الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرق بين الرفع والنصب:
1 -
تقول خالدا أكرمت، وخالدٌ أكرمته، فما الفرق بين التعبيرين؟ قال تعالى:{والأنعام خلقها لكم فيها دفء} [النحل: 5]، بالنصب، وقال:{والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224]، بالرفع فلم ذاك وما وجه الاختلاف بينهما؟
أنه يصح من حيث التركيب النحوي، أن تقال كل جملة من الجملة التي ذكرناها بالرفع وبالنصب، ولكن هل تكون بمعنى واحد؟
نحن ذكرنا رأي النحاة في ذلك، وذكرنا أن عندهم ترجيحات لا تقوم على أساس، فما حقيقة هذا الأمر؟
من الواضح أن المتحدث عنه في نحو قولك (محمد أكرمته) هو محمد، وفي محمدًا أكرمته، هو المتكلم وكذلك في نحو قولك (زيد سلمت عليه) الاخبار فيه عن زيد وفي (زيدا سلمت عليه)، الاخبار عن المتكلم، جاء في (الإيضاح في علل النحو: ) " قال ابو العباس: الفرق بين (ضربت زيدا) و (زيد ضربته) إنك إذا قلت (ضربت زيدا) فإنما أردت أن تخبر عن نفسك، وتثبت أين وقع فعلك، وإذا قلت (زيد ضربته) فإنما أردت ان تخبر عن زيد"(1). ولكنك قدمت (زيدا) في قولك (زيدًا ضربته) للاهتمام به، والحديث عنه غير أنه حديث لا يرقي إلى درجة العمدة.
وبتعبير آخر أنت قدمت المنصوب في الاشتغال للحديث عنه بدرجة أقل من المبتدأ، لأن المبتدأ متحدث عنه، والحديث يدور عليه أساسا بخلاف المشغول عنه، فإن الحديث يدور على غيره أساسا، فالفرق بين ولنا (محمدا اكرمته) و (محمد أكرمته) أنك بالرفع جعلت مدار الحديث محمدا، وجعلت أخبارك عنه وهو مدار الاهتمام. أما الأولى فقد قدمت فيها محمدا للاهتمام، قدمته لتتحدث عنه بدرجة أقل من العمدة، فإن الإخبار عن المتكلم، ولكن قد يقتضي السياق أن تخص محمدا بحديث، وأما (محمدًا أكرمت) فللاختصاص.
(1) الإيضاح في علل النحو 136 - 137
ونحوه:
محمدٌ سلمت عليه.
ومحمدٌ سلمت عليه
ففي الأولى المتحدث عنه محمدٌ، والجملة الصغرى إخبار عنه، وإما في الثانية فقد قدمته للاهتمام به وجئت بالضمير في (عليه) لإرادة الإخبار عنه بصورة ثانوية، وإنما الحديث على المتكلم.
إن المشغول عنه على صورة المبتدأ من حيث إرادة الحديث عنه، ولذا لابد له في الجملة المتأخرة عنه من ضمير يربطها بالاسم المتقدم، كالمبتدأ الذي لابد له من رابط يربط جملة الخبر به، ليصح الحديث عنه ولكن الفرق بينهما أن الحديث في الابتداء يدور أساسا على المبتدأ، بخلاف الاشتغال الذي يدور فيه الحديث على شيئين: أمر أساسي وهو المسند إليه، وأمر دونه وهو المنصوب المتقدم.
وبهذا نستطيع أن نقول أن الاشتغال مرحلة دون المبتدأ، وفوق المفعول، إذ هو متحدث عنه من جهة لكنه لا يرقي إلى درجة المبتدأ، فيكون معنى الاشتغال على هذا أنه إنما جيء بالاسم المنصوب، المتقدم لارادة الحديث عنه، ثم شغل عنه بالحديث عن المسند إليه فهو إسلوب على صورة المبتدأ والخبر.
وإليك مثلا يوضح الفرق بين المشغول عنه والمبتدأ ..
إن المبتدأ - كما ذكرنا - هو المتحدث عنه، أما في باب الاشتغال، فالمسند إليه هو المتحدث عنه، وقد قدم المشغول عنه للتحدث عنه بصورة ثانوية، لا كالمبتدأ تقول:
(الظالم يكرهه الناس ويحتقرونه في أنفسهم، ثقيل عليهم مبغض إلى قلوبهم، أما العادل فإن الناس يحبونه ويحترمونه) فأنت تلاحظ أن الكلام على الظالم فترفعه وتقول:
(ألا ترى إلى ربك وعقابه، وأنه إذا أمهل لا يهمل، عاقب الكافر، والظالم أهلكه، والمستعبد أذلة وقهره، والباطل أزاله) فإن الكلام على الله سبحانه، وقدم ما قدم
للاهتمام، فنصب الظام والمستبعد والباطل. وهذا وجه الكلام: ولو نظرنا في الآيات القرآنية الكريمة لوجدنا مصداق ذلك.
قال تعالى: {والأرض ممدناها وألقينا فيها رواسي} بالنصب ولو رجعنا إلى السياق لوضح السبب، وإليك السياق:{ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم، إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين} [الحج: 16 - 20].
فالكلام إنما هو على الله الذي جعل في السماء بروجا وزينها، ومد الأرض وألقى فيها رواسي وأنبت فيها من كل شيء، وجعل فيها المعايش.
فالكلام - كما ترى - على الله تعالى لا على الأرض ولكن قدم الأرض للاهتمام بها من بين ما ذكر، والحديث عنها من بين ما عدد فقال (والأرض مددناها .. إلخ) فإنه وإن كان الكلام في الأصل يدور على الله تعالى، وقدرته، خص الأرض بالاهتمام فقدمها، والكلام فيها قبل وبعد على الله تعالى، ولو رفع (الأرض) لكان الحديث يدور عنها والإسناد إليها والسياق غير ذلك.
وإليك مثالا آخر يوضح ذلك، قوله تعالى {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} [الحجر: 27]، بالنصب فلم يرفع؟ إن السياق يوضح ذلك.
إن الكلام على الله تعالى وهو في سياق الآيات التي سردناها آنفا، قال تعالى:
{ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يإبليس مالك ألا تكون مع الساجدين. قال لم اكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون، قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فانظرني إلى يوم
يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم، قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين. قال هذا صراط على مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 26 - 42].
فالكلام على الله تعالى وخلقه، لكنه أراد أن يفرد الجان بحديث، فقدمه وأعاد عليه الضمير للكلام عليه، وقد تقول: ولم لم يقدم الإنسان، وقد ذكر الإنسان أيضا؟ والجواب أنه وإن ذكر الإنسان فإن مدار الحديث في هذه الآيات عن الجن فالكلام على إبليس ومجادلته ربه.
فأنت ترى أنه قدم الأرض في الآيات الأول، لأن الحديث عليها أهم، وقدم الجان لأن القصد يتعلق بذكرهم.
وإليك مثالا آخر، قال تعالى:{والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5]، فإنه نصب (الأنعام) ول يرفعها، والسياق يوضح سبب ذلك قال تعالى:{خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} [النحل: 3 - 8]، فأنت ترى أن الكلام على الله تعالى، ولكنه قدم الانعام للاهتمام بها، والحديث عنها من بين ما ذكر، فقد ذكر خلقه السماوات والأرض والإنسان، والأنعام، والخيل، والبغال، والحمير، ولكن أكثر الحديث في هذه الآيات عن الأنعام، فقدمها للحديث عنها والاهتام بها في هذا المجال.
وقال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} [الإسراء: 13]، فنصب (كل) ولم يرفعها وذلك لأن الكلام إنما هو على الله، وقدم (كل إنسان) للاهتمام، وهذا سياق الآيات يوضح ذلك:{وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} [الإسراء: 12 - 13].
في حين قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 2 - 3].
فرفع، لأن الكلام على الزاني والزانية.
ومثله قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38]، لأن الكلام عليهما.
وقال: {والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224]، برفع الشعراء لأن الكلام عليهم ولو نصب لكان الكلام على الغاوين والسياق يوضح ذلك قال تعالى:{والشعراء يتبعهم الغاون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وانهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين أمنوا وعلموا الصالحات} [الشعراء: 224 - 227].
وقال تعالى: {والسماء رفعها ووضع الميزان} [الرحمن: 55]، فنصب السماء لأن الكلام على الله تعالى فبدأ السورة بقوله:{الرحمن. علم القرآن، خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، والأرض وضعها للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف والريحان} [الرحمن: 1 - 12].
فالكلا على الله، الرحمن الخالق، لا على السماء والأرض، ولكن قدمهما للاهتمام بهما.
وقال تعالى: {والظالمين أعد لهم عذابا أليما} فنصب لأن الكلام على الله تعالى، المجازي، المحسن بالاحسان، والمسيء بالإساءة، قال تعالى:{نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا، إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما. يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} [الإنسان: 28 - 31].
وقال (والأرض بعد ذلك دحاها) بالنصب لأن الكلام على الله تعالى قال تعالى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسوها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها، متاعا لكم ولأنعامكم} [النازعات: 27 - 33].
فالكلام على الله ونعمه، من خلق السماء ودحو الأرض، وإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال.
وأظن أنه اتضح الفرق بين المشغول عنه والمبتدأ اتضاحا لاغموض فيه.
2 -
وينصب الاسم إذا خيف في الرفع أن يلتبس الفعل بالصفة، وذلك نحو قوله تعالى:{إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] قال السيرافي ما ملخصه: " فإن قال قائل: قد زعمتم أن نحو: (إني زيد كلمته) الاختيار فيه الرفع، لأن الجملة في موضع الخبر، فلم اختير النصب في (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وكلام الله تعالى أولى بالاختيار؟
فالجواب أن في النصب هنا دلالة على معنى ليس في الرفع، فإن التقدير على النصب أنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم، وإذا رفع فليس فيه عموم إذ يجوز أن يكون (خلقناه) نعتا لشيء، وبقدر خبرا لكل، ولا يكون فيه دلالة على خلق الأشياء كلها، بل إنما يدل على أن ما خلقه منها، خلقه بقدر (1).
وإيضاح ذلك أن رفع (كل) يدل على معنيين: أما أن يكون خلقناه خبرا عن كل فيكون المعنى: إنا خلقنا كل شيء بقدر، وإما أن يكون خلقناه صفة لكل، والخبر بقدر فيكون المعنى: كل شيء مخلوق لنا، بقدر، ومقتضي ذلك أن هناك خالقا مع الله سبحانه فما خلقه الله خلقه بقدر، وما خلقه غيره قد يكون ليس مخلوقا بقدر، تعالى الله عن ذلك.
(1) شرح أبي سعيد السيرافي بهامش كتاب سيبويه 1/ 74، وانظر التصريح 1/ 302، الأشموني 2/ 80، الهمع 1/ 113
ونحوه أن نقول (كل رجل أكرمته هنا) فبالنصب يكون المعنى: أكرمت كل رجل هنا، وبالرفع له معنيان: أما أن يكون كمعنى النصب، والخبر (اكرمته)، وأما أن يكون المعنى: كل رجل مكرم من قبلي هنا، فالخبر (هنا) و (أكرمته) نعت، أي قد يكون في المكان رجال لم تكرهم ولكن كل من أكرمتهم هنا.
قال الرضي: " إذا أردت أن تخبر أن كل واحد من مماليك اشتريته بعشرين دينارا وأنك لم تملك أحدا منه إلا بشرائك بهذا الثمن، فقتل (كل واحد من مماليكي اشتريته بعشرين دينارا) بنصب (كل) فهو نص في المعنى المقصود لأن التقدير اشتريت كل واحد من مماليكي بعشرين.
وإما إن رفعت (كل) فيحتمل أن يكون (اشتريته) خبرا له، وقولك (بعشرين) متعلقا به، أي كل واحد منهم مشترى بعشرين وهو المعنى المقصود. ويحتمل أن يكون (اشتريته) صفة لـ (كل واحد)، وقولك (بعشرين) هو الخبر، أي كل من اشتريته من المماليك، فهو بعشرين.
فالمبتدأ إذن على التقدير الأول أعم، لأن قولك: كل واحد من مماليكي عم من اشتريته ومن اشترى لك، ومن حصل لك منهم بغير المشتري، من وجوه التملكات والمبتدأ على الثاني لا يقع إلا على من اشتريته أنت.
فرفعه إذن مطرق لاحتمال الوجه الثاني، الذي هو غير مقصود ومخالف للوجه الأول. إذ ربما يكون ذلك على الوجه الثاني، منهم من اشتراه لك غيرك بعشرين، أو بأقل منها، أو بأكثر، وربما يكون أيضا لك منهم جماعة بالهبة، والوراثة أو غير ذلك، وكل هذا خلاف مقصودك فالنصب إذن أولى لكونه نصا في المعنى المقصود، والرفع محتمل له ولغيره (1).
(1) الرضي على الكافية 1/ 189
فالأمر بحسب المعنى، فإذا أردت التنصيص على أن الفعل ليس صفة نصبت المتقدم، وإذا أردت الاحتمال رفعت، كما أنه إذا أردت التنصيص على أن الفعل صفة رفعت الاسم المتقدم، وذلك كقوله تعالى:{وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52]، جا في (معاني القرآن) للفراء:" وأما قوله وكل شيء فعلوه في الزبر، فلا يكون إلا رفعا لأن المعنى- والله أعلم - كل فعلهم في الزبر مكتوب، فهو مرفوع بفي (1). وفعلوه صلة لشيء، ولو كانت في صلة فعلوه في مثل هذا من الكلام، جاز رفع كل ونصبها كما تقول: وكل رجل ضربوه في الدار، فإن أردت ضربوا كل رجل في الدار رفعت ونصبت وأن أردت: وكل من ضربوه هو في الدار رفعت "(2).
وإيضاح ذلك أن المعنى لا يحتمل النصب، لأن في النصب يكون المعنى:(فعلوا كل شيء في الزبر) والمعنى ليس عليه، وإنما أن ما فعلوه مثبت في الزبر، فـ (فعلوه) صفة لشيء، و (في الزبر) خبر، والمعنى أن الشيء الذي فعلوه هو مثبت في الزبر، والنصب لا يؤدي هذا المعنى.
وهذا القسم عند النحاة مما يترجح فيه النصب على الرفع (3)، والصواب أن هذا القسم ليس مما يترجح فيه النصب على الرفع، وإنما هو بحسب القصد فإذا أردت التنصيص على أن الفعل ليس صفة نصبت وجوبا، كما مر قوله تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ونحوه من الأمثلة، وإن أردت التنصيص على أنه صفة رفعت وجوبا، وكذلك إذا أردت احتمال الوجهين فهو ليس من باب الجواز، وإنا هو من باب الوجوب بحسب المعنى، كما أوضحت.
3 -
وقال قسم من النحاة أنه يختار الرفع في الاسم المنظور فيه إلى العموم، نحو قوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2]، وقوله:{والسارق والسارقة فاقعوا أيديهما} [المائدة: 38].
(1) هذا على مذهب الكوفيين الذين يقولون أن المبتدأ يرفعه الخبر والخبر يرفعه المبتدأ
(2)
معاني القرآن 2/ 95 - 96
(3)
التصريح 1/ 302، الهمع 1/ 113، الأشموني 2/ 80
لشبهه بالشرط في العموم والبهام. ويختار النصب في الاسم المنظور فيه إلى الخصوص بالأمر، كزيدا أضربه لعدم مشابهته للشرط (1).
جاء في (معاني القرآن) للفراء: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " مرفوعان بما عاد من ذكرهما. والنصب فيهما جائز كما يجوز: أزيد ضربته، وأزيدا ضربته، إنما تختار العرب الرفع في (السارق والسارقة) لأنهما غير موقتين فوجها توجيه الجزاء، كقولك، من سرق فاقطعوا يده فـ (من) لايكون إلا رفعا، ولو أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها، كان النصب وجه الكلام (2).
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: " اختيار الفراء أن الرفع اولى من النصب، لأن الألف واللام في قوله (والسارق والسارقة) يقومان مقام (الذي)، فصار التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر، لأنه صار جزاء، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل، فالرفع أولى، وهذا القول هو الذي اختاره الزجاج وهو المعتمد (3).
وإيضاح ذلك أن الاسم المرفوع هنا أشبه اسم الشرط في العموم، بدليل وقوع الفاء في خبره، وعند قسم من النحاة أنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، ولا يفسر عاملا في الاشتغال (4).
وعند بعضهم أنه لا يعمل الجواب في الشرط (5)، فإذا أردت به التعيين جئت به منصوبا، فالسارق في النصب معلوم، أي من قد سرق في حين أن الرفع يدل على شبهه بالشرط فهو سار على كل سارق.
(1) التصريح 1/ 299
(2)
معاني القرآن 1/ 306، 1/ 242
(3)
التفسير الكبير 10/ 223
(4)
حاشية الصبان 2/ 84 - 85
(5)
حاشية الصبان 2/ 77
وعلى مقتضى هذا ينبغي أن تقول (الضيف أكرمه) بالنصب إذا كان الضيف معينا، والضيف أكرمه، بالرفع إذا كان الضيف غير معين، أي لا يراد به ضيف مخصوص، وأن تقول (العالم احترمه) إذا كان عالما معينا من بين العلماء، والعالم احترمه إذا لم يكن عالما معينا، بل كل من اتسم بسمة العلم.
وأرى أن في هذا نظرا فإنه لا يح أن تقول بالرفع والنصب للمعلوم وغير المعلوم فإنك تقول (أكرم الضيف) سواء كان ضيفا معينا، أم غير معين، فقد يكون القول للتعليم والتوجيه، ونحوه (احترم العالم) وهذا هو تقدير الاشتغال عند النحاة: أكرم الضيف أكرمه، وأحترم العالم أحترمه.
وإنما الأمر كما سبق أن أسلفنا في القاعدة العامة في الفرق بين الاشتغال والابتداء، إذا أردت الاخبار عن الاسم المتقدم والإسناد إليه رفعت، وإن لم ترد نصبت وقدمته للاهتمام.
وأما الايتان فقد ذكرت الأمر فيهما، وهو إرادة الأخبار عن الاسمين المرفوعين، والله أعلم.
وإما تعين العموم فبسبب الفاء الواقعة في الخبر لأنها اشبهت فاء الجزاء، والجزاء يراد به العموم وهو نظير قولك (الفائز فاعطه جائزة) والمعنى من يفز فأعطه جائزة، و (الفائز أعطه جائزة) وهو على معنيين، أما أن يكون كمعنى الأولى، وأما أن نقصد به فائزا معينا والفاء عينت قصد العموم.
ونحوه أن تقول:
الذي يدخل الدار فله مكافأة.
الذي يدخل الدار له مكافأة.
فبوجود الفاء تترتب المكافأة على دخول الدار، أي من يدخل الدار فله مكافأة فسبب المكافأة دخول الدار، فأشبه الموصول الشرط، وأريد به العموم.
وبغير الفاء تكون الجملة ذات احتمالين أما أن تكون كمعنى الأولى، وإما أن لا تترتب المكافأة على دخول الدار، وإنما هي لشخص معين يدخل الدار، فكأنك قلت: انظر إلى ذلك الذي يدخل الدار أن له مكافأة، فلم يعط الكافأة بسبب دخول الدار، وإنما أردت أن تعرفه للمخاطب بالصلة كما تقول (الذي يمسى رسب) فالرسوب لم يترتب على المشي ولا بسببه، فالذي عين قصد العموم هو الفاء وليس الرفع، ولو كان حق العام الرفع وحق الخاص النصب، لكان الراجح في قوله تعالى (والأنعام خلقها) الرفع لأنها ليست إنعاما خاصة، بل هي عموم الأنعام، ونحوه قوله تعالى {وكل شيء فصلناه تفصيلا} [الإسراء: 12]، وقوله:{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} ، وقوله:{والظالمين أعد لهم عذابا أليما} [الإنسان: 32]، وقوله {والجبال أرساها} [النازعات: 32]، فقد وردت كلها بالنصب وهي كلها للعموم.
وكانت ينبغي النصب في قوله تعالى: {النار وعدها الله الذين كفروا} [الحج: 72]، وقوله:{جنات عدن يدخلونها} [الرعد: 23]، وقد وردتا بالرفع وهما معلومتان، وإنما الأمر كما ذكرت، والله أعلم.