الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ إذَا شُرِعَ فِي غُسْلِهِ وَجَبَ سَتْرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ]
(فَصْلٌ)(وَإِذَا أُخِذَ)، أَيْ: شُرِعَ (فِي غُسْلِهِ؛ وَجَبَ سَتْرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ) ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ:«لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فِي غَيْرِ مَنْ) سِنُّهُ (دُونَ سَبْعِ) سِنِينَ، فَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ مُجَرَّدًا. (وَسُنَّ تَجْرِيدُهُ)، أَيْ: الْمَيِّتِ (مِنْ ثِيَابِهِ) لِلْغُسْلِ.
لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ، وَأَصْوَنُ لَهُ مِنْ التَّنْجِيسِ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ:" أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ لَا؟ "(إلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) فَإِنَّهُمْ " لَمَّا اخْتَلَفُوا: هَلْ يُجَرِّدُونَهُ أَوْ لَا؟ أَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ غَسِّلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ. فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ. يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيُدَلِّكُونَ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ فَضَلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم كُلَّهَا طَاهِرَةٌ.
فَلَمْ يُخْشَ تَنْجِيسُ قَمِيصِهِ.
(وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ)، أَيْ: الْمَيِّتِ حَالَ الْغُسْلِ (عَنْ الْعُيُونِ)
لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَسْتُرُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ تَظْهَرُ عَوْرَتُهُ (تَحْتَ سِتْرٍ أَوْ سَقْفٍ) فِي خَيْمَةٍ أَوْ بَيْتٍ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلِئَلَّا يَسْتَقْبِلَ بِعَوْرَتِهِ السَّمَاءَ.
(وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي غُسْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَى حُضُورِهِ (غَيْرَ وَلِيٍّ) ، فَلَهُ
الدُّخُولُ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. (وَ) كُرِهَ (تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ) نَصًّا وِفَاقًا. (وَ) كُرِهَ (نَظَرٌ) إلَى (بَقِيَّةِ بَدَنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَوْ غَاسِلًا) فَلَا يُنْظَرُ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّ جَمِيعَهُ صَارَ عَوْرَةً) إكْرَامًا لَهُ، (فَلِذَا شُرِعَ سَتْرُ جَمِيعِهِ) بِالْكَفَنِ. (انْتَهَى) .
قَالَ: فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (ثُمَّ يَرْفَعُ) غَاسِلٌ (فِي أَوَّلِ غُسْلِ رَأْسِ) مَيِّتٍ، (غَيْرِ حَامِلٍ إلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ) ، بِحَيْثُ يَكُونُ كَالْمُحْتَضَنِ فِي صَدْرِ غَيْرِهِ. (وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ) لِيَخْرُجَ الْمُسْتَعِدُّ لِلْخُرُوجِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي الْغُسْلِ، فَتَكْثُرُ النَّجَاسَةُ، (وَيَكُونُ ثَمَّ)، أَيْ: هُنَاكَ (بَخُورٌ) - بِوَزْنِ رَسُولٍ - دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِرَائِحَةِ الْخَارِجِ، (وَيَكْثُرُ صَبُّ مَاءٍ حِينَئِذٍ) ، لِيَدْفَعَ مَا يَخْرُجُ بِالْعَصْرِ، وَالْحَامِلُ لَا يُعْصَرُ بَطْنُهَا، لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْوَلَدُ، وَلِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ مَرْفُوعًا «إذَا تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، فَأَرَادُوا غُسْلَهَا: فَلْيُبْدَأْ بِبَطْنِهَا، فَلْتُمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى. وَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلَا تُحَرِّكْهَا» رَوَاهُ الْخَلَّالُ. (ثُمَّ يَلُفُّ) الْغَاسِلُ (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا) أَيْ: الْخِرْقَةِ.
كَمَا تُسَنُّ بَدَاءَةُ الْحَيِّ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، (وَالْأَوْلَى لِكُلِّ فَرْجٍ خِرْقَةٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ خِرْقَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ، لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا أَنْ تُغْسَلَ.
(وَيَجِبُ غُسْلُ نَجَاسَةٍ بِهِ)، أَيْ: الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِغُسْلِهِ تَطْهِيرُهُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْمُخْرَجِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الِاسْتِجْمَارُ. (وَ) يَجِبُ (أَنْ لَا يَمَسَّ عَوْرَةُ مَنْ بَلَغَ سَبْعًا) مِنْ السِّنِينَ، لِأَنَّ الْمَسَّ أَعْظَمُ مِنْ النَّظَرِ.
كَحَالِ الْحَيَاةِ.
وَرُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا حِينَ غَسَّلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً حِينَ غَسَلَ فَرْجَهُ "
ذَكَرَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ. (وَإِنْ) كَانَ (مَحْرَمًا) مِنْ الْمَيِّتِ.
كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ يُمْكِنُ بِدُونِ مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ. (وَسُنَّ أَنْ لَا يُمَسَّ) الْغَاسِلُ (سَائِرُهُ)، أَيْ: بَاقِي بَدَنِ الْمَيِّتِ (إلَّا بِخِرْقَةٍ)، لِفِعْلِ عَلِيٍّ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَحِينَئِذٍ يَعُدُّ الْغَاسِلُ ثَلَاثَ خِرَقٍ: خِرْقَتَيْنِ لِلسَّبِيلَيْنِ، وَخِرْقَةٍ لِبَقِيَّةِ بَدَنِهِ، (ثُمَّ يَنْوِي) الْغَاسِلُ (غُسْلَهُ) فَقَطْ، أَيْ: دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ، أَوْ رَفْعِ حَدَثِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ تَعَبُّدِيٌّ، فَإِنْ عَلِمَ الْغَاسِلُ بِجَنَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا: نَوَاهُمَا جَمِيعًا، (وَيُسَمِّي) وُجُوبًا، وَتَسْقُطُ سَهْوًا كَغُسْلِ الْحَيِّ. (وَسُنَّ أَنْ يُدْخِلَ) الْغَاسِلُ بَعْدَ غُسْلِ كَفَّيْ الْمَيِّتِ نَصًّا ثَلَاثًا (إبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ، عَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ مَبْلُولَةٌ بِمَا بَيْنَ شَفَتَيْهِ)، أَيْ: الْمَيِّتِ (فَيَمْسَحُ) بِهَا (أَسْنَانَهُ، وَ) يُدْخِلُهُمَا (فِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) ، فَيَقُومُ مَقَامَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ) اسْتِحْبَابًا كَامِلًا، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ:«ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَكَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (وَلَا يُدْخِلُ) غَاسِلٌ (مَاءً فِي أَنْفِهِ وَ) لَا (فَمِهِ)، أَيْ: الْمَيِّتِ خَشْيَةَ تَحْرِيكِ النَّجَاسَةِ بِدُخُولِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ، (ثُمَّ يُضْرَبُ نَدْبًا نَحْوَ سِدْرٍ) ، كَخِطْمِيٍّ، (فَيُغْسَلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ فَقَطْ، فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَلِهَذَا جُعِلَ كَشْفُهُ شِعَارَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الشَّرِيفَةِ.
وَالرَّغْوَةُ تُزِيلُ الدَّرَنَ.
وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ، فَنَاسَبَ أَنْ تُغْسَلَ بِهَا اللِّحْيَةُ، لِتَزُولَ الرَّغْوَةُ بِمُجَرَّدِ جَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ تَفْلِ السِّدْرِ، (ثُمَّ يُغْسَلُ بِمَاءٍ بَارِدٍ، فَيُكْرَهُ) مَاءٌ (حَارٌّ) ؛ لِأَنَّهُ يُرْخِي الْجَسَدَ، فَيُسْرِعُ الْفَسَادُ إلَيْهِ، وَالْمَاءُ الْبَارِدُ يُصْلِبُهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ الْفَسَادِ. (شِقَّهُ الْأَيْمَنَ بِتَفْلِ) السِّدْرِ (مِنْ
رَأْسِهِ لِرِجْلِهِ) ، يُبْدَأُ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ إلَى الرِّجْلِ، (ثُمَّ) يُغْسَلُ شِقَّهُ (الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ)، لِحَدِيثِ:«ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» وَكَغُسْلِ الْحَيِّ، وَلَا يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَيُغْسَلُ ظَهْرُهُ وَوَرِكُهُ، وَهُوَ عَلَى جَنْبِهِ، (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَعُمَّهُ الْغُسْلُ، (وَيُثَلِّثُ ذَلِكَ)، أَيْ: يُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا (نَدْبًا) كَغُسْلِ الْحَيِّ، (فَيُكْرَهُ اقْتِصَارٌ فِي غُسْلٍ عَلَى مَرَّةٍ)، «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» ، (وَلَا يُعَادُ وُضُوءٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ) ، إنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ، (يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ) بِرِفْقٍ إخْرَاجًا لِمَا تَخَلَّفَ، وَأَمْنًا مِنْ فَسَادِ الْغُسْلِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدُ، (وَلَا يَجِبُ فِعْلُ ذَلِكَ)، أَيْ: مُبَاشَرَةُ الْغُسْلِ كَالْحَيِّ، (فَلَوْ تُرِكَ) الْمَيِّتُ (تَحْتَ نَحْوِ مِيزَابٍ، وَحَضَرَ أَهْلٌ) يَصْلُحُ (لِغُسْلِهِ) وَهُوَ: الْمُسْلِمُ الْمُمَيِّزُ، (وَنَوَى) غُسْلَهُ وَسَمَّى، (وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ غُسْلُهُ فِيهِ) ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَاءَ عَمَّهُ؛ (كَفَى) فِي أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَيِّتُ (بِثَلَاثِ) غَسَلَاتٍ؛ (زَادَ إلَى سَبْعِ) غَسَلَاتٍ، (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ، (فَالْأَوْلَى غَسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى) ، لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ (مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ وُضُوءٍ) ، فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى خَاصَّةً، (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا (بَعْدَ الثَّلَاثِ؛ أُعِيدَ وُضُوءُهُ) وُجُوبًا، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَتَبِعَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": لِتَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً. (وَوَجَبَ غُسْلُهُ كُلَّمَا خَرَجَ) مِنْهُ شَيْءٌ (إلَى سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِغُسْلِهَا مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ النَّجَاسَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ إعَادَةِ غُسْلِهِ، (وَلَوْ خَرَجَ)
شَيْءٌ (مِنْ غَيْرِ سَبِيلٍ) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَهَا)، أَيْ: السَّبْعِ شَيْءٌ؛ (حُشِيَ) مَحَلُّ الْخُرُوجِ (بِقُطْنٍ) أَوْ مُلْجَمٍ بِهِ.
كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ) بِالْحَشْوِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ؛ (فَ) يُحْشَى (بِطِينٍ حَرٍّ) خَالِصٍ، يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ تَمْسِكُ الْمَحَلِّ لِيَمْنَعَ الْخَارِجَ، (ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ بِالْخَارِجِ وُجُوبًا، (وَيُوَضَّأُ وُجُوبًا) ، كَجُنُبٍ أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ، (وَلَا غُسْلَ) بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَإِنْ خِيفَ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ مَنَافِذِ وَجْهِهِ) كَفَمِهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنِهِ؛ (فَلَا بَأْسَ أَنْ تُحْشَى بِقُطْنٍ) وَنَحْوِهِ، (وَإِنْ خَرَجَ) مِنْهُ (شَيْءٌ) قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ (بَعْدَ تَكْفِينِهِ وَلَفِّهِ؛ لَمْ يُعَدْ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ مُطْلَقًا)، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّابِعَةِ أَوْ قَبْلَهَا، قَلِيلًا كَانَ الْخَارِجُ أَوْ كَثِيرًا، دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ، وَتَطْهِيرِ اللِّفَافَةِ وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا، فَيَتَأَخَّرُ دَفْنُهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلٌ بَعَدِهِ، وَإِنْ وُضِعَ عَلَى الْكَفَنِ، وَلَمْ يُلَفَّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ أُعِيدَ غُسْلُهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ
(وَسُنَّ قَطْعُ) عَدَدِ غَسَلَاتِهِ (عَلَى وِتْرٍ) ، لِحَدِيثِ «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» ، (وَ) سُنَّ (جَعْلُ كَافُورٍ وَسِدْرٍ فِي غَسْلَةٍ أَخِيرَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْكَافُورَ يَصْلُبُ الْجَسَدَ، وَيُبَرِّدُهُ وَتَطْرُدُ رَائِحَتُهُ الْهَوَامَّ، وَلِحَدِيثِ «اجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْرِمًا، فَيُجَنَّبُ الْكَافُورُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الطِّيبِ.
(وَ) سُنَّ (خِضَابُ لِحْيَةِ رَجُلٍ وَرَأْسِ امْرَأَةٍ بِحِنَّاءٍ وَقَصُّ شَارِبِ غَيْرِ مُحْرِمٍ، وَتَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ إنْ طَالَا)، أَيْ: الشَّارِبُ وَالْأَظْفَارُ (وَأَخْذُ شَعْرِ إبِطَيْهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَنْظِيفٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ عُضْوٍ، أَشْبَهَ إزَالَةَ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَيُعَضِّدُهُ عُمُومَاتُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ. (وَجَعَلَهُ)، أَيْ: الْمَأْخُوذَ مِنْ شَعْرٍ وَظُفْرٍ (مَعَهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - فِي كَفَنِهِ بَعْدَ إعَادَةِ غُسْلِهِ (نَدْبًا كَعُضْوٍ أَصْلِيٍّ سَقَطَ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ:" تُغْسَلُ رَأْسُ الْمَيِّتَةِ؛ فَمَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِهَا فِي أَيْدِيهِمْ غَسَلُوهُ؛ ثُمَّ رَدُّوهُ فِي رَأْسِهَا "؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دَفْنُ ذَلِكَ مِنْ الْحَيِّ، فَالْمَيِّتُ أَوْلَى، وَتُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ إنْ قُطِعَتْ بِالتَّغْمِيطِ وَالطِّينِ الْحُرِّ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، وَمَا فُقِدَ مِنْهَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ شَكْلٌ مِنْ طِينٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(وَحَرُمَ حَلْقُ رَأْسِ) مَيِّتٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ لِنُسُكٍ أَوْ زِينَةٍ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُمَا. (وَ) حَرُمَ (أَخْذُ) شَعْرِ (عَانَةٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلَا يُرْتَكَبُ لِمَنْدُوبٍ. (كَ) مَا يَحْرُمُ (خَتْنُ) مَيِّتٍ أَقْلَفَ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ بَعْضِ عُضْوٍ مِنْهُ، وَقَدْ زَالَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ. (وَكُرِهَ خِلَالٌ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِشَيْءٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، (وَ) كُرِهَ (إشْنَانٌ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ) لِوَسَخٍ كَثِيرٍ بِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَيَكُونُ الْخِلَالُ إذَنْ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ.
(وَ) كُرِهَ (تَسْرِيحُ شَعْرِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - رَأْسًا كَانَ أَوْ لِحْيَةً، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا مَرَّتْ بِقَوْمٍ يُسَرِّحُونَ شَعْرَ مَيِّتٍ فَنَهَتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ " أَيْ: تُسَرِّحُونَهُ. (وَسُنَّ أَنْ يُظَفَّرَ، شَعْرُ أُنْثَى ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَسَدْلُهُ)، أَيْ: إلْقَاؤُهُ (وَرَاءَهَا) نَصًّا، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ:" فَظَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ (تَنْشِيفُ) مَيِّتٍ بِثَوْبٍ.
كَمَا فُعِلَ بِهِ عليه الصلاة والسلام وَلِئَلَّا يَبْتَلَّ كَفَنُهُ فَيَفْسُدَ.
وَلَا يُنَجِّسُ مَا نُشِّفَ بِهِ.
(وَقِيلَ لِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: الْعَرُوسُ تَمُوتُ فَتُجْلَى، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا) ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ تُهَيِّجُ الْمُصِيبَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ)، أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي حَمَّامٍ) نَصًّا كَحَيٍّ
(وَ) لَا بَأْسَ بِ (مُخَاطَبَةِ غَاسِلٍ لَهُ حَالَ غُسْلِهِ بِنَحْوِ: انْقَلِبْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ)، لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم مَا يَجِدُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَوْتَى:" يَا رَسُولَ اللَّهِ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا " وَقَوْلِ الْفَضْلِ وَهُوَ مُحْتَضِنُهُ عليه الصلاة والسلام: " أَرْضِي أَرْضِي، فَقَدْ قَطَعْت وَتِينِي، إنِّي أَجِدُ شَيْئًا يَنْزِلُ عَلَيَّ " وَالْوَتِينُ: عِرْقٌ فِي الْقَلْبِ إذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ.
(وَمُحْرِمٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مَيِّتٌ كَ) مُحْرِمٍ (حَيٍّ) فِيمَا يُمْنَعُ مِنْهُ، (يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ لَا طِيبَ فِيهِ) وَلَا كَافُورَ، (وَلَا يَلْبَسُ ذَكَرٌ الْمِخْيَطَ) نَحْوَ قَمِيصٍ، (وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ)، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (وَلَا) يُغَطَّى (وَجْهُ أُنْثَى) مُحْرِمَةٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي مُحْرِمٍ مَاتَ:«اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِهِ) .
أَيْ: الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ، كَتَطْيِيبِهِ وَإِلْبَاسِهِ الْمِخْيَطَ وَنَحْوَهُ، (وَلَا تُمْنَعُ مُعْتَدَّةٌ) مَاتَتْ غَيْرَ مُحْرِمَةٍ (مِنْ طِيبٍ) ، لِسُقُوطِ الْإِحْدَادِ بِمَوْتِهَا.
(وَتُزَالُ اللَّصُوقُ) بِفَتْحِ اللَّام - أَيْ: مَا يُلْصَقُ عَلَى الْبَدَنِ، يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ لِيَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ كَالْحَيِّ. (وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ)، أَيْ: الْمَيِّتِ (شَيْءٌ) بِإِزَالَةِ لَصُوقٍ، (بَقِيَتْ وَمُسِحَ عَلَيْهَا) كَجَبِيرَةِ حَيٍّ. (وَيُزَالُ نَحْوُ خَاتَمٍ) كَسِوَارٍ وَحَلْقَةٍ (وَلَوْ بِبُرْدِهِ) ، لِأَنَّ تَرْكَهُ مَعَهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ، وَ (لَا) يُزَالُ (أَنْفٌ مِنْ ذَهَبٍ) .
لِمَا فِيهِ مِنْ