الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آمالهم، وطابت نفوسهم، وتحقّقوا عدل السلطان، وانحلت أسعار الأصناف التى كان يحتكرها، فتضاعفت الأدعية بدوام دولة السلطان، وعلموا أن تلك الأفعال الشنيعة لم تكن عن أمر السلطان، ولا برضاه، وقد كان يوهم الناس ويصرح/ (51) لبعضهم أنه لولا ما يفعله من إرضاء السلطان بما يحصل له من فايدة المتاجر والدواليب، وسدّ ما يحتاج إليه السلطان بتدبيره كان السلطان قد استصفى ما فى أيدى الناس من الأموال، فعلم الناس الآن أن الأمر ليس كذلك، فرجوا من الله تعالى دوام الخير، وزيادة العدل والإنصاف.
ولما عزله السلطان فوّض ما كان بيده لمن نذكر: فوّض نظر خواصّه ووكالته للقاضى تاج الدين أبى إسحاق إبراهيم وكان قبل ذلك يلى نظر الدواوين بالديار المصرية، وفوّض النظر على البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة ومكتب السبيل وأوقاف ذلك للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وهو رأس الميمنة، وفوّض نظر الجامع الطولونى وأوقافه للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح.
ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله «وهى الوزارة الثانية له» [1]
قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا أن الصاحب الوزير أمين الدين عبد الله بعد عزله من الوزارة فى سنة ثلاث عشرة وسبعماية فوض إليه نظر النظار والصحبة، ثم عزل عن ذلك، ولزم داره، ثم رسم له بنظر المملكة الطرابلسية، ورتّب له على هذه الوظيفة نظير معلومه الذى كان له على وظيفة نظر النظار
[1] أورد المقريزى هذا الخبر فى السلوك (2/348) وفى كنز الدرر وجامع الغرر (9/312) أورد له وزارة فى سنة 723، وذكر اسمه هكذا «الصاحب أمين الدين أمين الملك بن العنام» وقد ترجم له ابن حجر فى الدرر (2/251) باسم: عبد الله بن تاج الرياسة القبطى، أمين الدين الوزير، وذكر أنه ولى الوزارة ثلاث مرات: الأولى سنة 711 بعد بكتمر الحاجب، فأقام سنتين، ثم وليها ثانيا، ثم أخرج إلى نظر طرابلس سنة 718 هـ ثم أعيد إلى الوزارة بعد أن أمسك كريم الدين سنة 722 هـ ومات فى سنة 740 أو 741.
ورواية ابن حجر هذه تختلف عما أورده النويرى هنا. والدوادارى فى كنز الدرر وجامع الغرر (9/312) وانظر أيضا السلوك (2/553) .
بالديار المصرية، فتوجه إليها كارها فى سادس عشر صفر سنة ثمانى عشرة وسبعماية، وأقام بها إلى أن سأل أن يفسح له فى التوجه إلى الحجاز الشريف، فأذن له فى/ (52) ذلك، فحج ولم يعد إليها، واستعفى من المباشرة، فرسم له بالإقامة بالقدس الشريف، فأقام هناك، ورتّب له على سبيل الراتب فى كل شهر ثمانمائة درهم وثمانية غراير [1] ، فلم يزل بالقدس الشريف إلى أن قبض على كريم الدين كما تقدم، فرسم السلطان بطلبه إلى الأبواب العلية، وكتب بذلك إلى نائب السلطنة الشريفة بالشام على يد الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، فتوجه إلى دمشق، وأرسل إليه البريد منها، فحضر إلى الأبواب السلطانية.
وكان وصوله فى بكرة نهار الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبعماية، فمثل بين يدى المقام الشريف، فأقبل عليه غاية الإقبال، والبسه تشريفا، ونزل إلى داره، فلم يستقر به الجلوس حتى طلبه ثانيا، ففوض إليه الوزارة، وأنعم عليه بالدواة والبغلة، وأقام بالقلعة إلى عشية النهار ينفّذ الأشغال، ثم ركب منها إلى داره واجتمع الناس ببابه، وامتلأت الأزقة والشوارع والرحبة التى أمام الدار على سعتها، وازدحموا حتى كاد يعجز عن الوصول إلى باب داره والدخول إليها إلا بجهد كبير.
وأصبح فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، وركب فى موكب الوزارة، وجلس بدار العدل الشريف مع السلطان إلى أن انقضى المجلس، وقام إلى قاعة الوزارة، وفتح له الشبّاك بها، وكان قد أغلق بعد عزله عن الوزارة، فلم يفتح إلا فى هذا اليوم، فجلس فيه، وأظهر الإحسان إلى الناس، ونشر فيهم العدل، ووعدهم عن نفسه وعن السلطان بكل جميل، فسر الناس بمقدمه، وازدحموا عليه حتى منعوه من تنفيذ أشغال الدولة، فكانت قلعة الجبل تغص بالناس من أرباب/ (53) الأشغال والوظايف والبطّالين والمتفرّجين، إلى أن رسم بمنع كثير من العوام من طلوع القلعة، وأقام على ذلك أياما حتى خف الناس، ولما ركب إلى مصر فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر تلقاه الناس بالفرح والسرور والدعاء له، وازدحموا عليه فيما بين مصر والقاهرة، حتى امتلأت بهم الطرق.
[1] الغرائر: جمع الغرارة، وهى وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهى أكبر من الجوالق.