الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر قبض على كريم الدين الكبير [1]]
[بعد [2] ما تجهز ليسافر يوم الجمعة خامس عشره إلى الشام، فعندما طلع إلى القلعة على العادة، ووصل إلى الدّركاه منع من الدخول إلى السلطان، وعوق بدار النيابة هو وولده علم الدين عبد الله، وكريم الدين أكرم الصغير ناظر الدولة، ووقعت الحوطة على دور كريم الدين الكبير خاصة التى بالقاهرة وبركة الفيل، ونزل شهود الخزانة بولده إلى داره ببركة الفيل، وحملوا ما فيها إلى القلعة، وتوالت مصادرته، فوجد له شىء كثير جدا] [3](34)[ووجد له عدة من المماليك والجوارى الأتراك، وكان من مماليكه جماعة قد أخذ لهم الإقطاعات الوافرة فى جملة رجال الحلقة المنصورة، فأمر السلطان بقطع أخبازهم، وبيع المماليك الأرقاء والجوارى، وأنعم على ثلاثة منهم بأخباز غير ما كان بأيديهم قليلة العبرة بالنسبة إلى ما كان بأيديهم، وعادت الخزانة التى كان قد جهزها إلى ثغر اللاذقية فى يوم الاثنين ثامن عشر الشهر، فعرض ذلك على السلطان، وكان فى جملة ما وجد بها ثلاثة حوايص ذهبا مجوهرة كان قد أعدها لمن نذكر فى جملة خلعه عليهم، وهم: الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه، والأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام والأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب.]
ولما رسم بالحوطة عليه [4] ، وقعت الحوطة على أملاكه وأوقافه وحواصله وغير ذلك، فاعترف أن ساير الأملاك التى أنشأها وابتاعها وما وقفه كان قد اشتراها وعمرها من مال السلطان دون ماله، فأفاد هذا الاعتراف فى الأملاك،
[1] ما بين الحاصرتين حتى.. كريم الدين الكبير من L steen LL L K. V. Zetter LL ص 173.
[2]
ما بين الحاصرتين من المقريزى (السلوك 2/243) .
[3]
ما بعد الحاصرة من نسخة «أ» من ص 34 إلى ص 61.
[4]
هذه الأرقام لصفحات نسخة «أ» التى انفردت بهذه الزيادة.
[5]
يعنى كريم الدين الكبير، وانظر ترجمته فى الدرر (2/401- 404) وفى السلوك (2/243) أن ذلك كان فى ربيع الآخر 723 هـ، وانظر (كنز الدرر وجامع الغرر 9/308 و 314) .
فحكم أنها ملك السلطان دون ملكه [1] وشهد جماعة من المعدّلين أن الأملاك التى وقفها ابتاعها من أموال السلطان دون ملكه فحكم بإبطال أوقافه، ونقضت بعد ما أبرمت، وكتبت بذلك مكاتبة حكمية ثبتت على قضاة القضاة.
ولما اشتد الطلب عليه وخشى على نفسه أن يقتل، أرسل إلى السلطان يقول: إن أموال السلطان [2] كثيرة، وهى مفرّقة فى أقطار الأرض، منها ما/ (35) سفّرته إلى بلاد الإفرنج ومنها ما أرسلته إلى العراق وإلى اليمن وإلى الهند، ومنها ما هو مفرّق بأعمال الديار المصرية بالوجهين القبلى والبحرى، ومنها ما هو بالشام، وإذا عدمت عدم ذلك كلّه، وطمع فيه من هو عنده، فاقتضى ذلك إبقاءه، وأفرج عنه السلطان، ورسم أن يستقر [3] مقامه بتربته التى أنشأها بالقرافة، فنزل إليها هو وولده علم الدين، وأقام بها، ثم شملته عواطف السلطان، وأنعم عليه بمبلغ عشرين ألف درهم، فقبضها، وأرسل إليه فرسين من جملة خيله، وقماش ملبوسه، والخلع التى كان السلطان قد خلعها عليه، وأعيدت إلى الخزانة عند إيقاع الحوطة، وأفرج عن معصرتين من معاصر الأقصاب التى كانت له بالوجه القبلى، ثم رسم السلطان بعد ذلك بسفره إلى الشّوبك [4] يقيم هناك، ورتب له فى كل شهر ألف درهم على حكم الراتب، فتوجه هو وولده وأهله وألزامه، وكان خروجهم فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة، فأقام بالشوبك إلى أثناء شهر رمضان من السنة، وطالع الأمير سيف الدين أرغون [5] نائب السلطنة، وسأله أن ينتقل إلى القدس، فلم يجب إلى ذلك أولا، ثم تلطّف نائب السلطنة فى أمره إلى أن رسم بانتقاله إلى
[1] هذا الخبر أورده المقريزى فى السلوك (2/248) وذكر أن السلطان أبقى من هذه الأوقاف على أوقاف الخانقاه بالقرافة، وأوقاف الجامع بدمشق وعبارة النويرى هنا لا تفيد هذا الاستثناء.
[2]
مراده أموال السلطان الملك المظفر بيبرس الجاشنكير كما يتضح من السياق فى الصفحات التالية.
[3]
المعنى أن السلطان حدد إقامته فى هذه التربة وعبارة السلوك (2/247) أن الإفراج عنه كان فى يوم الأربعاء رابع عشرى جمادى الآخرة، وألزم بالإقامة فى تربته من القرافة.
[4]
الشوبك: الضبط من: مراصد الاطلاع 2/818، وذكر أنها «قلعة حصينة فى أطراف الشام بين عمان وأيلة قرب الكرك» .
[5]
أرغون الناصرى: جرت نسخة ك على رسمه أرغون- بواو بعد الغين- وهكذا تورده مصادر التاريخ الأخرى وفى نسخة «أ» يرد رسمه بدون الواو.
القدس الشريف، فكان وصوله إلى القدس فى يوم الجمعة تاسع عشر شوال، وأقام إلى أن تغيّر خاطر السلطان عليه لأسباب نقلت عنه.
فلما كان فى يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الأول سنة أربع [1] وعشرين وسبعمائة/ (36) رسم السلطان بتجديد الحوطة عليه، وعلى أسبابه، وتوجه لإحضاره من القدس الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الناصرى، وكان وصوله إلى قلعة الجبل هو وولده عشية نهار الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ولما وصل سلم للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فأنزله بداره، وسلّم ولده عبد الله ومملوكه طوطاج إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى استادار، وطولب بحمل المال، فاعتذر بأنه لم يبق له ما يحمله إلا ثمن الأملاك التى كان السلطان قد أفرج له عنها، فأمر ببيعها، فبيعت بمبلغ أربعمائة ألف درهم، وحمل عنها، واستمر على ذلك إلى يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، فرسم باعتقاله، فاعتقل فى برج الأتابكى [2] بقلعة الجبل بمفرده بغير غلام يخدمه، وسدّدت المرامى والمناور، ورتب له فى كل يوم ثمانية أرطال لحم وكماجه، واستمر بالبرج إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، فأخرج من البرج وسفرّ إلى الصعيد الأعلى، ورسم باستقراره بثغر أسوان، وكان قد سفر ولده عبد الله قبله، وقطع السلطان أخباز مملوكيه طرنطاى، وطوطاج من الحلقة.
فلما كان فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين حادى عشريه حضر إلى الصاحب أمين الدين من ذكر أن [لكريم الدين][3] وديعة عند رجل موّان نصرانى، فطلب، وطولب بالوديعة، فأحضر صندوقا ضمّنه من المصوغ والجوهر ما قيمته- فيما بلغنى- نحو عشرين ألف دينار.
ولما استقرّ كريم الدين بثغر أسوان أمر السلطان أن يرتّب له ولولده/ (37 فى كل شهر ستماية درهم وستة أراد ب لنفسه، ولولده عبد الله ماية درهم وإردبان، واستمرت إقامته بثغر أسوان إلى أن مات به، وكانت وفاته
[1] كذا بالأصل، والصواب ثلاث، وانظر المقريزى (السلوك 2/41، وما بعدها L ZettersteeY LL (ص 173.
[2]
عبارة السلوك (2/244) ونقل كريم الدين وولده علم الدين إلى البرج المرسوم للمصادرين بباب القرافة من القلعة، وطولب بالحمل
…
» .
[3]
فى الأصل «أن له» وقد آثرنا الإظهار ليتضح المعنى.
فى ليلة الخميس العشرين من شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، وأنه شنق نفسه، ووجد فى بكرة النهار وهو معلق بسلبة [1] فى الدار التى كان قد نزل بها، وتعرف بدار «ابن يحيى» . هذا هو الذى ظهر من أمر وفاته.
وأخبرنى متولّى ثغر أسوان [2]- وهو أحد من تولّى قتله- أنه وصل إلى الثغر فى ليلة الأربعاء ركن الدين بن موسك، نائب متولّى الأعمال القوصية، وصحبته بعض مماليك متولى الأعمال، فأقام بالثغر يوم الأربعاء، وأظهر أنه إنما حضر لتحرير ما سقط من النخل فى شهر رمضان بسبب هواء كان قد هب فسقط لهبوبه نخل كثير، وطلب أرباب السواقى فى ذلك اليوم، وشاع أنه إنما وصل إلى الثغر بسبب ذلك.
فلما كان فى ليلة الخميس توجه المتولى بالثغر، وابن موسك ومن معهما إلى داره، وطرق المتولى الباب على كريم الدين فخرج إليه غلام، فقال له من وراء الباب: من هذا؟ فقال: عرّف القاضى أن مملوكه فلان حضر «يعنى المتولى نفسه» فأعلمه الغلام، وعاد ففتح الباب فقال متولى الثغر: فلما صرت من داخل الباب أرسلت الغلام الذى فتح لى الباب إلى الاعتقال، وخرج غلام ثان ففعلت به كذلك، فدخل غلام آخر وأخبر كريم الدين بذلك، ودخلت/ (38) فى إثره فوجدت كريم الدين على تخت [3] ، وابنه عبد الله عنده فسلمت عليه، وقلت لولده عبد الله: يا علم الدين تعالى إلىّ أعرفك، فلما جاء إلىّ أخذته وخرجت من عند أبيه، فصرخ بى كريم الدين، وجعل يقول: يا شمس الدين، يا شمس الدين، يكرر هذا القول، فلم ألتفت إليه، ودخل عليه أولئك القوم
[1] السلبة: الحبل من الكتان أو التيل ونحوه، تقاد به الماشية (عامية) وأصل السلب- بفتحتين-: ليف المقل، وهو أبيض، أو هو لحاء شجر معروف باليمن تعمل منه الحبال، قال الزبيدى فى (تاج العروس) مادة (س ل ب) : وعلى هذا يخرج قول العامة للحبل المعروف: سلب. «وفى النجوم (9/75) أنه أصبح مشنوقا بعمامته.
[2]
- هذه الرواية لم نجدها فى المصادر الأخرى لتاريخ هذه الفترة على مثل ذلك النحو من التفصيل والدقة، وفى كنز الدرر وجامع الغرر (9/308) ورد خبر القبض عليه وإيقاع الحوطة على موجوده فى حوادث سنة 723 هـ وفيه (ص 314) ورد خبر وفاة كريم الدين فى حوادث سنة 724 هـ.
[3]
تخت: كلمة فارسية، معناها لوح من خشب (الألفاظ الفارسية ص 34) .
فخنقوه، وعلقوه بسلبة بعد أن أغلقوا بينه وبين نسائه بابا، وأغلق باب الدار من داخله وتوجه القوم فعرّفت ولده الحال، وقررت معه أن يقول فى بكرة النهار إذا طلب: إنه تخاصم مع أبيه وخرج من عنده، وأنه حرج منه، ففعل ذلك بنفسه، قال: فلما كان من بكرة النهار توجه المتولى وابن موسك إلى باب دار كريم الدين، وطرقوا الباب، فلم يجبهم أحد، فتوجه المتولى إلى دار قاضى البلد، وهو القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السيوطى [1] وهو يصرخ ويقول: هرب كريم الدين، والله لئن تم هربه لأشنقن بنى الكنز، وأخذ القاضى وجماعة من العدول وحضروا إلى الدار، وكسروا الباب، ودخلوا الدار، فوجدوا كريم الدين مشنوقا، فأخبر القاضى شرف الدين المذكور حاكم الثغر بأنه وجد فى عنقه سلبة ليف كانت وشيجة [2] لفرس، وعليها آثار زبل الدواب، وطلب ولده، وسئل عن خبره، فقال ما لقّنه؛ أنه تخاصم معه بالأمس وخرج من عنده، وقد أغضبه، فكأنه وجد [3] فى نفسه من ذلك فشنق نفسه، فنظم بذلك مشروح وسير إلى الأبواب السلطانية فى التاريخ المذكور. ودفن بثغر أسوان/ (39) ولما وصل الخبر بوفاته إلى الأبواب السلطانية رسم بطلب ولده من ثغر أسوان، ولما تحقق الناس موته، وعلموا طلب ولده خشى من كان عنده وديعة له أن ولده إذا وصل يعترف عليهم، فظهر من ودائعه جملة عظيمة منها ما أحضره الأمير علاء [4] الدين على بن هلال الدولة- فيما بلغنى- ذهب مصكوك بثمانية عشر ألف دينار، ومصوغ، وزركش وجوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار، أحضر صارم الدين أستاذ دار كريم الدين- وهو الذى كان استاذ دار الأمير علم الدين سنجر الجاولى- صندوقا كبيرا ضمنه من الجواهر والحوايص المجوهرة والفصوص وغير ذلك ما قيمته- فيما قيل- ماية ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك.
[1] ترجمته فى الدرر (2/194) وذكر أن وفاته كانت فى حدود سنة 730 هـ وفى (الطالع السعيد) أن وفاته كانت فى يوم الأحد سابع ربيع الآخر سنة 757 هـ.
[2]
الوشيجة: ليف يفتل ثم يشبك بين خشبتين ينقل فيها البر المحصود وغيره (المعجم الوسيط) .
[3]
وجد فى نفسه يعنى حزن.
[4]
علاء الدين على بن هلال الدولة، ولد بشيزر ثم قدم مصر وباشر شد العمارة بها، وتدرج فى عدة مناصب، ثم عاد إلى شيزر ومات بها فى سنة 739 هـ. ترجمته فى الدرر (3/136) .