المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكن من دولته» - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ٣٣

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث والثلاثون

- ‌تقديم بقلم المحقق

- ‌[تتمة الفن الخامس في التاريخ]

- ‌[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

- ‌[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]

- ‌[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]

- ‌واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك

- ‌ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة

- ‌ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق [1] ، بالقاهرة ومصر، وأعمال الديار المصرية

- ‌ذكر وصول هدية الملك أبى سعيد بن خربندا ملك التتار [1] إلى الأبواب السلطانية

- ‌ذكر تفويض نظر أوقاف الجامع الطولونى للقاضى كريم الدين [5] وكيل الخواص الشريف [6]

- ‌ذكر حفر البركة الناصرية

- ‌ذكر حادثة الكنايس [4]

- ‌ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر [4]

- ‌ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله صحبتهم وعودهم

- ‌ذكر توجه أدر السلطان إلى الحجاز الشريف ومن توجه فى خدمتهم

- ‌ذكر وصول بعض من وقف بعرفة فى هذه السنة إلى القاهرة المحروسة

- ‌ذكر حوادث كانت بدمشق فى هذه السنة

- ‌ذكر هدم كنيسة اليهود القرّائين بدمشق

- ‌ذكر ما وصل إلينا من الحوادث الكائنية ببغداد فى هذه السنة

- ‌واستهلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة يوم الأربعاء الموافق الخامس والعشرين [4] من طوبة من شهور القبط

- ‌ذكر وصول أدر السلطان من الحجاز الشريف

- ‌ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [2] ، وفتح مدينة آياس [3] وأبراجها

- ‌ذكر اجتماع المماليك السلطانية وشكواهم وما حصل بسبب ذلك

- ‌ذكر وصول الأمير «علاء الدين الطنبغا» [3] نائب السلطنة/ بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية وعوده

- ‌ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك التتار

- ‌[ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر قبض على كريم الدين الكبير [1]]

- ‌ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقّلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكّن من دولته»

- ‌ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله «وهى الوزارة الثانية له» [1]

- ‌ذكر القبض على كريم الدين الصغير [4] «وشىء من أخباره»

- ‌ذكر وصول رسل متملك الأرمن إلى الأبواب السلطانية

- ‌(57) ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد

- ‌ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى بلاد النوبة

- ‌واستهلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق للثالث من طوبة من شهور القبط

- ‌ذكر وفاة الخوند أردكين ابنة نوكاى [3] زوج السلطان الملك الناصر

- ‌ذكر خبر النيل فى هذه السنة

- ‌ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة

- ‌ذكر متجددات وحوادث كانت بالشام

- ‌(74) واستهلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة بيوم الأربعاء الثالث والعشرين من كيهك من شهور القبط

- ‌ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال ومن استقل بملكه وسميت أيامهم بالدولة الفلانية

- ‌ذكر عمال اليمن فى الدولة العباسية

- ‌ذكر أخبار دولة بنى زياد

- ‌ذكر أخبار صنعاء ومن وليها بعد الخلودى

- ‌(94) ذكر أخبار على بن الفضل والمنصور بن حسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدى

- ‌ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم

- ‌ذكر أخبار دولة على بن محمد الصّليحىّ

- ‌ذكر مقتل الصّليحى وقيام ابنه المكرّم

- ‌السلطان سبأ بن أحمد بن المظفّر الصّليحى

- ‌المفضّل بن أبى البركات بن الوليد الحميرى

- ‌ذكر أخبار ملوك الدولة الزّريعيّة

- ‌محمد بن سبأ، ولقبه المعظّم المتوّج المكين

- ‌السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامى

- ‌ذكر أخبار سعيد الأحول، واستيلائه على زبيد ثانيا ومن ملك بعده من آل نجاح

- ‌ذكر أخبار دولة على بن مهدى الحميرىّ وبنيه

- ‌(126) ذكر أخبار ملوك الدولة الأيّوبية باليمن

- ‌الملك المعزّ [2] فتح الدين أبو الفدا إسماعيل

- ‌سليمان بن شاهانشاه بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [1]

- ‌ذكر ملك الملك المسعود صلاح الدين أتسر

- ‌ذكر أخبار الدولة الرسولية ببلاد اليمن

- ‌المظفّر أبو المنصور شمس الدين يوسف

- ‌ذكر استيلاء المظفر على ظفار وحضرموت ومدينة شبام

- ‌ذكر وفاة الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وملك ولده الأشرف

- ‌ الملك الأشرف ممهّد الدين عمر

- ‌(149) ذكر ملك الملك المؤيّد هزبر الدين داود

- ‌ذكر وصول أولاد [3] الملك الأشرف إلى عمّهما الملك المؤيّد، ونزولهما عما بأيديهما

- ‌(153) ذكر خلاف الملك المسعود تاج الدين [الحسن [5]] ابن الملك المظفر على أخيه الملك المؤيد

- ‌ذكر متجددات كانت فى شهور سنة سبع وتسعين وستمائة

- ‌(159) ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف وما وقع بسبب ذلك من الحرب والحصار

- ‌ذكر إنشاء القصر المعقلى والمنتخب

- ‌ذكر [6] مقتل الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء

- ‌ذكر وصول الأمير علاء الدين كشتغدى [3] إلى خدمة السلطان الملك المؤيد

- ‌ذكر وفاة الملك المؤيد هزبر [1] الدين داود

- ‌ذكر ملك الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر داود بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول وخلعه من الملك/ (177)

- ‌ذكر ملك الملك المنصور زند [4] الدين أيوب بن الملك المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول، وخلعه

- ‌ذكر عود الملك المجاهد إلى الملك والقبض على عمه الملك المنصور ووفاته

- ‌ ذكر تجريد طائفة من العساكر المنصورة إلى البلاد اليمنية وما كان من خبرها إلى أن عادت [3]

- ‌ذكر حفر الخليج الناصرى [1]

- ‌ذكر عمارة القصر والخانقاة بسماسم والجلوس بالخانقاة

- ‌ذكر روك [2] الإقطاعات بالمملكة الحلبية

- ‌ذكر وفاة الأمير ركن الدين بيبرس [1] المنصورى

- ‌ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل الأمراء فى الإقطاعات والتّقادم

- ‌ذكر توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء

- ‌ ذكر غرق مدينة بغداد

- ‌واستهلت سنة ست وعشرين وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لثانى عشر كيهك من شهور القبط

- ‌ذكر وصول رسل متملّك الحبشة

- ‌ذكر عزل وتولية من يذكر من أرباب المناصب الديوانية بالدولة الناصرية

- ‌ذكر وصول رسل الملك المجاهد متملك اليمن بالتّقادم

- ‌ذكر إرسال الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى إلى أبى سعيد

- ‌ذكر إرسال السلطان ولده إلى الكرك [1] المحروس

- ‌ذكر تجديد عمارة البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة

- ‌ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى برقة

- ‌ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال [6] الحاجب

- ‌ذكر الجلوس بخانقاة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بالقرافة

- ‌ذكر وصول رسل التتار وأقارب السلطان إلى الأبواب السلطانية

- ‌ذكر وصول رسل جوبان [1]

- ‌ذكر وصول صاحب حصن كيفا [4] إلى الأبواب السلطانية، وعوده إلى بلاده، وخبر مقتله وملك أخيه

- ‌(214) ذكر خبر مولود ولد فى هذه السنة

- ‌ذكر خبر إجراء الماء إلى مكة شرفها الله تعالى

- ‌ذكر عدة حوادث كانت بدمشق فى سنة ست وعشرين وسبعمائة خلاف ما ذكرنا

- ‌ذكر اعتقال الشيخ تقى الدين بن تيمية

- ‌ذكر عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، وانتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية

- ‌ ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية والقبض على الأميرين سيف الدين طشتمر البدرى [1] وسيف الدين قطلوبغا [2] الفخرى والإفراج عنهما

- ‌ذكر حادثة وقعت بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام

- ‌ذكر القبض على من يذكر من الأمراء، وإعادة الأمير شرف الدين حسين بن جند ربيك إلى الديار المصرية

- ‌ذكر اتصال الأمير سيف الدين قوصون بابنة السلطان الملك الناصر

- ‌ ذكر استعفاء قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى من القضاء بالديار المصرية، وإجابته إلى ذلك، وتفويض القضاء بعده لقاضى القضاة جلال [2] الدين القزوينى

- ‌ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك العراقين وخراسان إلى الأبواب السلطانية/ (242)

- ‌ذكر الفتنة الواقعة بثغر الإسكندرية [5]

- ‌ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام لشيخ المشايخ علاء الدين القونوى [4]

- ‌ذكر تفويض ما كان بيد الشيخ علاء الدين من الجهات لمن يذكر، وما وقع فى أمر الصوفية بالخانقاة الصلاحية

- ‌ذكر وصول رسل الباب [1] فرنسيس إلى الأبواب السلطانية

- ‌ذكر متجدّدات كانت بالشام فى هذه السنة خلاف ما ذكرناه

- ‌واستهلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة [2] بيوم الثلاثاء الموافق للعشرين من هاتور من شهور القبط

- ‌ووصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك

- ‌ذكر وفود الأمير تمرتاش بن الأمير جوبان بن تلك بن بدوان [1] نائب الملك أبى سعيد بمملكة الروم إلى الأبواب السلطانية

- ‌وأما الأمير دمرداش [2] بن جوبان

- ‌ووصل رسل الملك أبى سعيد إلى الأبواب السلطانية

- ‌ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية وعوده

- ‌ذكر وفاة قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى الحنفى وتفويض القضاء بعده إلى القاضى برهان الدين إبراهيم بن عبد الحق

- ‌ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله، وعودهم إلى مرسلهم

- ‌ذكر مقتل الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وتولية أخيه طفيل

- ‌ذكر ما قرر من استيمار [1] الدولة الناصرية ومن رتب من المباشرين

- ‌ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمراء والمعتقلين

- ‌ذكر متجددات كانت بدمشق فى هذه السنة

- ‌ذكر حادثة السيل بعجلون [2]

- ‌واستهلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق لثامن هاتور من شهور القبط

- ‌ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد/ ورغبته فى الاتصال بمصاهرة السلطان

- ‌ذكر الاستبدال بمن يذكر من مباشرى الدولة، ومصادرتهم وإفصال الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى من الوزارة

- ‌ذكر رؤيا رأيتها فى المنام أحببت إثباتها لدلالتها على صحة نسبى

- ‌ذكر متجدّدات كانت بدمشق فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة

- ‌واستهلت سنة ثلاثين وسبعمائة بيوم الأربعاء الموافق الثامن والعشرين من بابة من شهور القبط

- ‌ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام إلى القاضى علم الدين بن الإخنائى [1]

- ‌ذكر وصول الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة إلى الخدمة السلطانية وتوجهه فى خدمة السلطان إلى الصيد وعوده إلى حماة [1]

- ‌ ذكر توجه السلطان إلى الصيد وعوده وسبب ما حصل فى يده من التصدع ومعالجة ذلك وبرئه

- ‌ذكر إقامة الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة الصالحية [3] النجمية بالقاهرة المحروسة

- ‌ذكر إنشاء الخانقاة العلائية بالقاهرة

- ‌ذكر وصول رسل ريدافرنس إلى الأبواب السلطانية

- ‌ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بهادر

- ‌ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد

- ‌ذكر خبر يوسف الكيماوى ومقتله

- ‌ذكر الفتنة بمكة شرفها الله تعالى

- ‌ذكر متجددات كانت بدمشق المحروسة فى سنة ثلاثين وسبعمائة مما نقلته من تاريخى البرزالى، والجزرى

- ‌صورة ما ورد فى آخر نسخة «ك»

- ‌فهرس موضوعات الجزء الثالث والثلاثين

الفصل: ‌ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكن من دولته»

ولما حضر ولده علم الدين طولب بالمال، وسعط بالخل والجير [1] ، فاعترف أن له وديعة عند صارم الدين أستاذ دار والده، فطلب فأحضر نحو عشرة آلاف دينار، وأنكر عليه كونه أخّر إحضار هذا المال، فقال: هذا كان وديعة عندى لهذا، وقد أحضرته الآن، فلم يؤاخذ بذلك. ثم أفرج عن ولده [علم الدين][2] عبد الله بعد ذلك، واستقر بحارة الدّيلم بدار أبيه الصغرى.

هذا ما كان من خبر القبض على كريم الدين ووفاته. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.

‌ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقّلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكّن من دولته»

(40)

/كان كريم الدين المذكور فى ابتداء أمره فى حالة شبيبته فى خدمة خاله تاج الرياسة [3] بن سعيد الدولة، وكان معه بمدينة قوص لما كان كاتبا للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى البريدى متولى الأعمال القوصية- كان- فى الدولة المنصورية السيفية، وكان هو وخاله إذ ذاك- وبعده بسنين كثيرة- على دين النصرانية، وتوجّه معه إلى الأعمال القوصية، ورتب كريم الدين فى كتابة المسطبة بقوص، وهى كتابة نائب الولاية، ثم خدم بعد ذلك الأمراء، فكان ممن خدمه منهم: الأمير سيف الدين جاورشى الحسامى، والأمير سيف الدين قجقرا وغيرهما، وباشر بعد ذلك وظيفة كتابة فى البيوت السلطانية، ثم أسلم فى الدولة الناصرية، وباشر نظر ديوان الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ دار العالية؛ إذ تمكّن منه، وظهر اسمه، وشاع ذكره ونوّه الناس به، وأظهر

[1] يقال: سعط الدواء، وأسعطه إياه: إذا أدخله فى أنفه. والتسعيط بالخل والجير كان من أنواع التعذيب التى عرفت فى مصر فى العصور الوسطى.

[2]

الزيادة من السلوك، والنجوم (9/74) .

[3]

ترجمته فى الدرر (1/515) وورد اسمه فيه: تاج الدين بن سعيد الدولة القبطى وسيورده النويرى بعد قليل بلقب تاج الدين، ووفاته سنة 709 هـ.

ص: 49

المكارم، وبذل ماله، فمدحه الشعراء، ورغب الناس فى صحبته والاجتماع به، ولم يزل على ذلك وحاله تتزايد إلى أن استقر بيبرس الجاشنكير فى السلطنة كما تقدم، فعظم عند ذلك شأنه [1] ، وارتفع مكانه، وعلت رتبته، وسمت همّته، وهو مع ذلك تبع لخاله تاج الدين بن سعيد الدولة، يأتمر بأمره، ويتصرف عن رأيه، ويقف بين يديه، وإذا خاطبه تاج الدين لا ينعته غالبا بل يكنّيه بأبى الفضايل لا يزيده على ذلك، سمعته يخاطبه بذلك، وكان تاج الدين المذكور قد تمكن فى دولة بيبرس الجاشنكير المنعوت بالملك المظفّر، وكان يباشر نظر الدولة، ويجلس إلى جانب نائب السلطنة الأمير سيف الدين/ (41) سلّار بدركاة باب القلّة، ويكتب على ساير ما يكتب عليه السلطان قبل خط السلطان ما مثاله «يحتاج إلى الخط الشريف» ولا تقدم الدّواداريّة للعلامة إلا بعد مشاهدة خطّه بذلك، إلا كتب البريد خاصة، وكانت كتب السلطان الملك المظفر إلى النواب والولاة وغيرهم بالشام وغيره لا تختم إلا بعد عرضها عليه إذا كان فيها ذكر الأموال، فلما مات تاج الدين بن سعيد الدولة فى سنة تسع وسبعماية فى سلطنة المظفر بيبرس استقر كريم الدين فى وظيفته، فلم تطل المدة إلى أن خلع بيبرس من السلطنة كما ذكرناه، فكانت هذه الولاية كسحابة صيف، أو زيارة طيف.

ولما توجه المظّفر بيبرس إلى الصعيد توجه كريم الدين معه، فلما استقر السلطان الملك الناصر بقلعة الجبل حضر كريم الدين إلى الأبواب السلطانية برسالة مخدومه، وأعاد الخزانة التى كانت معه، فخلع السلطان عليه بسبب ذلك، ثم قبض عليه لما قبض على بيبرس، ورسم بمصادرته، وسلّمه السلطان للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وأمره باستصفاء أمواله، وإعدامه بعد ذلك من الوجود، لما كان يبلغ السلطان عنه فى زمن خدمته لبيبرس الجاشنكير، عند ذلك بذل كريم الدين الأموال، وفرّقها فيمن يقبلها من مماليك السلطان وغيرهم، فأعطى مالا كثيرا، فيقال: إنه أعطى للأمير سيف الدين بكتمر الجوكاندار

[1] انظر فى خبر تمكن كريم الدين فى دولة بيبرس الجاشنكير ما أورده ابن تغرى بردى فى: النجوم الزاهرة 9/76.

ص: 50

نائب السلطنة يومئذ عشرة آلاف دينار، وأعطى غيره، وأقلّ ما بذل خمسماية دينار عينا فيما بلغنى، فمال إليه المماليك السلطانية، واعتنوا به، وتكلم الأمير جمال الدين/ (42) آقش الأشرفى مع السلطان فى أمره، وتلطف غاية التلطف من غير أن يأخذ منه مصانعة، ولا قبل له بذلا، ولا حسّن للسلطان إبقاءه، وقال للسلطان: هذا مطّلع على أموال بيبرس ومتاجره، وهى كثيرة ببلاد الفرنج وغيرها، ومتى مات ضاعت على السلطان، فلم يزل يتلطف إلى أن رسم السلطان بالإفراج عنه، ورسم له أن ينظر الخاصّ بالوجه القبلى وهو الخاصّ الذى كان لبيبرس فى زمن إمرته، وأقرّ له فى السلطنة، فسأل كريم الدين المذكور شهاب الدين أحمد بن (على بن)[1] عبادة- وكيل الخاص الشريف السلطانى- أن يكون وكيله فيما يختص بنفسه، فأجابه إلى ذلك ووكّله، وكان يتردد إلى خدمته فى كل يوم، ويسلك معه من الآداب ما لا مزيد عليه، ولا يخرج عن أمره، وهو مع هذا يجتمع بالمماليك السلطانية، ويتقرب إليهم بالهدايا والألطاف، ويبذل لهم الرغبات، فرسم له بنظر ديوان الملك المنصور «علاء الدين على» [2] ولد السلطان.

ثم مرض شهاب الدين أحمد بن عبادة ومات فى سنة عشر وسبعماية، فتكلم الأمراء المماليك السلطانية مع السلطان فى أمره، فوكّله وجعله ناظر خواصّه على عادة شهاب الدين بن عبادة، وذلك فى جمادى الأولى سنة عشر وسبعماية، فباشر هذه الوظيفة، وخدم الأمراء، وبالغ فى ذلك، وأفرد السلطان لخاصّة ثغر الإسكندرية، فاستقل كريم الدين بمباشرته، وانفرد به دون وزير الدولة وغيره، وأخذ من السلطان مالا للمتجر، فحصل منه فوايد كثيرة، وأخذ أمره فى/ (43) التّمكّن، وانتمى إلى الأمير سيف الدين طغاى الحسامى [3] الناصرى، فكان يحمل إليه الألطاف والتحف، ويبالغ فى خدمته، وهو يقربّه من

[1] الزيادة من الدرر (1/210) وله فيها ترجمة مطولة، ووفاته فى سنة 710 هـ.

[2]

علاء الدين على بن الناصر محمد بن قلاوون لم يكن للناصر حين عاد من الكرك ولد غيره فكان يحبه كثيرا، توفى سنة 710 (الدرر 3/115) .

[3]

كان من مماليك الناصر، وتمكن منه إلى الغاية، ثم نقم الناصر عليه فاعتقله بالإسكندرية فمات بها فى سنة 718 هـ- ترجمته فى الدرر (2/221 و 222) .

ص: 51

السلطان، ويشكره، ويذكر محاسنه، واحتفاله بالمصالح، وحسن مباشرته، فتمكن بذلك عند السلطان، وظهر اسمه وعلت رتبته، فعلم أنه لا يستقيم له ما يرومه، ويحصل تمكنه على ما فى نفسه مع بقاء الوزير، فتلطف إلى أن كان من عزل الصاحب أمين الدين ما ذكرناه، وحسّن للسلطان اختصار الوزارة، وأنّ السلطان يشاور فى جميع الأمور، ويتصرف فيها عن أمره، ويطّلع على أحوال دولته، ما قرب منها وما بعد، فوقع ذلك من السلطان بموقع، ووافق عليه، واختصرت الوزارة، وأضاف السلطان إلى كريم الدين ما كان بيد الصاحب أمين الدين من نظر البيمارستان المنصورى والقبة والمدرسة، ومكتب السّبيل، وأوقاف ذلك، فعندها استقل كريم الدين بالأمر، وأظهر القوة برفق، ولم يزل أمره يأخذ فى الازدياد والظهور والتقدم وعلو الشأن، وهو مع ذلك يراجع الأمير سيف الدين طغاى؛ ويتردد إليه، ولا يخالف أمره، ثم مال إلى غيره من الأمراء المماليك السلطانية، ورأى فى نفسه أنه قد كبر على مراجعة طغاى أو غيره، فظهر ذلك لطغاى، فتنكر له، وغضب لميل كريم الدين إلى غيره، فأعمل كريم الدين الحيلة والتلطف إلى أن كان من إخراج طغاى إلى نيابة صفد والقبض عليه ما قدّمنا ذكره، فلم يبق له عند ذلك منازع ولا مشارك فى الكلمة، ومال السلطان إليه ميلا عظيما، وقرب منه قربا ما قربه منه أحد، ولا سمع بمثله، حتى ولا ما بلغنا عن الرشيد والبرامكة ما لو شرحناه لطال، وزاده السلطان فى التشاريف، فكان يخلع عليه أولا «كنجى» (44) مطلق ثم خلع عليه «كنجى» منقوشا ثم رفعه عن هذه الرتبة فخلع عليه أطلسا معدنيا أبيض، وتحتانية أطلس أخضر بطرززركش على الفرجتين، ولم يخلع مثل ذلك على متعمّم قبله، ولا على نائب سلطنة، وبلغنى أنه رسم له أن يلبس فى خلعته الشاش المثمر الذى لا يخلع إلا على صاحب حماة، وهو شاش سكندرى مقفّص بحواش زرق بقبضات ذهب مصرى، فاستعفى من ذلك.

ثم فوّض السلطان إليه بعد ذلك جميع ما بيده من التصرّف فى الأموال والولايات، والبيع والابتياع والنكاح والعتق وغير ذلك، أقامه فى جميع ذلك مقام نفسه، وقال السلطان فى مجلس عام:«فوّضت إليه ما هو مفوّض إلىّ» .

ص: 52

وزاد معلومه المقرّر له على الدولة، فقرر له ما لم نعلم أنه قرّر لمتعمّم قبله، وكان يستدعى من الحوايج خاناه والمطبخ السلطانى ما يحتاج إليه من الطارى، فيحمل إليه من غير استئذان أحد، وأضاف السلطان إليه النظر على أوقاف الجامع الطولونى عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، وكان قاضى القضاة يلى ذلك بشرط الواقف، فانتزعه منه، وفوضه إلى كريم الدين، فباشره أحسن مباشرة، وحصل له من السعادة فى مباشرته أنه كان إذا اختلت جهة من الجهات ففوضت إليه صلح أمرها، وتميّزت أموالها، وصار هو الآمر فى الدولة مصرا وشآما، وكان أمره يصدر لفظا لا خطا، ولا يراجع إذا أمر بولاية أو عزل أو طلاق أو منع أو زيادة أو توفير، فكان يرسل إلى القاضى علاء الدين [1] على بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء أن يوقع بكذا، أو يكتب بكذا، فيفعل ذلك من غير مراجعة ولا توقف على استئذان السلطان، بل يكتب لوقته ما يأمر به، ويكتب فى آخر/ (45) المرسوم أو التوقيع حسب الأمر الشريف، فتصرّف كريم الدين فى أموال المملكة وولاياتها ووظايفها بلفظه، فكان ساير أرباب الوظايف يتصرفون عن أمره.

ولقد انتهى أمره فى التعاظم إلى أن حضر الأمير علاء الدين الطنبغا [2] ، نائب السلطنة بحلب إلى الأبواب السلطانية فى سنة اثنتين وعشرين وسبعماية، وركب فى خدمة كريم الدين إلى داره، فلما قرب من الدار ترجل عن فرسه ومشى وكريم الدين راكب ما تغير عن حاله إلى أن انتهى إلى المكان الذى عادته أن يركب منه وينزل فيه، وانتهى تمكنه إلى أن ركب السلطان إلى داره، مرارا، فركب مرة إلى تربته بالقرافة، ونزل ودخل الخانقاه التى أنشأها كريم الدين بها، وأكل طعامه فيها، وركب مرة ثانية إلى داره التى أنشأها ببركة الفيل، ووقف السلطان بنفسه، وقسّمها المهندسون بحضوره، والسلطان يشاركهم فى الهندسة والقسمة.

[1] على بن أحمد بن سعيد بن الأثير ولد فى سنة 680 هـ، ترجمته فى الدرر (3/14) وسيورد النويرى ترجمته فى هذا الجزء فى حوادث سنة 730 هـ.

[2]

الطنبغا الحاجب الناصرى، ولاه الناصر نيابة حلب سنة 714، ثم أعيد إلى مصر أميرا سنة 727، ثم عاد إلى نيابة حلب سنة 731 هـ ثم عزله الناصر فى 732، ومات مخنوقا- أو مسموما- فى ذى القعدة سنة 742 هـ. ترجمته فى الدرر (1/408 و 409) .

ص: 53

ولقد مرض قبل أن يأمر السلطان بالقبض عليه بأيام، فأظهر السلطان عليه من القلق والألم ما لا مزيد عليه، وكان يرسل إليه فى كل يوم جماعة من مماليكه الأمراء الخاصّكية يسألون عنه، ويعودون إلى السلطان بخبره، ثم يرسل آخرين بعدهم، هذا دأبه فى طول نهاره، وأرسل إليه جملة من المال يتصدق بها فى مرضه. ولما عوفى زينت له القاهرة أحسن زينة، كما تزين للفتوحات الجليلة، ولعود السلطان من الغزوات المنصورة عند هزيمة أعدائه، وبات الناس بالأسواق، ونصب فى بعض الجهات أبراج من الخشب، ولبست الأطلس، والذهب وغيره، وكانت الملاهى فى عدة مواضع من القاهرة بالأسواق أياما، وبظاهر القبة المنصورية، وفعل مثل ذلك/ (46 فى مرضه عند عافيته فى غير هذه المرة، وإنما كانت أكثرها احتفالا المرة الأخيرة.

ولما عوفى من المرضة الأخيرة أمر أن يتصدّق بقمصان بالبيمارستان من وقفه، فاجتمع الفقراء لذلك، وازدحموا قبل وصوله إلى البيمارستان، فمات منهم من شدة الازدحام ثلاثة عشر إنسانا من الرجال والنساء، وتأخر عن الحضور فى ذلك اليوم. هذه حاله فى أمر الدولة والتمكّن منها، والقرب من السلطان، ونفوذ الكلمة.

وأما حاله فى نفسه وأمواله ومتاجره، فإنه اتسعت أمواله ونمت، وكثرت أملاكه، وتضاعفت متاجره، إلى أن منع التجار أن يتّجروا فى صنف من الأصناف إلا أن يبتاعوه من حواصله بما يختاره من الثمن، واحتكر الأصناف قليلها وكثيرها حتى حبال القنب للورّاقات وقصب الغاب، وقش الحصر، وما بين ذلك إلى المسك والعنبر والعود، وماء الورد، وساير الأصناف، لا يستثنى منها شيئا؛ وكان فى كل مدة ينادى بجمع التجار إلى داره واصطبله لحضور حلقة البيع، فتغلق الأسواق، ويحضر الناس على اختلاف طبقاتهم، فيخرج الأصناف من الأقمشة وغيرها، فيبيعها عليهم بما يختاره هو أو أتباعه، لا يقدر أحد منهم على الامتناع.

ص: 54

فلما كثرت الشّناعة فى ذلك صار يجمع الناس ويخرج إليهم من القماش الكمخا والصوف والنّصافى [1] وغير ذلك، فينادى منه على خمسة قطع أو عشرة من أجوده، ويقول للتجار: اشتروا بالقيمة، فينتهى إلى قيمتها/ (47) ثم ترفع إلى حاصله، ويخرج من جنسها ما يساوى أقل من نصف قيمتها، فيعطاه الناس بما انتهت إليه قيمة الجيّد منه، ويفرق عليهم، فكان الذى يأخذه الناس لا يقوم لهم بنصف الثمن الذى يعطونه، ومنه ما لا يحفظ الثلث- وحكى لى بعض من أثق به من التجار العدول كثيرا من ذلك- ثم يستخرج الثمن منهم بأشد طلب وأعنفه، فتضرّر الناس لذلك، وانكسر جماعة منهم، وغلّقوا دكاكينهم، ومنهم من تسحب.

ثم خرج عن هذا الحد إلى تعطيل الأحكام الشرعية، والعمل بغير حكم الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان يخرج ما لا فى بعض الأوقات إذا برض [2] ، ويرسم أن يصالح أرباب الديون على مالهم فى ذمة من اعتقلوه، ويفرج عنهم، فيطلب المعتقل ومن اعتقله، ويسأل رب الدين عن دينه، ويلزم باحضار وثيقته، فإن اعتذر عن إحضارها رسم عليه حتى يحضرها، فإذا أحضرها أخذت منه، وأمر أن يصرف له عشر مبلغها، أو أقل منه، أو أكثر بيسير، فإن رضى بذلك وإلا قطعت وثيقته، وأفرج عن المعتقل، ويرسم فى بعض الأوقات على بعض أرباب الديون حتى يشهدوا عليهم ببراءة غرمائهم فإذا تكامل ذلك أمر كريم الدين أن تغلق أبواب السجون الحكمية، ويمنع نواب الحكام من سماع الدعاوى فى الديون الشرعية، فتعطلت الأحكام الشرعية، وتضرر الناس، وكان هذا الفعل من أشد ما فعله، ولا يتجاسر أحد أن يذكر ذلك له، ولا يعيبه عليه، حتى صار المنكر لذلك ينكره بقلبه، وهو أضعف الإيمان.

وكان كثير من المرائين يحسنون/ (48) له فعله، ويشكرونه عليه، ويدعون له، فحصل للناس التضرر التام، حتى كادت المعاملات أن تنقطع من بين الناس.

[1] لعله جمع النصيف، وهو الخمار، والعمامة، وكل ما يغطى الرأس، ومن معانيه أيضا: البرد- بضم فسكون- له لونان (تاج العروس مادة/ ن ص ف) .

[2]

يقال: برض فلان (بالبناء للمجهول) إذا نفد ماله من كثرة العطاء، ويقال: برض له من ماله: إذا أعطاه شيئا قليلا (المعجم الوسيط)، والمعنى على هذا: أنه يلجأ إلى هذه الحيلة كلما بدت له ضائقة مالية.

ص: 55

وعمل نوابه مع بعض من اعتنوا به من التجار عكس هذا، فكان بعض التجار يبيع السلعة الكاسدة على بعض المضرورين من التجار وغيرهم إلى الأجل الطويل، فيرغبون فى ابتياعها لطول المدة، ويرجون بذلك أن يتسببوا فيها لصلاح أحوالهم، ويشترونها بمثلى القيمة، فإذا استقر البيع، وتسلم المشترى السلعة، وأشهد على نفسه بالثمن أحال التاجر البائع إلى ديوان كريم الدين بالثمن، فيطلب المشترى، ويرسم عليه، ويستخرج الثمن بالضرب والاعتقال، ولا يحملون فيه على حكم الشرع، ولا يستنكف نوابه من ذلك ولا يتحاشون، فتضرر الناس من هذا الوجه أيضا، حتى كان منهم من يبيع السلعة بعينها بنصف ما ابتاعها به من الثمن، ويعطيه، ويكلف ما بقى، فيستدينه ويعطيه.

وأما غير ذلك من حال كريم الدين فإنه كان قد تعاظم فى نفسه، فيخلع الخلع السنية أشرف من خلع السلطان، فكان السلطان إذا خلع على أحد ملونا خلع كريم الدين مصمتا، وإن خلع مصمتا خلع هو طردوحش، وإن خلع طردوحش خلع طردوحش مقصّبا، وإن خلع السلطان مقصّبا خلع الأطلس المعدنى بالطرز الزركشى، وأنعم بالحوايص الذهب والكلّوتات الزركشى وغير ذلك، وإذا خلع على من يخلع السلطان عليه الأطلس/ (49) بطرز الزركش خلع عليه المزركش المكلّل باللّؤلؤ والمرصّع بالجوهر، وأنعم عليه بالخيول المسوّمة، وبغالى الأقمشة وغير ذلك، وإذا أنعم السلطان بمال أنعم بأضعافه، فكان ذلك مما حقده السلطان عليه، وذكره من عيوبه، وتعاطيه ما لا يصلح.

وكان مما فعله أنه جعل لنفسه بيوتات نحو بيوت السلطان من شرابخاناه، وطست خاناه، وفراش خاناه وغير ذلك، وفى كل بيت منها من الآلات المناسبة له ما لا يكون مثله إلا عند أكابر الملوك، ثم أخذ لنفسه أخيرا بما يفعله الملوك، فكان يمدّ سماطه وأمامه أستاذ الدار، ومقدم المماليك، والجاشنكير، والمشرف، ويأكل من ذلك الطعام من حضر من الأكابر وغيرهم، وهو بارز عنه لا يأكل منه شيئا، فإذا رفع ذلك السماط استدعى الطارى بعد ذلك فيأكل منه، وكان فى ليالى شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعماية يمد بين يديه

ص: 56

السماط الذى لا يمد لنائب سلطنة مثله، ويتقدمه المشروب، ويأكل من حضر السماط من الأعيان وغيرهم، فيأكلون بعد المشروب، ثم تمدّ الحلوى بعد السماط، وهو جالس على مرتبته لا يأكل من ذلك شيئا، ثم يؤذن للناس فى الانصراف، ويمد له طعام الطارى فيأكل منه، وبلغنى أنه كان يفعل ذلك فى أسفاره إلى الشام وغيره، وكانت رواتبه وافرة لم يكن لنائب سلطنة نظيرها، وعطاياه وصلاته وإنعامه وتشاريفه متواصلة بمن يتعلق بالسلطان من خواصه وأمرائه/ (50) ومماليكه وغلمانه، لا ينقضى يوم إلا وقد أنعم فيه بالجمل الكثيرة.

وكان الذى أعانه على ذلك أنه تخوّل [1] فى أموال الدولة، واتسع جاهه، وكثرت متاجره، وتقرب الناس إليه ببذل فوائد المتاجر، وضايق الناس فيما بأيديهم حتى كان يرسل كل سنة إلى تجّار الكارم- عند وصولهم من اليمن إلى ثغر عيذاب- من يأخذ منهم جملة من الفلفل بأقل من قيمته بعدن، ويلزمهم بحمله والقيام بما عليه من الحقوق والمكوس [2] إلى أن يصل إلى ساحل مصر، ويقبض منهم، فإذا وصل تجّار الكارم إلى ثغر الإسكندرية لا يمكنون من البيع على تجار الفرنج إلا بعد بيع ما عنده، وحواصله كثيرة جدا فأضر ذلك بالتجار من الكارمية والفرنج حتى لو استمرت ولايته لأدت إلى انقطاع الواصل عن الديار المصرية، وكانت له عدة معاصر أقصاب، ودواليب [3] بالوجه القبلى والبحرى، بحيث أنه لا يخلو إقليم من أقاليم الديار المصرية، ولا بلد كبير إلا وله فيه تعلق من دواليب أقصاب وبساتين، أو زراعة أو متجر أو مسلف أو معاملة أو مخرج على صنف من الأصناف التى تكون بذلك البلد.

ولما عزله السلطان أمر بإبطال هذه المتاجر، ومكن الناس من ابتياع الأصناف وبيعها، ورفع عنهم الحجر فى ذلك، فاستبشر الناس بذلك، وانبسطت

[1] المراد أنه صار مطلق التصرف فى أموال الدولة، وهذا المعنى ليس فى استعمالات هذا الفعل، وإن كان من هذه المادة الخولى: القائم بأمر الناس السائس له (المعجم الوسيط) .

[2]

المكوس: جمع المكس وهى الضريبة التى تؤخذ من التجار على ما يدخلونه البلد من تجارة، وهى ما يعرف اليوم باسم الضريبة الجمركية.

[3]

الدولاب: من آلات الاستقاء (مفاتيح العلوم ص 71) وانظر المخصص (9/162) ويفهم من السياق أنه كان يكريها، ويأخذ أجرا لها.

ص: 57