الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفورا} [الفرقان: 50]، وقوله:{ويأبى الله إلا أن يتم نوره} [التوبة: 32]، وكقوله تعالى:{عاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} [يوسف: 79]، فهذا استثناء مفرغ لأن معناه لا نأخذ، إلا من وجدنا متاعنا عنده.
القصر في الاستثناء المفرغ:
الاستثناء المفرغ يفيد القصر، فإذا قلت (ما حضر إلا خالد) فقد نفيت الحضور كله، إلا حضور خالد بخلاف ما لو قلت (حضر خالد) فإنه يجوز أن يكون حضر معه غيره، جاء في (المقتضب): " وإنما احتجت إلى النفي والاستثناء لأنك إذا قلت (جاءن زيد) فقد يجوز أن يكون معه غيره، فإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) نفيت المجيء كله إلا مجيئه (1).
وقال ابن يعيش: " وفائدة الاستنثاء في قولك: ما قام إلا زيد إثبات القيام له، ونفيه عمن سواه، ولو قلت (قام زيد) لا غير لم يكن فيه دلالة على نفيه عن غيره"(2).
والحقيقة أن (إلا) سواء كانت في التفريغ أم في غيره تفيد الاختصاص، فإذا قلت:(قام الرجال إلا خالدا) فقد أثبت القيام لجميع الرجال، ونفيته عن خالد حصرا، وإذا قلت (ما قام إلا خالد) فقد نفيت القيام عن كل أحد وأثبته لخالد حصرا، قال الرماني:" معنى (إلا) اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره، فإذا قلت (جاءني القوم إلا زيدا) فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجيء ولذا قلت (ما جاءني إلا زيدا) فقد اختصصته بالمجيء، وإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشيء والعدو ونحوه"(3).
غير أن القصر في التفريغ أعم وأشمل، وذلك إذا قلت (ما حضر الرجال إلا خالدا) فقد استثنيت حضور خالد من الرجال، وقد يكون أطفال أو نساء فإن قلت:(ما حضر إلا خالد) فقد نفيت كل حضور غير حضوره، ولذا لا يصح أن نقول (حضر إلا خالدا)
(1) انظر الرضي 1/ 255، التصيح 1/ 349، الأشموني 2/ 144
(2)
المقتضب 4/ 389
(3)
البرهان 4/ 241
لأنه على ذلك يكون معناه أنه حضر كل من يمكن حضوره في الدنيا من رجال ونساء وأطفال وغيرهم، إلا خالدا، وهو غير صحيح، فإنه يمكن أن لا يجيئك إلا واحد، ولكن يمتنع أن يأتيك أهل الدنيا كلهم إلا واحدا.
فالقصر في التفريغ اعم وأشمل.
والقصر له اساليب وأدوات، فقد يكون القصر بـ (إنما) نحو (إنما أنتَ مبطل). وقد يكون بالنفي والاستثناء نحو (ما أنت إلا شاعرٌ). وقد يكون بحرف العطف، نحو:{أقبل محمد لا خالد)، وقد يكون بتقديم ما حقه التأخير نحو: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]، و (محمد أكرمت).
وقد مر (القصر) بـ (إنما) في الأحراف المشبة بالفعل، ومر القصر بالتقديم في المبتدأ والخبر وفي المفعول به، وقد عرفنا أن القصر بإنما يكون لما هو ظاهر مما لا ينكره المخاطب، أو ما نزل هذه المنزلة نحو (إنما هو أخاك) {إنما نح مصلحون} [البقرة: 11]، ويحسن وقوعها في التعريض كقوله تعالى:{إنما يتذكر أولوا الألباب} [الرعد: 19].
وأما القصر بالفي والاستثناء فإنما يكون لما ينكره المخاطب كأن تقول (ما ضر به إلا قاسم) إذا كان المخاطب ينكر أن يكون الضارب قاسمًا جاء في (نهاية الإيجاز) أن قولهم ما هو إلا كذاب، وإن هو إلا كذاب إنما يستعمل في الأمر الذي ينكره المخاطب، أو ما ينزل هذه المنزلة وإذا كان كذلك فلا يصح استعمال هذه العبارة في الأمر الظاهر، فلا تقول للرجل الذي ترققه على أخيه، وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم (ما هو إلا أخوك).
مثال الأول إذا رأيت شخصا من بعيد فقلت (ما هو إلا زيد) لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه غير زيد ويجد في إنكار أنه زيد" (1).
(1) نهاية الإيجاز (152)، وانظر الإيضاح 123، شرخ المختصر 85
وأما القصر بالعطف نحو (جاء محمد لا خالد) فإنما يكون بين أمرين، أو أمور تثبت بعضها منها، وتنفي بعضا فقولك (جاء محمد لا خالد) إنما ثبت فيه المجيء لمحمد ونفيته عن خالد، وأما قولك (ما جاء إلا خالد) فقد أثبت في المجيء لخالد ونفيته عمن سواه، فالقصر عن طريق النفي والاستثاء أعم، فالبعطف تذكر أمورًا معينة، يكون الاثبات لبعضها والنفي لبعضها الآخر، فقولك (أكرمت محمدا لا سعدا) إنما ذكرت فيه شخصين فقط، أثبت الاكرام لأحدهما ونفيته عن الاخر، بخلاف قولك (ما أكرمت إلا محمدا) فقد نفيت الاكرام عن كل شخص إلا محمدا، فالقصر عن طريق النفي والاستثناء أعم وأشم.
وأما القصر بالتقديم فقد يكون لغير إنكار، أو دفع لإرادة تخصيص المتقدم بالحكم وقد يكون السامع لا ينكر هذا الأمر، كأن تقول (خالدا أكرمته) أي خصصته بالكرم والمخاطب لا ينكر هذا ولا يدفعه، قال تعالى:{إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وقال: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87]، فهذا لا يحسن المجيء بالنفي وإلا وإن كان المعنى على القصر، وذلك أن المعنى أنكم من الرسل على طريقتين أما أن تقتلوهم وإما أن تكذبوهم وهم لا ينكرون ذلك بما يقرونه، فهم خصوا فريقا بالتكذيب، وخصوا فريقا بالقتل.
ونحو قوله تعالى: {أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتسون ما تشركون} [الأنعام: 40 - 41]، فهم يقرون أنهم إذا أصابهم الضر خصوا ربهم بالدعاء، ونسوا ما يشركون.
وقد يكون الأمر يجهله المخاطب، وذلك كقوله (هو لانفسه ينصر ولا ابنه يزجر) أي هو لا يقدر أن يخص نفسه بنصر، ولا ابنه بزجر، وتقول (هو نفسه يظلم وصديقه يحرم).
وقد يكون التقديم لغرض التوجيه والتعليم، وليس من باب الرد على فعل أو اعتقاد، أي أن هذا الأمر ينبغي أن يكون مخصوصا بالمتقدم، وذلك كقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{وربك فكبر} [المدثر: 3]، أي خص ربك بالتكبير فهذا من باب التوجيه. والتعليم، وليس ردا على فعل أو اعتقاد بخلاف القصر بالاستثناء الذي فيه رد على إنكار وفيه قوة وتأكيد، وقد جاءه التوكيد والقوة من الرد على الإنكار. لأن المنكر يحتاج إلى قوة وتأكيد في الرد عليه ولذا يؤتى به في المواقف التي يحتاج إلى تأكيد كبير أو إلى رد على إنكار قال تعالى:{وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83]، فجاء به في مقام التوكيد والتغليظ وهو أخذ العهود المواثيق، وقال:{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} [هود: 88]، وهو على لسان شعيب عليه السلام، بعد أن أنكر عليه قوما قائلين:{قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87]، فرد على إنكارهم بالنفي والاستثناء، ومنه قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام ناعيا على الشرك وأهله:{أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله امر ألا تعبدون إلا إياه} [يوسف: 39 - 40]، فانظر كيف جاء بالحصر على طريقة النفي والاستثناء منكرا عليهم شركهم:{ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40].
وقد يكون التقديم لغير إرادة القصر بل لمجرد الاهتمام بخلاف الاستثناء المفرغ الذي لا يكون إلا للعصر وذلك نحو قوله تعالى: {ونوحا هدينا من قبل} [الأنعام: 84]، فإنه ليس معناه لم نهد إلا نوحا، ونحو قوله تعالى:{فأما اليتيم فلا تقهر: وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 9 - 10]، فإنه ليس على معنى القصر، وذلك لأنه على القصر يكون المعنى أنه منهي عن قهر اليتيم دون غيره من الخلق، فإنه يجوز له أن يقهر غير اليتيم، وينهر غير السائل، وهذا المعنى غير مراد، وإنما قدم ما قدم للاهتمام، وذلك لأن اليتيم ضعيف وأنه مظنة للقهر، وكذلك السائل فقدمهما للاهتمام بأمرها.