الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإما أن يكون المقصود به المتكلم نفسه وهو ما ذكره سيبويه في نحو قولهم (إياي والشر) أي لأحذر الشر فهو يحذر نفسه منه. قال الرضي: " وقوله عمر رضي الله تعالى عنه لجماعة (إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب بالعصا، وليذك لكم الأسل والرماح) يحتمل أمر المتكلم أي لأبعد نفسي عن مشاهدة حذف الأرنب، وأمر المخاطب أي بعدوني عن مشاهدة حذفه"(1).
وظاهر أن الكثير والشائع في التحذير أن يكون للمخاطب، ويصح أن يكون للمتكلم والغائب على قلة.
2 -
ذكر المحذر منه مكرر أو غير مكرر:
وذلك نحو النار، العقرب العقرب، الكذب والخيانة، فهذه ألفاظ محذر منها وردت مكررة وغير مكررة.
حذف فعله:
ذهب النحاة إلى أنه إذا كان أسلوب التحذير بـ (إيا) ففعله واجب الحذف مطلقا. سواء كررت أم لم تكرر، تقول:(إياك والكذب)، ولا يصح أن تقول:(إياك احذر والكذب) أو احذرك والكذب، وكذلك إذا كان بغير (إيا) إذا كان مكررا أو معطوفا نحو: النار النار، والكذب والخيانة، فإنه لا يصح أن تقول: إحذر النار النار، واحذر الكذب والخيانة (2) وأجاز بعضهم إظهار الفعل معه، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأجاز قوم ظهور الفعل مع هذا القسم نحو احذر الأسد الأسد وإياك إياك احذر، نظرا إلى تكرير المعمول للتأكيد لا يوجب حذف العامل، كقوله تعالى:{إذا دكت الأرض دكا دكا} [الفجر: 21].
(1) الرضي على الكافية 1/ 196
(2)
التصريح 2/ 192، ابن عقيل 2/ 87، حاشية الخضري 2/ 88، سيبويه 1/ 138 - 139
وإذا لم يكرر المعمول جاز إظهار عاملة اتفاقا (1).
وفي هذه المسألة بحث، فإنه عند جمهور النحاة أن حذف الفعل واجب في نحو قولك (إياك من المراء) و (إياك من الكذب) وفي نحو (الكذب والخيانة)، ولكن ألا يصح أن نقول: احذر من المراء، واحذر الكذب والخيانة؟ ألا يصح أن نقول:(احذرك من هذا الأمر) و (أحذرك العقوق والظلم)؟
إن هذه التعبيرات صحيحة بلا شك، وإذا حذفنا الفعل من هذه الجمل كانت من الجمل الواجبة حذف الفعل عند النحاة، فمثلا قولنا (احذرك من المراء) إذا حذفنا الفعل منه، كان (إياك من المراء) و (احذر من هذا الأمر) إذا حذفنا الفعل منه كان (إياك من هذا الأمر)، وإذا حذفنا الفعل من قولنا (احذرك الكذب والخيانة) قلنا (الكذب والخيانة)، فإذا كانت هذه الجمل مع ذكر الفعل صحيحة، فلماذا يقول النحاة أن الحذف واجب؟
أنه يصح أن تقول (احذرك من هذا الأمر) و (إياك من هذا الأمر) قال تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} [النور: 17]، فذكر فعل التحذير (يعظ) ولو حذفه لكان القول (إياكم ان تعوداو لمثله ابدا) وقال {إني اعظك ان تكون من الجاهلين} [هود: 46]، فذكر فعل التحذير، ولو حذفه لقال:(إياك أن تكون من الجاهلين)، قال:{واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام} [النساء: 1]، ولو حذفه لقال:(الله والأرحام) .. وقال: (قل أطيعوا الله والرسول)[آل عمران: 32]، ولو حذف فعل الأغراء لكان القول (الله والرسول). وقال {وأوفوا الكيل والميزان} [الأنعام: 152]، ولو حذف فعل الإغراء لقال: الكيل والميزان.
فهذه كلها من أساليب التحذير والإغراء الواجبة حذف الفعل عند النحاة، وقد ذكر الفعل معها فكيف يفسر قول النحاة بوجوب الحذف، مع أن الذكر وارد في القرآن الكريم وفي غيره؟
(1) الرضي 1/ 196، وانظر سيبويه 1/ 139، التصريح 2/ 195
ولا يذهب ذاهب إلى أن هناك فعلا بعينه، وهو الذي يلزم تقديره، بل كل ما يؤدي المعنى صح تقديره، قال سيبويه:(هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير) " وذلك قولك إذا كنت تحذر: (إياك) كأنك قلت: إياك نح، وإياك باعد، وإياك اتق، وما أشبه ذا (1).
وجاء فيه: " فإذا قلت: (إياك أن تفعل)، تريد إياك أعظ مخافة أن تفعل، أو من أجل أن تفعل جاز (2) ".
فقدر (أعظ) الذي ذكره القرآن الكريم.
قال الحفيد: " والحق أن يقال: لا يقتصر على تقدير باعد ولا على تقدير (احذر) بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض، إذ المقدر ليس أمرا متعبدا به لا يعدل عنه"(3).
ونعود إلى سؤالنا وهو: ما معنى قول النحاة أن الحذف واجب، في نحو قولك:(إياك أن تكذب) مع أنه يصح ان نذكر الفعل ونقول: أحذرك أن تكذب؟
والجواب أن (إيا) في هذا الباب كناية عن المنع والتحذير، والتبعيد عن الشيء معناها (بعد) او باعد، أو احذر أو احفظ نفسك، أو ق نفسك، ونحو ذلك من معنى التحذير، والكاف للخطاب، وهي بمعنى فعل التخذير نائبة عنه، وتسد مسده، وقد ذكر ذلك سيبويه، قال: وإياك بدل من اللفظ بالفعل، كما كانت المصادر كذلك، نحو: الحذر الحذر (4).
وقال ابن كيسان: وقد تكون إيا بمعنى التحذير (5).
ولو قال قائل هي اسم فعل بمعنى بعد، أو احذر، ونحو ذلك، كما قالوا في
(1) سيبويه 1/ 138
(2)
سيويه 1/ 140
(3)
حاشية الصبان 3/ 189، حاشية الخضري 2/ 88، وانظر ابن يعيش 2/ 25
(4)
سيبويه 1/ 139، وانظر لسان العرب - ايا 20/ 323
(5)
لسان العرب ايا 20/ 326
(دونك) بمعنى (خذ) و (رويد زيدا) بمعنى أمهله، و (عليك) بمعنى إلزم، و (إليك) بمعنى تنح لكان في قوله وجاهة.
وهي من حيث ذكر الفعل وعدمه نظيرة المصدر النائب عن فعل الأمر، في نحو قولنا (إقدامنا يا سعيد) فمعنى (إقداما) هنا معني فعل الأمر (إقدم) والنحاة يقدرون فعلا محذوفا واجب الحذف في نحو هذا، وهو هنا (أقدم) مع أنه يصح أن يقال:(أقدم اقداما يا سعيد) قال تعالى: {فاصبر صبرا جميلا} [المعارج /: 5]، وقال:{اهجرهم هجرا جميلا} [المزمل: 10]، وهو كما ترى نظير مسألتنا في التخذير.
يقول النحاة في التخذير: إياك من الكذب، الفعل واجب الحذب، وتقديره احذر، أو احفظ علما بأنه يصح أن نقول: احذرك من الكذب.
ويقولون في باب المفعول المطلق، اقداما يا سعيد، الفعل واجب الحذف، وتقديره اقدم مع أنه يصح أن نقول: أقدم إقداما يا سعيد.
فما تفسير هذا الأمر.
في مسألة المفعول المطلق إذا قلنا (إقداما يا سعيد) كان المصدر نائبا عن فعل الأمر ومعناه (أقدم يا سعيد) ولكن إذا قلنا (أقدم إقداما يا سعيد) تغير المعنى، وكان المصدر مؤكدا، وليس نائبا عن فعل الأمر.
وكذلك إذا قلت (صبرا جميلا يا فلان) فمعناه (إصبر) ولكن إذا قلت (إصبر صبرا جميلا) تغير المعنى، واصبح المصدر مبينا للنوع فقط، فإنه يصح ان تقول:(صبرا جميلا) وفعله واجب الحذف عند النحاة، ومعناه الأمر وهو نائب عن فعله، ويصح أن تقول (اصبر صبرا جميلا) لكن ليس بالمعنى الأول، فهنا صبرا ليست نائبة عن فعل الأمر، ولا بمعنى الأمر، وإنما هي ههنا مبنية فحسب، فالنحاة يقدرون في صبرا جميلا إصبر محذوفا وجوبا لضرورة تمشية الصناعة الإعرابية لأن كل منصوب لابد له من ناصب عندهم، ولو ذكرته لصح، لكن ليس بالمعنى الأول كما أوضحت.
وكذلك الأمر في التحذير فـ (إياك) في التحذير نائبة عن فعل التبعيد، والمنع، والتحذير ويقدرون لها فعلا معناه (احذر)، ونحو ولكن لو أظهرته لتغير المعنى، ولأصبح التحذير بالفعل المذكر لا بإياك، فلو قلت:(إياك من الكذب) كان التحذير بإياك وحده، ولو قلت (احذرك من الكذب) لكان التحذير بالفعل (احذر) لا بالضمير، وكذلك لو قلت (إياك احذر من الكذب) كان التحذير بالفعل لا بـ (إيا) وقدمت الضمير للاختصاص، وعند ذلك لا يكون (إيا) كناية التبعيد والمنع، ولا نائبا عن فعل التحذير، وإذا قلت (احذك إياك أن تفعل) كانت (إيا) ليست تحذيرا، وإنما هي بدل من ضمير الخطاب على رأي الجمهور، أو توكيد له على رأي آخرين، فأنت لا تذكر الفعل إذا كانت (إيا) تقوم مقام فعل التحذير ولو ذكرت الفعل كانت ضمير نصب غير مكني به عن التحذير.
والذي يدل على أن (إيا) في التحذير ليست مثلها في غير التحذير، ان بعض العرب قد تغير في (إياك) التي للتحذير، وتتصرف فيها بخلاف التي لغير التحذير، فتقول:(إياك) بفتح الهمزة، و (هياك) بإبدال الهمزة هاء، وذلك في التحذير فقط، جاء في (لسان العرب):" ومنهم من يجعل التحذير وغير التحذير مكسورا، ومنهم من ينصب في التحذير ويكسر ما سوى ذلك للتفرقة .. ، قال الفراء: والعرب تقول (هياك وزيدا) إذا نهوك، قال: ولا يقولون هياك ضرب"(1).
إنها طريقة من طرائق التعبير في المنع والتبعيد، إنك كما تقول في الأمر:
قم بالواجب، وقياما بالواجب.
اصبر على الحق، وصبرا على الحق، فتأمرة مرة بالفعل، ومره بالمصدر، وكما تقول: إلزم نفسك، وعليك نفسك خذ الكتاب ودونك الكتاب.
فتأمره مرة بالفعل، ومرة باسمه، كذلك تقول:
(1) لسان العرب (هيا) 20/ 325
أعظك أن تجهل، وإياك أن تجهل.
فالأول تحذير بالفعل، والثاني تحذير بالاسم، أو بالكناية.
ثم إن التحذير بـ (إيّا) هو منع عام بصيغة التبعيد المطلق، في حين ان التحذير بالفعل مقيد بمعنى ذلك الفعل فقولك (احذر) مقيد بمعنى فعل التحذير، و (أعظك) مراد منه الوعظ و (أنهاك) مراد به معنى النهي وهكذا.
وأما ما كان بغير (إيا) من المكرر والمعطوف، فحذف فعله واجب عند الأكثرين، وأما ما لم يكن مكررا فذكر فعله جائز كما سبق أن ذكرنا.
قالت سيبويه: " وإنما حذفوا الفعل في هذه الأشياء حين ثنوا (1) لكثرتها في كلامهم واستغناء بما يرون من الحال وبما جرى من الذكر، وصار المفعول الأول بدلا من اللفظ بالفعل حين صار عندهم مثل إياك .. ولو قلت (نفسك) أو رأسك، او الجدار كان إظهار الفعل جائزا نحو قولك اتق رأسك أو احفظ نفسك، واتق الجدار فلما ثنيت صار بمنزلة إياك (2) ".
وذكر غيره أن سبب الحذف هو أن الوقت يضيق عن ذكر غير المحذوف منه قال الرضي: " وحكمة اختصاص وجوب الحذف بالمحذر منه المكرر، وكون (3) تكريره دالا على مقارية المحذر منه للمحذر بحيث يضيق الوقت إلا عن ذكر المحذر منه على أبلغ ما يمكن، وذلك بتكريره، ولا يتسع لذكر العامل مع هذا المكرر وإذا لم يكن الاسم جاز إظهار العالم اتفاقا (4).
وقال: وإنما وجب الحذف في الأول والثاني [أي ما كان بذكر المحذر، والمحذر
(1) المعنى حين كرروا.
(2)
155 سيبويه 1/ 138 - 139
(3)
الراجح فيما يبدو زيادة الواو
(4)
الرضي على الكافية 1/ 196
ومنه وما كان بذكر المحذر منه ومكررا] لأن القصد .. أن يفرغ المتكلم سريعا من لفظ التحذير حتى يأخذ المخاطب حذره من ذلك المحذور، وذلك لأنه لا يستعمل هذه الألفاظ إذا إذا شارف المكروه أن يرهق" (1).
وجاء في (ملا جامي) في التحذير: " وإنما وجب حذف الفعل فيه لضيق الوقت عن ذكره"(2) وفي حاشية ملا جامي: " في كلا قسمي (3).التخذير ضيق وقت، وهو أضيق من القسم الثاني منه، ولهذا لا يذكر إلا المحذر منه"((4)
وجاء في (الإتقان) للسيوطي إن من دواعي الحذف " التنبيه على ان الزمان يتقاصر على الاتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والاغراء". (5)
والأمر عندي فيه تفصيل وهو أنه ليس كل مكرر واجب الحذف، ولا كل مفرد جائز الحذف، وإنما الأمر يعود على القصد والمعنى والمقام، فإذا كان ذكر اللفظ من المحذر والمحذر منه نائبا عن فعل التحذير مفهوما منه التحذير بما يرى من الحال، وكان المقام يضيق عن ذكر الفعل حذف فعله، ولا يذكر وكان المذكور يقوم مقام فعل التحذير، كما في (أيا) سواء كان مكررا، ام غير مكرر وإلا جاز ذكره.
وإيضاح ذلك أنك تقول لصاحبك (إحذر زيدا) ثم ترى أنه لم يسمع كلمة (زيد) أو ذهب إلى خالد، فتؤكد زيدا وهذه من فوائد التوكيد اللفظي، فتقول:(إحذر زيدا زيدا) فإذا كان زيدا قريبا منه، وهو له عدو ينوي قتله، وكان الوقت يضيق عن ذكر غير المحذر قلت: زيدا زيدا زيدا، ليست نائبة عن فعل التحذير بخلاف الثانية فإنها نائبة عنه ومفهمة معناه.
(1) الرضي على الكافية 1/ 197
(2)
ملا جامي 128
(3)
القسم الأول ما ذكر فيه المحذر نحو الأسد الأسد، والقسم الثاني ما ذكر فيه المحذر والمحذر منه نحو إياك والأسد ويدك والنار.
(4)
حاشية ملا جامي 128
(5)
الاتقان 2/ 57، معترك الأقران 1/ 305
قال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1]، فذكر فعل التحذير لأن لفظ الجلالة لم يقم مقام التحذير، ولأن هناك سعة من الوقت ولو حذف لقال (الله والأرحام). وعلى مقتضي قول النحاة أن هذا واجبة الحذف، لأنها معطوفة، والحق ما ذكرت، وهو أنه إذا كان المذكور مفيدًا للتحذير من مجرد ذكره، وأنه نائب عن فعل التحذير وكان الزمان يتقاصر عن ذكر الفعل حذف وجوبا، نحو (الحية والعقرب)، وإن لم يكن كذلك ذكرت، فتقول:(احذر الحية والعقرب) وهذا كما يكون في المكرر والمعطوف يكون في المفرد.
ومثله الإغراء قال تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول} {آل عمران: 23} ، فذكر فعل الإغراء مع العطف لأن الاسم المذكور. لم يقم مقام فعل الإغراء.
وقال: {وأوفوا الكيل والميزان} [الأنعام: 152] فذكر الفعل لما ذكرت.
وخلاصة الأمر في هذا الباب أن لك أن تقول: إياك أن تفعل واحذرك ان تفعل وإياك أحذر أن تفعل واحذرك إياك أن تفعل، فكل ذلك جائز ولكل قصد ومعنى، فإذا ذكرت إياك وحده كان مفيدا للتحذير بنفسه، وإذا ذكرت أي فعل معه كان التحذير بذلك لا بـ (إيا).
ولك أن تقول (الكذب) و (الكذب الكذب) و (الكذب والخيانة) و (رأسك والحائط) ولك أن تقول: (احذر الكذب) و (احذر الكذب الكذب) و (احذر الكذب والخيانة) و (امنع رأسك والجدار) فيكون التحذير في الجمل الأولى بما ذكرت من المحذر والمحذر منه، وفي الثانية يكون التحذير بالفعل، وإذا ذكرت الفعل معها لم تكن هذه نائبة عن فعل التحذير، ولا مفيدة له، بل يكون التحذير بما ذكرت من الفعل.
ففي كل هذه المسائل يجوز ذكر الفعل وعدمه، ولكن إذا أردت التحذير بالاسم نيابة عن الفعل حذفت الفعل ولم تذكره، وإذا اردت التحذير بالفعل ذكرت الفعل وخرجت الأسماء عن كونها للتحذير.