الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيكون الإنفاق بمعنى الطلوع وبمعنى الكره، ونحو قوله:{هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} [الرعد: 12]، فتكون رؤية البرق بمعنى الخوف والطمع.
ويفضي هذا الرأي إلى أن يكون للفعل الواحد معان متعددة متناقضة، وذلك نحو (قلت هذا خوفا منك) و (قلت هذا إظهارا للحق) و (قلت هذا إكراما له) وقلت هذا تحقيرا له، وقلت هذا إطفاء لنار الفتنة. وقلت هذا تملقا، وقلت هذا طمعا في خيره، وغيره ذلك فيكون معنى (قلت) على هذا: خفت، وأظهرت الحق، وأكرمت، وحقرت، وأطفأت نار الفتنة، وتملقت، وطمعت، وغير ذلك وهي معان متعددة متغايرة، ولا موجب لهذا كله.
حده:
يحد النحاة المفعول له بأنه: المصدر الفضلة المعلل لحدث شاركه في الزمان والفاعل" (1).
وعلى هذا فالمفعول له هو ما اجتمع فيه اربعة شروط وقيل خمسة:
1 -
أن يكون مصدرا.
2 -
أن يكون مذكورا للتعليل.
3 -
أن يشارك الحدث في الزمان، ونحو قوله تعالى:{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19]، فزمن جعل الأصابع هو زمن الحذر، ولا يصح أن تقول: خرجت اليوم مخاصمة خالد غدا.
4 -
أن يشاركه في الفاعل أي يكون فاعل الحدث والمصدر واحدا، نحو (قتله عدوانا) ففاعل القتل والعدوان واحد، ولا يصح أن تقول:(جاء خالد اكرام محمد له)، لأن فاعلي المجيء والاكرام مختلفان (2).
(1) شذور الذهب 284، وانظر ابن عقيل 1/ 194، الرضي 1/ 208
(2)
انظر ابن عقيل 1/ 194، شذور الذهب 284، ابن يعيش 2/ 53، التصريح 1/ 334 - 336، الأشموني 2/ 122 - 123
5 -
أن يكون قلبيا فلا يصح أن تقول: (جئت قتلا للكافر) لأن القتل ليس قلبيا (1).
فإن فقد شرط أو كثر من هذه الشروط جر بحرف التعليل، فمثال ما لم يكن مصدرا قوله تعالى:{وإذ استسقي موسى لقومه} [البقرة: 60]، وقوله:{والأنعام خلقها لكم} [النحل: 5]، و {كذلك سخرها لكم} [الحج: 36]، ومثال المختلف مع عاملة في الوقت (جئت اليوم للاكرام غدا) والمختلف في الفاعل نحو (جاء خالد لاكرام سعيد له).
والفاقد للقلبية نحو قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} [الأنعام: 151]، لأن الملاقي حسي ونحو (جئتك لحراثة الأرض)(2).
والذي يبدو لي أنه لا يشترط في المفعول له إلا كونه مصدرا، فضلة، مفيدا للتعليل، أما الشروط الأخرى ففيها نظر، جاء في (الهمع): " وشرط بعض المتأخرين فيه، أن يكون من أفعال النفس الباطنة .. وشرط الأعلم والمتأخرون مشاركته في الوقت والفاعل، نحو ضربت انبي تأديبا .. ولم يشترط ذلك سيبويه ولا أحد من المتقدمين، فيجوز عندهم: أكرمتك أمس طمعا غدا في معروفك، وجئت حذر زيد، ومنه:{يريكم البرق خوفا وطمعا} ، ففاعل الإرادة هو الله، والخوف والطمع من الخلق (3).
ولا أرى سببا مقبولا في منع نحو (قصدت مكة أداء لفريضة الحج) فزمن القصد غير زمن أداء الفريضة، قال تعالى:{وأنزل التوراة والإنجيل. من قبل هدى للناس} [آل عمران: 3 - 4]، ومن المعلوم أن هداية الناس ليست مقارنة لوقت الانزال، وإنما هي بعده. فالتوراة أنزلت على سيدنا موسى (ع) ثم أصبحت بعد هداية للناس وكذلك الإنجيل فزمن الانزال غير زمن الهداية.
(1) انظر الرضي 1/ 209، الهمع 1/ 194، الأشموني 2/ 122، حاشية الخضري 1/ 194
(2)
انظر ابن يعيش 2/ 53، ابن عقيل 1/ 194، التصريح 1/ 335 - 336
(3)
الهمع 1/ 194
ومثله قوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين أمنوا وهدى وبشري للمسلمين} [النحل: 102]، فالتثبيت والهداية والبشري بعد التنزيل لاوقته.
وقد ذهب أبو علي إلى إجازة عدم المقارنة في الزمان (1).
وأما المشاركة في الفاعل فليست ضرورية، وهو الذي ذهب إليه ابن خروف " تمسكا بقوله تعالى:{يريكم البرق خوفا وطمعا} [الرعد: 12]، إذ أن فاعل الإرادة هو الله والخوف من المخاطبين" (2). وقد جعل النحاة على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، أو تأويل (يريكم البرق) بيجعلكم ترون، وهو تأويل بعيد دعت إليه قاعدتهم، ولم تدع إليه ضرورة تعبير.
ومن عدم الاتحاد في الفاعل أيضا قوله تعالى: {فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السيء} [فاطر: 42 - 43]، ففاعل زيادة النفور النذير، وفاعل الاستكبار الكفار، فالفاعل مختلف، وقال:{تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} [القمر: 14]، ففاعل الجري السفينة، وفاعل الجزاء هو الله، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وبعض النحاة لا يشترط تشاركهما في الفاعل، وهو الذي يقوي في ظني وإن كان الأغلب هو الأول والدليل على جواز عدم التشارك قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في نهج البلاغة (فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلبة) والمستحق للسخطة إبليس، والمعطي للنظرة هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون (استحقاقا) حالا من المفعول لأن (استتماما) إذن يكون حال المفعول وكذا قول العجاج:
يركب كل عاقر جمهور
…
مخافة وزعل المحبور
والهول من تهور الهبور
(1) الرضي على الكافية 1/ 209
(2)
حاشية الخضري 1/ 194، وانظر الأشموني 2/ 122، التصريح 1/ 334 - 335
فإن الهول بمعنى الافزاع، لا الفزع، والثور ليس بمفزع بل هو فزع (1).
ولا يشترط كذلك أن يكون قلبيا فيما ارى، وإن كان الكثير أن يكون قلبيا فإنه لا مانع من أن تقول:(فعلت هذا اطفاء لنار الفتنة) وهو غير قلبي، كما لا يمنع أن تقول:(فعلت هذا اطفاء لنار الفتنة)، وهو غير قلبي، كما لا يمنع أن تقول (فعلت هذا عملا بنصيحتك) وفرض الله الجهاد محقا للظلم، وازهاقا للباطل ونشرا للخير، واستئصالا للفساد، واخطب كل يوم في داري تمرينا للساني، وتعويدا له على الأداء السليم. وهذه كلها ليست قلبية: قال تعالى: {وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} [الأنعام: 140]، والافتراء ليس قلبيا.
وقال: {فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا} [يونس: 90]، وقال:{أولم نمكن لهم حرما أمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57].
وقال: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58]، وقال:{ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السييء} [فاطر: 42].
فهذه كلها من المفعول لأجله وهي ليست قليلة، ونحو ذلك قول الكميت:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
…
ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
جاء في شرح الرضي على الكافية: أن ذلك أي كونه قلبيا ينتقض بجواز نحو جئتك اصطلاحا لأمرك وضربته تأديبا اتفاقا.
فإن قال هو بتقدير حذف مضاف أي إرادة إصلاح وإرادة تأديب، قلنا فجوز أيضا جئتك اكرامك لي وجئتك اليوم اكراما لك غدا، بتقدير المضاف المذكو بل جوز جئتك سمنا ولبنا فظهر أن المفعول له هو الظاهر لا المقدر المضاف" (2).
(1) الرضي 1/ 209
(2)
الرضي 1/ 209
وأما إذا كان المفعول لأجله مصدرا مؤولا فلا يشترط فيه شيء من ذلك، قال تعالى {ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} [التوبة: 2]، فـ (أن صدوكم) مفعول لأجله، والتقدير لأن صدوكم، والفاعل مختلف ففاعل (يجرمنكم) هو (الشنان) أي البغض، وفاعل الصد هم الكفار، والصدر ليس قلبيا، وقال:{وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15]، ففاعل الإلقاء هو الله، وفاعل الميد هي الأرض، والميد ليس قلبيا، والزمن مختلف فخلق الجبال قبل خلق البشر، وقال {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [غافر: 28]، وقال: } عبس وتولى، أن جاءه الأعمى {[عبس: 1 - 2]، فهذه كلها الفاعل فيها مختلف، وهي ليست قلبية، وقد يكون الزمن أيضا نحو (اكرمته اليوم أن اكرمني أمس) وهذا ليس قلبيا، والفاعل والزمن مختلفان، وهو الذي نرجحه في المصدر الصريح أيضا، جاء في الهمع: ولا يتعين الجر مع أن وأن وإن كانا غير مصدرين لأنهما يقدران بالمصدر، وإن لم يتحد فيهما الفاعل او الوقت، لأن حرف الجر يحذف معهما كثيرا نحوا ازورك أن تحسن إلي، أو أنك تحسن إلي (1) ".
(1) الهمع 1/ 195