الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عشرون طالبة) ميزت فيه كلمة (طالبة) العدد وحده، أي زالت الإبهام الواقع في العدد، فهذا يسمى تمييز ذات أو تمييز مفرد.
وأما نحو (غزر محمد علما) فلا يزيل إبهامًا وقع في كلمة، فهو لا يزيل الإبهام عن (محمد) وإنما يزيل الإبهام عن غزارة محمد، فهذا يسمى تمييز نسبة.
وأكثر ما يكون تمييز النسبة محول عن فاعل، أو عن مفعول، وقيل عن غرهما أيضا وذلك نحو (غرز أخوك علما) والأصل (غرز علم أخيك) فحول الفاعل إلى تمييز، ونحو (أشعلت البيت نارا) والأصل (أشعلت نار البيت) فحول المفعول إلى تمييز، وقد يكون غير محول (1) نحو (ما أحس محمد فارسًا) و (ما أكرمه رجلا).
الغرض من التحويل:
وقد تقول: ما الغرض من تحول الفاعل أو المفعول إلى تمييز؟ وهل هناك اختلاف في المعنى بين قولنا (حسن محمد خلقا) و (حسن خلق محمد) مثلا؟
والجواب أنه لا يعدل من تعبير إلى تعبير، إلا يصحبه عدول من معنى إلى معنى كما ذكرنا في أكثر من مناسبة.
وأنه يعدل من الفاعل أو المفعول إلى التمييز لقصد الاتساع والشمول والمبالغة، وذلك نحو قولك (فاحت الحديقة عطرا) ونحو قوله تعالى:{واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، والأصل فاح عطر الحديقة، غير أن بينهما فرقا في المعنى، فقولك (فاح عطر الحديقة) معناه أن عطرًا في الحديقة فاح، وأما قولك (فاحت الحديقة عطرا) فمعناه أن الحديقة امتلأت عطرا ونحوه قوله تعالى:{واشتعل الرأس شيبا} قالوا أصله (اشتعل شيب الرأس)، إلا أن هناك شيبا في الرأس متفرقا اشتغل، وأما قوله تعالى:{واشتعل الرأس شيبا} فمعناه أن الرأس قد امتلأت بالشيب، ومثله (اضطرمت نار البيت) و (اضطرم البيت نارا) جاء في (دلائل الإعجاز): " ووازن هذا أنك تقول (اشتعل
(1) انظر قطر الندى 377، التصريح 1/ 397 - 398
البيت نارا) فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول:(اشتعلت النار في البيت) فلا يفيد ذلك بل يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبا منها، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة.
ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وفجرنا الأرض عيونا} [النجم: 12]، التفجير للعيون في المعنى أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وأنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجرى اللفظ على ظاهرة فقيل: وفجرنا عيون الأرض أو العيون في الأرض لم يفد ذلك ولم يدل عليه ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها" (1).
ومثله نحو (طاب محمد نفسا) و (حسن أخوك خلقا، وهو قريب من معنى الأولى في إفادة الشمول، فهناك فرق بين قولك (طابت نفس محمد) و (طابت محمد نفسا) ففي الأول اسندت الطيب إلى النفس مباشرة، وفي الثانية أسندته إلى محمد كله ثم خصصت النفس بالذكر فقد مدحته مرتين، مدحته كله بقولك (طاب محمد) ويدخل في ذلك نفسه، ثم خصصت النفس بالذكر فكنت تمدحه مرتين جاء في (شرح ابن يعيش) في نحو طاب زيد نفسا وتصبب عرقا، وتفقأ شحما أنه " لا يوصف زيد بالطيب، والتصبب والتفقؤ فعلم بذلك أن المراد المجاز، وذلك أنه في الحقيقة لشيء من سببه، وإنما أسند إليه مبالغة وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسندًا إلى جزء منه فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغ في المعنى، والتأكيد أنه لما كان يفهم منه السناد إلى ما هو أن تطيب نفسه بأن تنبسط ولا تنقبض، وأن يطيب لسانه بأن يعذب كلامه، وأن يطيب قلبه بأن
(1) دلائل الإعجاز 80، وانظر الكشاف 3/ 183، قوله تعالى:{وفجرنا الأرض عيونا} .