الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تدبّر معانيه واتباع هديه، واتخذوا هذا القرآن مهجوراً!. (1)
موقفه من المشركين:
- التحذير من المستشرقين:
قال رحمه الله بعد إشادته بطبعات المستشرقين للكتب وأنهم اهتموا بوصف الأصول واختلاف النسخ: وعن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائسَ تُقتنى وأعلاقاً تُدّخر، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها، على علوّ ثمنها، وتعسّر وجود كثير منها على راغبيه.
ثم غلا قومُنا غلوّاً غير مُستساغ في تمجيد المستشرقين، والإشادة بذكرهم، والاستخذاء لهم، والاحتجاج بكل ما يصدر عنهم من رأي: خطإ أو صواب، يتقلدونه ويدافعون عنه، ويجعلون قولهم فوق كلّ قول، وكلمتهم عالية على كلّ كلمة، إذ رأوهم أتقنوا صناعة من الصناعات: صناعةَ تصحيح الكتب، فظنوا أنهم بلغوا فيما اشتغلوا به من علوم الإسلام والعربية الغاية، وأنهم اهتدوا إلى ما لم يهتد إليه أحد من أساطين الإسلام وباحثيه، حتى في الدين: التفسير والحديث والفقه.
وجهلوا أو نسوا، أو علموا وتناسوا أن المستشرقين طلائع المبشّرين، وأن جلّ أبحاثهم في الإسلام وما إليه إنما تصدر عن هوىً وقصد دفين، وأنهم كسابقيهم {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} وإنما يفضلونهم بأنهم يحافظون على النصوص، ثم هم يحرفونها بالتأويل والاستنباط.
(1) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.21 - 23).
نعم: إن منهم رجالاً أحرار الفكر، لا يقصدون إلى التعصب، ولا يميلون مع الهوى، ولكنهم أخذوا العلم عن غير أهله، وأخذوه من الكتب، وهم يبحثون في لغة غير لغتهم، وفي علوم لم تمتزج بأرواحهم، وعلى أسس غير ثابتة وضعها متقدموهم، ثم لا يزال ما نشؤوا عليه واعتقدوا يغلبهم، ثم ينحرف بهم عن الجادّة، فإذا هم قد ساروا في طريق آخر، غير ما يؤدي إليه حرية الفكر والنظر السليم.
ومعاذ الله أن أبخس أحداً حقّه، أو أنكر ما للمستشرقين من جهد مشكور في إحياء آثارنا الخالدة، ونشر مفاخر أئمتنا العظماء، ولكني رجل أريد أن أضع الأمور مواضعها، وأن أقرّ الحق في نصابه، وأريد أن أعرف الفضل لصحابه، في حدود ما أسدى إلينا من فضل، ثم لا أجاوز به حدّه، ولا أعلو به عن مستواه. ولكني رجل أتعصب لديني ولغتي أشدّ العصبية، وأعرف معنى العصبية، وحدّها، وأن ليس معناها العدوان، وأن ليس في الخروج عنها إلا الذلّ والاستسلام، وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا، وحَوطها والذود عنها، وإنما معناها أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأعرف أنه (ما غُزي قومٌ قطّ في عقر دارهم إلا ذلّوا) وقد -والله- غُزينا في عقر دارنا، وفي نفوسنا، وفي عقائدنا، وفي كل ما يقدّسه الإسلام ويفخر به المسلمون.
وكان قومنا ضعافاً، والضعيف مُغرىً أبداً بتقليد القوي وتمجيده، فرأوا من أعمال الأجانب ما بهر أبصارهم، فقلدوهم في كل شيء، وعظّموهم في
كل شيء، وكادت أن تعصفَ بهم العواصف، لولا فضل الله ورحمته. (1)
- قال في رسالته 'الشرع واللغة' (2) التي خصّها للرّدّ على عبد العزيز فهمي باشا وعدائه للعربية -بعد نقله لكلام هذا المفتون-: وقد بدأ معالي الباشا استدلاله -يعني نقضه ردّ الشيخ محبّ الدين الخطيب عليه- بكلمة منكرة (أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان) وما هذه الكلمة إلا تحريف أو تحوير لكلمة ليست إسلامية، وليست عربية، كلمة فيها خنوع وخور واستسلام لاستبداد القياصرة، لا يرضاها مسلم، ولا يرضاها عربيّ.
نعم: إن الدين كله لله، وإن الأمر كله لله. ولكن هذا الرجل والذين يظاهرونه يريدون أن يفهموا الدين على غير ما يعرف المسلمون، وعلى غير ما أنزل الله في القرآن وعلى لسان الرسول. يريدون أن ينفثوا في روع الأغرار والجاهلين أن الدين هو العقائد والعبادات فقط، وأن ما سواهما من التشريع ليس من أمر الدين، عدواً منهم وبغياً، واستكباراً وعتوّاً على المسلمين، بل جهلاً وعجزاً، ثم استكانة وذلاًّ، للسادة الأوربيين (ذوي العقول الجبارة). ثم لا يستحيي أحدهم أن يدعي أنه يفهم الدين، وأن يزعم أنه مكتفٍ بما يسّر الله له من دينه، وأنه موقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين!!
والأدلة في القرآن وبديهيات الإسلام على وجوب اتباع ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله، في العقائد والعبادات، وأحكام المعاملات
(1) شرح سنن الترمذي (1/ 19 - 20).
(2)
طبعت مع محاضرته الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدراً للقوانين.
والعقوبات وغيرها، متوافرة متواترة، لا ينكرها مسلم ولا يستطيع. وأظن أن معالي الباشا سمع مرة أو مرات قول الله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} (1). وقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} (2). أيجرؤ معاليه أن يتأول هذه الآيات ونحوها على أنها في العقائد والعبادات؟ وإن جرؤ على ذلك، فماذا هو قائل في قول الله:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} (3).
وقوله: {وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي
(1) المائدة الآية (44).
(2)
المائدة الآية (49).
(3)
الأحزاب الآية (36).
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} (1). أفيجرؤ أن يتأولها أيضاً على العقائد والعبادة؟ أم هو يلعب بالألفاظ والألباب؟!. (2)
- وقال: ولطالما سمعنا اعتذار المسرفين على أنفسهم، من يأبون العود بالأمة إلى تشريعها الإسلاميّ، ولطالما جادلناهم، فما رأينا أحداً منهم أجرأ على الله وعلى الدين من هذا الباحث العلامة!
ما زعم لنا واحد منهم قطّ (أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان) وأن (الحاكم في الإسلام عليه أن يسوس الناس على ما يحقق مصالحهم، مؤسساً عمله على الحق والعدل، على أن لا يمسّ العقائد وفرائض العبادات). لأن معنى هذا الكلام الخروج بالإسلام عن حقيقته، وجعله دين عبادة فقط، وإنكار ما في القرآن والسنة الصحيحة من الأحكام في كل شؤون الإنسان.
والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم، وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص.
(1) النور الآيات (47 - 51).
(2)
الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.88 - 90).
فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية. وظن أن لشخص كائناً من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه. وما قال هذا مسلم قط ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة، ورفضه كلّه. وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
إنهم كانوا يدورون حول هذا المعنى ويجمجمون ولا يصرّحون، حتى كشف هذا الرجل عن ذات نفسه، وأخشى أن يكون قد كشف عما كانوا يضمرون. ولكني لا أحب أن أجزم في شأنهم، فلسنا نأخذ الناس بالظنة، وحسابهم بين يدي الله يوم القيامة. (1)
- قال -بعد ذكره نماذج لما في القوانين الإفرنجية والنظم الأوربية مما يخالف عقائد المسلمين، وتعطيل لكثير من فروض الدين-: ولسنا ننعى على هذه القوانين كلّ جزئية فيها، بالضرورة، ففيها فروع في مسائل مفصلة، تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكنا ننكر المصدر الذي أخذت منه، وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أُمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله. فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام، نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كلّ عصر وكلّ مكان، مسترشدين بالعقل وقواعد العدل. ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في كثير من المسائل الخطيرة، والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى
(1) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.93 - 94).