الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفعول فيه وهو المسمى ظرفا
.
يسمى النحاة البصريون المفعول فيه ظرفا، والظرف هو الوعاء التي توضع فيه الأشياء كالجراب، والعدل والأواني، وتسمى " ظرفا لأنه أوعية لما يجعل فيها، وقيل للأزمنة والأمكنة ظروف لأن الأفعال توجد فيها فصارت كالأوعية لها (1).
وهي تسمية مجازية، وذلك لأن الظرف في الحقيقة هو الوعاء ذو الحدود، المتناهي الأطراف، كالقارورة، والزير، والحب، وسائر الآنية، وليس هذا كذلك، فإن كلمة فوق، وتحت، وزمن، وحين، ليس لها حدود متناهية كالظروف الحقيقة، وإنما سميت بذلك لأن الأحداث تكون فيها، وهي تحتويها كما تكون الأشياء في الآنية، ويسميه الفراء محلا والكسائي وأصحابه صفة، ولعله باعتبار الكينونة فيه (2)، أي أن الشيء قد يكون متصفا بالفوقية والتحتية والبينية، وهي صفة له. فإن قلت:(هو فوقك) فقد اتصف بالفوقية، و (اقبل خلفك) أي اتصف بالخلفية وهكذا.
حده:
الظرف عند النحاة زمان، أو مكان ضمن معنى الظرفية باطراد، أو اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو اسم جار مجراه (3).
ويقصدون بالاسم الذي عرضت دلالته على إحداهما ما ينوب عن الزمان والمكان من مصدر او عدد او غيرهما، وبالاسم الجاري مجراه ألفاظا مسموعة، وتوسعوا فيها نحو قولك (أحقا أنك ذاهب) فحقا هنا جارية مجرى الظرف عند الجمهور.
(1) ابن يعيش 2/ 41
(2)
التصريح 1/ 337، حاشية الصبان 2/ 125، حاشية الخضري 1/ 196
(3)
انظر التصريح 1/ 337، الأشموني 2/ 125 - 126، ابن عقيل: 1/ 196
تضمن الظرف معنى في:
لا يسمى النحاة اسم الزمان ولا المكان ظرفا، حتى يتضمن معنى (في) الظرفية، وذلك نحو (سرت يمينك) فالسير كان في جهة اليمين، ونحو (قدمت صباح اليوم)، فالقدو كان في الصباح، أي كان اليمين ظرفا للسير احتواه كاحتواء الوعاء للماء، والصباح كان ظرفا للقدوم أي وقع كما تحتوي الآنية ما فيها.
فإن لم يتضمن معنى (في) فلا يسميه النحاة ظرفا وذلك نحو قوله تعالى {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48]، فـ (يوما) ليس ظرفا لأن الإتقاء ليس واقعا فيه بل هو قبله، فكيف يكون ظرفا للاتقاء، وهو لم يقع فيه؟ ونحوه قوله تعالى:{وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} [مريم: 39]، فيوم الحسرة وهو يوم القيامة ليس ظرفا، لأن الإنذار ليس في يوم القيامة، وإنما هو قبل يوم القيامة، فلا يكون ظرفا له بل هو مفعول به، ونحوه لو قلت (أخاف يوم القيامة) فهو مفعول به، لا ظرف، لأن الخوف ليس واقعا في يوم القيامة بل قبله، فلو قلت (أخاف أعمالي يوم القيامة) كان ظرفا لأن الخوف واقع فيه، ونحوه لو قلت:(أتذكر يوم سافرنا قبل عامين) كان اليوم مفعولا به وليس ظرفا لأن الذكر واقع بعد يوم السفر لا فيه. ولو قلت (اذكرني يوم سفرك) كان ظرفا، ونحوه قوله تعالى:{إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26]، فالنسيان ليس في الحسبان بل قبله، فهو ليس ظرفا له. ونحوه أن تقول (نسيت يوم السفر)، فهو ليس ظرفا، ولكن لو قلت (نسيت الكتاب يوم السفر) كان ظرفا لأن النسيان وقع في يوم السفر.
ومما لا يتضمن معنى (في) قولك (يومنا مشرق)، فإنك لم تذكر حدثا وقع فيه، وإنما هو مبتدأ، ونحوه أن تقول (ذهب وقت الشباب بما فيه) فإنه فاعل وليس متضمنا معنى (في) لأن الوقت هو الذي ذهب، لا أن شيئا ذهب فيه، جاء في (التصريح): "وخرج عن الحد .. نحو {يخافون يوما} [النور: 37]، من أسماء الزمان نحو {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]، من أسماء المكان فإن (يوما) و (حيث) وإن كانا من
أسماء الزمان والمكان، فليسا ظرفين فإنهما ليسا على معنى (في) إذ ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم، والعلم واقع في ذلك المكان، وإنما المراد أنهم يخافون نفس اليوم، وإن الله يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة، فانتصابهما على المفعول به، لأن الفعل واقع عليهما لا فيهما (1).
وجاء في (المقتضب): "اعلم أن كل ظرف متمكن فالاخبار عنه جائز، وذلك قولك إذا قال قائل (زيد خلفك) أخبر عن (خلف) قلت: (الذي زيد فيه خلفك)، فترفعه لأنه اسم وقد خرج من أن يكون ظرفا، وإنما يكون ظرفا إذا تضمن شيئا نحو (زيد خلفك) لأن المعنى: زيد مستقر في هذا الوضع، والخلف مفعول فيه، فإن قلت (خلفك واسع) لم يكن ظرفا. ورفعت لأنك عنه تخبر"(2).
وجاء في (الكتاب): "هذا باب من ينتصب من الأماكن والوقت، وذلك لأنها ظروف تقع فيها الأشياء وتكون فيها، فانتصب لأنه موقوع فيها ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها .. وكذلك يعمل فيها ما بعدها وما قبلها"(3).
فإن صرح بـ (في) لم يسم ظرفا في الاصطلاح نحو (نحن في وقت طيب) و (جئت في الساعة الثالثة) ومعنى التضمن أن يكون الحرف مقدرا في الكلام، وإن لم يصح التصريح به أحيانا (4). فقد يمتنع التصريح بـ (في) وهو مع ذلك متضمن معنى (في) عند النحاة وذلك نحو قبل، وبعد، ومع، وإذا وفوق وتحت وإذ، فأنت تقول (الكتاب فوق المنضدة) ولا يصح أن تقول (في فوق المنضدة) ولكن المعنى أنه جاء في الزمان الذي سبق مجيء محمد، أو الذي بعده، وأن الكتاب حال في هذا المكان، فـ (قبل محمد) احتوي المجي، وكان ظرفا له لأن الحدث وقع فيه، و (فوق منضدة) احتوى الكتاب، وقد حل فيه، وهكذا.
(1) التصريح 1/ 399، وانظر الأشموني 2/ 126، ابن عقيل 1/ 196
(2)
المقتضب 3/ 102
(3)
سيبويه 1/ 201، انظر 1/ 114
(4)
انظر "حاشية الخضري" 1/ 196
ولا بد أن يذكروا أنه فضلة وإلا فنحو (انْطُلقَ يومان) و (سوفر يومُ الخميس) متضمن معنى (في) وليس ظرفا وإنما هو نائب فاعل.
ومعنى الاطراد هو ان تتعدي إليه سائر الأفعال، مع بقاء تضمنه لذلك الحرف (1). وإيضاح ذلك أنك تقول:(جلست فوق المنضدة) و (نمت فوق السرير) و (أكلت فوق السطح) و (بعت الحاجة فوق الحصان) و (صببت الماء فوق رأسه) فأنا نجد أن كلمة (فوق) تعدت إليها أفعال متعددة، وقد بقيت متضمن لمعنى (في)، بخلاف قولك (دخلت البيت) فالمعنى دخلت في البيت فـ (البيت) هنا متضمن معنى (في)، ولكنه غير مطرد في سائر الأفعال، فلا تقول (بعت البيت) بمعنى بعت في البيت ولا (أكلت البيت) بمعنى أكلت في البيت ولا (نمت البيت) بمعنى نمت في البيت، ولا (قرأت البيت) بعنى قرأت في البيت (2)، فالبيت لا يسمى ظرفا لأنه لا يتضمن معنى (في) باطراد أي في جميع الأفعال.
وعلى هذا يلزم إخراج أسماء المقادير من الظرفية، كالفرسخ والميل، فإنهما لا يطرد تعدي الأفعال إليها، وإنما تتعدى إليها أفعال السير خصوصا (3).
فإنك تقول (سرت ميلا) و (ركضت فرسخا) ولا تقول (بعت ميلا) ولا (جلست ميلا) ولا (نسيت ميلا).
كما يلزم أن يخرج نحو (جلست مجلس محمد) أي ما صيغ من أسماء المكان والزمان، فإنها لا تنصب على الظرفية إلا إذا تعدي إليها ما اجتمع معها من مادتها (4)، فلا يقال:(نمت مجلس محمد)، ولا (أكلت مجلس محمد) وهما مستثنيان عند النحاة.
(1) حاشية الخضري 1/ 196، الأشموني 2/ 126
(2)
انظر الأشموني 2/ 126
(3)
حاشية يس على التصريح 1/ 240
(4)
انظر حاشية الصبان 2/ 126
ونعود إلى تضمن الظرف معنى (في) فقد ذكرنا أن الظرف عند النحاة ما تضمن معنى (في) باطراد، وفي هذا نظر، فإن من الظرف ما لا يتضمن معنى (في) بل إذا قدرت هذا الحرف معه تغير المعنى وذلك نحو قوله:{يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} [البقرة: 96]، فإنه لا يصح أن تقول: يعمر في ألف سنة، لأن المعنى إنما هو يعمر ألف سنة، لا في ألف سنة، والفرق واضح بين المعنيين فإنك إذا قلت (عمرت الدار في سنتين) كان المعنى قد أنه استغرق لتعميرها مدة سنتين، وأما يعمر ألف سنة فمعناه يبقى ألف سنة، ونحو قوله تعالى:{قال قائل منهم كم لبثم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم} [الكهف: 19]، فليس المعنى أنه لبث في يوم أو في بعض يوم، ومثله أن تقول (جلست في القاعة خمسين دقيقة) فلا يصح أن يقال (في خمسين) وتقول:(سرت خمسة أميال) ولا يصح في خمسة اميال، ونحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) و (فعلت هذا في سبعة أيام) فإن معنى الجملة الأولى انني كررت الفعل سبعة أيام، ومعنى الثانية انه استغرق فعله سبعة أيام. ونحو قوله تعالى:{يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: : 20]، وقوله:{فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون} [فصلت 38]، فالأولى معناها يسبحون الأبد لا ينقطعون ولا يفترون، والثانية معناها أنهم يسبحون في هذين الوقتين كما تقول (أنام في الليل والنهار) أي في هذين الوقتين وأدرس في الليل والنهار، أي في هذين الوقتين، وليس التدريس مستمرا لا يفتر بحلاف قولك: أدرس الليل والنهار، فإن معناه الاستمرار، فإن الأولى جواب لمتى، والثانية جواب لكم، وما كان جواب (كم) لا يكون العمل فيه إلا متصلا بخلاف (متى)(1).
فليس الظرف إذن ما يتضمن (في) باطراد فحسب، فهذا النوع واحد من الظرف، وإنما الظرف على ثلاثة أقسام فما أرى:
1 -
معنى (في) أي ما حل فيه الحدث، وذلك نحو جئت يوم الخميس وسافرت يوم الجمعة.
(1) انظر كتاب سيبويه 1/ 110
2 -
ما دل على مدة أو مقدار زمان الحدث، أو مكانه وذلك نحو {سخرها عليهم سبع ليال} [الحاقة: 7]، {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} [البقرة: 96].
وسرت يومين، وسرت ميلين، وفسح له مد البصر، وانتظرني صلاة ركعتين أي مقدار زمان ذلك، أو مكانه.
3 -
ما دل على عدد أزمنة الحدث، أو أمكنته نحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) أي تكرر الحدث في سبعة أيام فهذا ليس مبينا لمدة الحدث وإنما لعدد أزمنة الحدث، ونحو (جلست خمسة مجالس) أي تكرر الحدث في خمسة أمكنة، قال تعالى:{وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} [الجن: 9].
والذي ينطبق عليه حد النحاة هو القسم الأول، وأما الثاني والثالث لا ينطبق عليها الحد، ولذا نرى أن الأولى أن يحد الظرف بما يأتي:" اسم فضلة يدل على زمان، أو مكان وقوع الحدث، أو مقدارهما أو عددهما". فحد النحاة لا يشمل إلا ثلث المفعول فيه وهو القسم الأول.
وعند الكوفيين، أن ما يكون العمل في جميعه، نحو {سخرها عليه سبع ليال} [الحاقة: 7]، ونحو (جلست خمسين دقيقة) ليس ظرفا، وإنما هو ينتصب انتصاب المشبه بالمفعول " لأن الظرف عندهم ما انتصب على تقدير (في) وإذا عم الفعل الظرف لم يتقدر عندهم فيه (في) لأن (في) يقتضي عنده التبعيض، وإنما جعلوه مشبها بالمفعول لا مفعولا لأنهم رأوه ينتصب بعد الأفعال اللازمة، قال أبو حيان، وما ذهبوا إليه باطل لأنهم بنوه على أن (في) تقتضي التبعيض، وإنما هي للوعاء قال تعالى {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات} [فصلت: 16]، فأدخل (في) على الأيا والفعل واقع في جميعها بدليل {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} وقال:{فترى القوم فيها صرعى} فأدخل (في) على ضمير الأيام والليالي، مع أن الرؤية متصلة في جميعها (1).
(1) الهمع 1/ 198
ويمكن رد أبي حيان بأن الآية ذكرت الأيام منكرة والأيام النحسات كثيرة وأيام عاد منها فتكون للتبعيض.
ويرد الكوفيون بنحو قولنا (بنيت الدار في سبعة ايام) وقولنا (فعلت هذا في ساعتين) فإنها تفيد الاستغراق لا التبعيض، ومنه قوله تعالى:{إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54]
ونرى أن تسمية هذا الباب بـ (الزمان والمكان) أولى من تسمية الظرف لما ذكر في أول الباب.
وقد يرعض سؤال في هذا المجال فيقال:
قد نصرح بـ (في) أحيانًا وقد نسقطها في التعبير الواحد نحو (حضر ليلا) و (حضر في ليل) فهل هناك من فرق بينهما
وسنجمل طرفا من الاختلاف بينهما، وإن كنا قد ذكرنا قبل قليل طرفا من الخلاف بين التصريح بـ (في) وعدمه:
1 -
إن (في) تفيد الحلول نصا وحذفها ليس فيه تنصيص على الحلول، تقول: هو في السوق، والزيت في القارورة، وأكلت في الإناء فجعلت (في) هذه المحال ظروفا لما فيها، ولو حذفتها لم يفهم المعنى، فهي تجعل ما لا يصلح أن يكون ظرفا اصطلاحا صالحا للظرفية.
ونحوه أن تقول: (نحن في وقت طيب) و (نحن في زمن كله خير) ولا يصح إسقاطها فلا يصح ان تقول: (نحن وقتا طيبا وزمنا كله خير) لأنه ليس فيه تنصيص على الحلول.
2 -
قد يفيد ذكرها استمرار الحدث طوال الزمان المذكور، بخلاف حذفها نحو قولنا (فعلت هذا في سبعة ايام) و (فعلت هذا سبعة أيام) فإن ذكرها أفاد حلول الحدث في هذه الأزمنة، أي استغراق الحدث سبعة أيام، وأما حذفها فليس فيه هذا المعنى، بل المعنى الحدث تكرر في سبعة أيام.
3 -
قد يفيد ذكرها النص على توقيت الحدث وإما عدم الذكر فقد يفيد استمرار الحدث وعدم انقطاعه فالأول جوا (متى) والثاني جواب (كم).
وإيضاح ذلك أن الظرف على ضربين:
ما يصلح أن يكون جوابا لكم، وما يصلح أن يكون جوابا لمتى.
فما كان جوابا لكم استغرقه الحدث، أن إمكن ذلك " كما إذا قيل لك: كم سرت؟ فقلت شهرا. استغرق السير جميع الشهر ليله ونهاره، إلا أن تقصد المبالغة والتجوز وكذلك إذا قلت: شهر رمضان فإن لم يمكن استغراق الجميع، استغرق منه ما أمكن، كما تقول: شهرا في جواب كم صمت؟ وكم سريت؟ فالأول يعم جميع أيامه، والثاني جميع لياليه (1).
وجاء في (الهمع): " ما صلح أن يقع جوابا لكم، ولا يصلح أن يكون جوابا لمتى، هو ما كان موقتا غير معرف ولا مخصص بصفة، نحو ثلاثة أيام، ويومين فإنه يصلح أن يكون جواب (كم سرت؟ ) فهذا النوع يكون الفعل في جميعه، إما تعميما وإما تقسيطا، فإذا قلت: سرت يومين، أو ثلاثة أيام، فالسير واقع في اليومين: أو في الثلاثة من الأول إلى الآخر وقد يكون في كل واحد من اليومين أو الثلاثة وإن لم يعم من أول اليوم إلى آخره، ومن التعميم صمت ثلاثة أيام، ومن التقسيط: أذنت ثلاثة أيام، ومن الصالح لهما تهجدت ثلاث ليال، ولا يجوز أن يكون الفعل في أحد الأيام أو الليالي ..
وما صلح أن تقع جوابًا لمتى، فإن كان اسم شهر غير مضاف إليه لفظة شهر، فكذلك يكون الفعل واقعا في جميعه تعميما، أو تقسيطا، نحو سرت المحرم، وسرت صفر يحتمل الأمرين ..
وإن كان غير اسم شهر، فالعمل مخصوص ببعضه، نحو متى قدمت؟ فيقال: يوم الجمعة فيكون القدوم في بعضه، وكذا إن كان اسم شهر مضافا إليه لفظ شهر،
(1) الرضي على الكافية 1/ 201
فإنه يجوز أن يكون في بعضه، وفي جميعه نحو قدم زيد شهر رمضان، وصمت شهر رمضان .. وكذلك إذا كان جواب متى، الأبد، والدهر، والليل والنهار، مقرونة بالألف واللام فإنها مثل (رمضان) إذا لم يضف إليه شهر، يكون للتعميم، نحو سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد ولا يقال: لقيته الليل والنهار، وأنت تريد لقاءه في ساعة من الساعات، ولا لقيته الدهر والأبد وأنت تريد يومًا فيه، فإن قصدت المبالغة جاز إطلاقه على غير العام، نحو سير عليه الأبد تريد المبالغة مجازا لا تعميم السير في جميع الأبد.
وما سوى ما ذكر من جواب متى، إعلام الشهور غير المضاف إليها شهر، والأبد ونحوه، وذلك نحو اليوم والليلة، ويوم كذا، وليلة كذا، وأسماء الأيام، وأشباه ذلك يجوز فيه التعميم والتبعيض، إن صلح له، فالأول نحو قام زيد اليوم، والثاني نحو لقيت زيدا اليوم، وتجعلونها نحو سار زيد اليوم (1).
وجاء في (كتاب سيبويه): " ومما لا يكون العمل فيه من الظرف إلا متصلا في الظرف كله قولك سير عليه الدهر، والليل والنهار والأبد وهذا جواب لقوله: كم سير عليه؟ إذا جعله ظرفا لأنه يريد في كم سير عليه؟ فتقول مجيبا له: الليل والنهار، والأبد على معنى في الليل والنهار والأبد، ويدلك على أنه لا يجوز أن يجعل العمل في يوم دون الأيام، وفي ساعة دون الساعات، أنك لا تقول: لقيته الدهر، والأبد وأنت تريد يوما منه بعينه، ولا لقيته الليل وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات وكذلك النهار إلا أن تريد سير عليه الدهر أجمع، والليل كله على التكثير .. وإنما جاء هذا على جواب كم، لأنه حمله على عدة الأيام والليالي"(2).
(1) الهمع 1/ 197 - 198
(2)
سيبويه 1/ 110 - 111، وانظر الأصول لابن السراج 1/ 229
وأما ما كان جوابا لمتى، فالمراد به التوقيت قال سيبويه:" وأما متى فإنما تريد بها أن يوقت لك وقتا ولا تريد بها عددا فإنما الجواب فيه: اليوم أو يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا، أو الآن، أو حينئذ، وأشباه هذا"(1).
وقال: " هذا باب وقوع الاسم ظروفا، وتصحيح اللفظ على المعنى، فمن ذلك قولك: متى يسار عليه؟ وهو يجعله ظرفا فيقول: اليوم، او غدا، أو بعد غدا، أو يوم الجعة: وتقول: متى سير عليه؟ فيقول أمس وأول من أمس، فيكون ظرفا، على أنه يكون السير في ساعة دون سائر ساعات اليوم، أو حين دون سائر أحيان اليوم. ويكون أيضا على أنه يكون السير في اليوم كله لأنك قد تقول: سير عليه في اليوم، ويسار في يوم الجمعة، والسير كان فيه كله"(2).
فما كان جوابا لمتى، أفاد التوقيت نحو (وصلت إلى البيت صباح الجمعة)، ولا يراد به الاستمرار، أما إذا كان الحدث صالحا للاستمرار، فهو أمر يعود إلى الحدث نفسه، لا إلى التوقيت.
والخلاصة أن من الجمل ما يقع جوابا لكم فقط، نحو قولك:(سرت شهرا) والمراد به استغراق الحدث ما أمكن، ومنها ما يقع جوابا لمتى فقط، نحو (وصلت يوم الجمعة أو في يوم الجمعة) ويراد به التوقيت فقط.
ومنها ما يصلح أن يقع جوابا لهما، نحو قولك (سرت المحرم) و (سرت يوم الجمعة) فإن قدرتها جوابا لمتى فقد أردت بها ذكر الوقت فقط، ولا يهمنا تطاول الحدث وانقطاعه، وإن كان جوابا لكم فالمراد به تعيين مدة السير، لا وقته وهو هنا استغراق الوقت فإن ذكرت (في) فقد نصصت على التوقيت نحو: سرت يوم الجمعة.
(1) سيبويه 1/ 111
(2)
سيبويه 1/ 110
4 -
إن ذكرها يفيد عدم تعيين الزمن في قسم من التعبيرات، وحذفها يفيد التعيين وذلك نحو قولك: جئت صباحا، ومساء، وليلا وعشاء، فإن هذا لا يقال إلا إذا كان الوقت معينا. فتقول (جئت صباحا) إذا أردت صباح يومك بعينه، أو صباح يوم آخر بعينه، فإذا قلت (خرجت في صباح اليوم) كان اليوم غير معين. جاء في (كتاب سيبويه):" ومثل ذلك صيد عليه صباحًا، ومساء، وعشية، وعشاء إذا أردت عشاء يومك، ومساء، ليلتك لأنهم لم يستعملوه على هذا المعنى إلا ظرفا .. وكذلك سير عليه ليلا ونهارا إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك"(1).
وجاء في (الأمالي الشجرية): " القسم الثالث وهو الذي ينصرف ولا يتصرف أسماء أوقات الزموها الظرفية، فلم يرفعوها ولم يجروها، وهي صباح، وعشاء، وضحوة، وعتمة، تقول: خرجت عتمة، وخرج زيد ضحوة، وعشاء إذا أردت ضحوة يومك، أو يوم غيره بعينه وكذلك تريد عتمة ليلتك، أو ليلة بعينها. فلو رفعت شيئا من هذا أو خفضته فقلت: سير على عتمة، أو ضحوة، أو خرجت في عتمة، ولم يجز لأنهم لم يرفعوه ولم يجروه"(2).
5 -
إن حذفها قد يفيد اقتران الحدث بالظرف، وذكرها يدل على حلول الحدث في الظرف، وذلك نحو قولك (عشنا زمنا طيبا) و (عشنا في زمن طيب) فالأول يدل على اقتران الحدث بالظرف، أي هم عاشوا الزمن الطيب، والثاني قد يفيد ذاك وقد يكون لمعنى آخر، هو أن الزمن الذي عاشوا فيه كان طيبا وإن لم يقترن خصوص عيشهم بالطيب، ونحوه أن نقول:(صمنا في أيام ضاحكة أياما باكية) فهذا يدل على أنه اقترن صومهم بزمن البكاء، ولكن عموم الزمن كان ضاحكا، كما تقول:(عشنا في وقت سعيد أياما دامية) فقد اقترن عيشهم بالزمن الدامي، وإن كان الزمن العام سعيدا.
6 -
قد يكون ذكرها للتنصيص على الظرفية، وذلك إذا كان حذفها يؤدي إلى احتمال
(1) سيبويه 1/ 115، وانظر الأصول 1/ 230، الهمع 1/ 196
(2)
الأمالي الشجرية 2/ 251