إقَامَةً مُطْلَقَةً)، أَيْ: غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِزَمَنٍ، وَلَوْ بِمَفَازَةٍ لَا تُقَامُ بِهَا، أَوْ دَارِ حَرْبٍ لَا تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ، أَتَمَّ لِزَوَالِ السَّفَرِ الْمُبِيحِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
(أَوْ) نَوَى إقَامَةً (أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ) ؛ أَتَمَّ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةِ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ،
وَصَلَّى الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى» ، وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى إقَامَتِهَا، وَقَالَ أَنَسٌ: أَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ، أَيْ: لِأَنَّهُ حَسَبَ مُقَامَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَيُحْسَبُ يَوْمُ الدُّخُولِ وَيَوْمُ الْخُرُوجِ مِنْ الْمُدَّةِ.
(وَلَوْ) نَوَى الْإِقَامَةَ (بِبَادِيَةٍ) أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَلَوْ بَدَا لَهُ السَّفَرُ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ) فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ ثَبَتَ لَهُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ، أَشْبَهَ وَطَنَهُ، فَيُتِمُّ إلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ، وَيُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ) نَوَى إقَامَةً (لِحَاجَةٍ، وَظَنَّ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ) الْحَاجَةُ (قَبْلَهَا)، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَلْ بَعْدَهَا؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ.
(أَوْ شَكَّ) مُسَافِرٌ (فِي نِيَّةِ مُدَّةِ إقَامَةٍ)، أَيْ: فِي كَوْنِهِ نَوَى إقَامَةً أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، أَوْ لَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مَعَ الشَّكِّ فِي مُبِيحِ الرُّخْصَةِ.
(أَوْ نَوَى) مُسَافِرٌ (فِي صَلَاتِهِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ) بِأَنْ قَلَبَ السَّفَرَ لِلْمَعْصِيَةِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ تَغْلِيبًا لَهُ، لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إنْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ فِعْلَ (مَعْصِيَةٍ) فِي ذَلِكَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ.
(أَوْ) نَوَى (الْإِقَامَةَ) بِأَنْ عَزَمَ عَلَيْهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ قَبْلَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَمُدَّةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهَا الْقَصْرُ. (أَوْ أَعَادَ) صَلَاةً (فَاسِدَةً)، أَيْ: فَسَدَتْ (فِي أَثْنَاءِ) هَا (لَزِمَ إتْمَامُهَا) لِفَسَادِهَا، (كَ) مَا لَوْ صَلَّى (خَلْفَ مُقِيمٍ) فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً بِلَا خِلَافٍ. (وَ) كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِ (نِيَّةِ إتْمَامٍ) فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً تَامَّةً،
فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَادَ مَقْصُورَةً.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ إتْمَامُ صَلَاةٍ (فَاسِدَةٍ ابْتِدَاءً كَمُحْدِثٍ) جَهِلَ حَدَثَ نَفْسِهِ، فَائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَنَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَنْعَقِدْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَنَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ أَخَّرَهَا)، أَيْ: الصَّلَاةَ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ (حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا)، أَيْ: عَنْ فِعْلِهَا كُلِّهَا مَقْصُورَةً، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ.
(أَوْ تَابَ) مِنْ مَعْصِيَةٍ سَافَرَ لِأَجْلِهَا وَهُوَ (فِيهَا) ، أَيْ الصَّلَاةِ (وَنَوَاهُ)، أَيْ: الْقَصْرَ (فِي أَثْنَاءِ) تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَامَّةً. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (مِنْ جَاهِلٍ) تَابَ فِي أَثْنَائِهَا وَمَضَى فِيهَا مَقْصُورَةً، وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، بَلْ تَقَعُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا مَقْصُورَةً، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا، وَلَمْ يَفْعَلْهُ جَهْلًا مِنْهُ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَرِيبًا لِتَرْكِهِ وَاجِبًا.
فَهَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْمُسَافِرِ الْإِتْمَامُ.
(وَمَنْ نَوَاهُ)، أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامٍ حَيْثُ لَمْ يُبَحْ) لَهُ الْقَصْرُ (كَ) مَا لَوْ صَلَّى (خَلْفَ مُقِيمٍ، وَمُعْتَقِدٍ تَحْرِيمَ) الْقَصْرِ
كَمَا لَوْ نَوَاهُ بِسَفَرِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ سَفَرٍ لَا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (عَالِمًا) عَدَمَ إبَاحَتِهِ لَهُ؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، (كَمَا نَوَاهُ)، أَيْ: الْقَصْرَ (مُقِيمٌ) لِتَلَاعُبِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَ) لَوْ نَوَى الْقَصْرَ مَنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ (جَهْلًا) مِنْهُ عَدَمَ جَوَازِهِ؛ (تَنْعَقِدُ) صَلَاتُهُ، وَتَقَعُ (نَفْلًا) ، وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَرِيبًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(وَيَقْصُرُ مَنْ)، أَيْ: مُسَافِرٌ (سَلَكَ أَبْعَدَ طَرِيقَيْنِ) إلَى بَلَدٍ قَصَدَهُ يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، وَالْقَرِيبُ لَا يَبْلُغُهَا، وَلَوْ لَمْ يَسْلُكْ الْبَعِيدَ إلَّا (لِيَقْصُرَ) الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا يَبْلُغُهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ مَخُوفًا، أَوْ مُشِقًّا، فَعَدَمُ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَضُرُّ. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ) فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، أَوْ (فِي) سَفَرٍ، (آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا حَضَرًا) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا وُجِدَا فِي السَّفَرِ، فَأَشْبَهَ أَدَاءَهَا
فَإِنْ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، أَوْ قَضَى بَعْضَهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ
، (أَوْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَتُهُ لَهَا (بِمُنْتَهَى قَصْدِهِ بِلَا نِيَّةِ إقَامَةِ عِشْرِينَ صَلَاةٍ) فَأَكْثَرَ (لَا يَدْرِي مَتَى تَنْقَضِي) ، فَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَنْقَضِي فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ أَتَمَّ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ ظَنَّ أَنْ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْقَصْرِ؛ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ. (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ) حُبِسَ (بِنَحْوِ مَرَضٍ) كَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ (وَمَطَرٍ)، أَيْ: فَيَقْصُرُ أَبَدًا؛؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ مَعْمَرٌ بِرِوَايَتِهِ مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ مُرْسَلًا.
«وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ أَقَامَ
بِهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ أَنَسٌ: «أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِرَامِ هُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ، وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يُجْمِعْ، أَيْ: مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَيَنْوِيهَا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ "، فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ؛ لَمْ يَقْصُرْ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ:" يَقْصُرُ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا، شَهْرًا " وَ " عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَ (لَا) يَقْصُرُ مَنْ حُبِسَ (بِأَسْرٍ) عِنْدَ الْعَدُوِّ تَبَعًا لِإِقَامَتِهِمْ كَسَفَرِهِمْ، (أَوْ نَوَى إقَامَةً بِشَرْطِ لُقِيِّ غَرِيمِهِ)، كَأَنْ يَقُولَ: إنْ لَقِيت فُلَانًا بِهَذَا الْبَلَدِ؛ أَقَمْت فِيهِ، (وَإِلَّا فَلَا) ، فَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ؛ فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةَ، وَإِنْ لَقِيَهُ بِهِ: صَارَ مُقِيمًا لِاسْتِصْحَابِهِ حُكْمَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ، إنْ لَمْ يَكُنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْأَوَّلِ قَبْلَ لِقَائِهِ، أَوْ حَالَ لِقَائِهِ، فَإِنْ فَسَخَهَا إذَنْ، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ لِقَائِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ نَوَى إقَامَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَصْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ السَّفَرُ قَبْلَ إتْمَامِهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ حَتَّى يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ.
(أَوْ) نَوَى إقَامَةً لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ (بِبَلَدٍ دُونَ مَقْصِدِهِ بِنِيَّةٍ)، أَيْ: بَلَدِ إقَامَتِهِ الْمَذْكُورَةِ (وَبَيْنَ بَلَدِ نِيَّتِهِ الْأُولَى دُونَ الْمَسَافَةِ) ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا، وَتِلْكَ الْإِقَامَةُ لَا أَثَرَ لَهَا.
(وَلَا يَتَرَخَّصُ مَلَّاحٌ)، أَيْ: صَاحِبُ سَفِينَةٍ (مَعَهُ أَهْلُهُ) فِي السَّفِينَةِ (أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ إقَامَةٍ بِبَلَدٍ) نَصًّا،