الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(57) ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وغير ذلك، وكان وصولهم إلى قلعة الجبل فى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة، ومثلوا بين يدى المقام الشريف فى هذا اليوم، وكانوا ثلاثة، المشار إليه منهم من مقدمى التّوامين [1] .
ولما وصل هذا الرسول إلى حلب، أظهر كبرا عظيما، وحمقا زائدا، فتلطف الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة بحلب به، وأكرمه وعامله بنهاية الإكرام والاحترام والأدب، فتمادى على حمقه، ولما وصل إلى حمص تلقاه نائبها، فمد يده إلى النايب ليقبلها، واتصلت هذه الأخبار بالأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس، فأرسل للقائه الأمير سيف الدين جوبان أحد الأمراء المقدّمين، فلما قدم على الرسول لم يكرمه، ولم يقم له، بل مد إليه يده ليقبلها، فصرف الأمير جوبان يده، وولّى ولم يسلم عليه.
ولما قرب الرسول من دمشق المحروسة أمر نائب السلطنة بها العسكر الشامى بالركوب فى أتم زينة، فركبوا بالكلاوت الزّركش والطّرز الزركش والخيول المسوّمة، والعدد المذهبة والمزركشة، والكنابيش الحرير المذهبة، وخرجوا فى أحسن زى وأجمله، وأمرهم أن يقفوا سماطين [2] من القابون [3] إلى باب دار السعادة، وهى سكن نائب السلطنة، ففعلوا ذلك وما ركب نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز للقائه، ولا خرج من دار السعادة، ولما حضر الرسول قدم بين يدى/ (58) نائب السلطنة، وقد حفت به الحجاب، فلم يتحرك له ولا نظر إليه كل النظر، وأوقف بين يديه، فسأله عن جوبان نائب الملك أبى سعيد، وعن الأمراء، فأجابه الرسول أنهم فى عافية، ثم أمر بإخراجه ليستريح، فأخرج، وأنزل بالميدان فى جتر [4] أمر بنصبه له، فلما صار الرسول بالدّهليز سأل العود إلى نائب السلطنة فاستؤذن على ذلك، فلم يؤذن له،
[1] مقدمو التوامين فى مملكة التتار نظراء لمقدمى الألف فى دولة المماليك بمصر فى هذه الفترة.
[2]
تثنية سماط، وهو الصف (المعجم الوسيط) .
[3]
القابون: موضع بينه وبين دمشق ميل واحد فى طريق القاصد إلى العراق، وسط البساتين (عن معجم البلدان لياقوت) .
[4]
الجتر:- بكسر فسكون- الخيمة والشمسية فارسيتها جتر- بفتح فسكون- والضبط من الألفاظ الفارسية المعربة ص 38.
فأرسل الرسول إليه يقول: أنا إنما أتيت من قبل الملك، ولم أجىء من قبل جوبان النائب، ولا الأمراء، فكيف سألنى نائب السلطان عنهم، ولم يسألنى عن الملك؟
فأجابه الأمير سيف الدين (تنكز) بقوله: أنا نائب سلطنة لا أسأل إلا عن نائب سلطنة مثلى أو أمير، وأما الملك فإنما يسأل عنه السلطان خلّد الله ملكه، ثم أرسل إليه يعنّفه على ما صدر منه من الحمق والترفع على الأمير الذى سيره للقائه، وقال:«إن ما وراء الفرات من البلاد الحادثة فى مملكتكم هى بلاد كفر ونفاق وخوارج، وأما ما وراء الفرات مما يلى الشام فهى بلاد إسلام، ومساكن أنبياء، ومقر العبّاد والصّلحاء والعلماء والفقهاء، فينبغى لمن يحضر إليها أن يتأدب بأدب الله تعالى» ، فاستعظم الرسول نائب السلطنة بالشام، وتهذبت أخلاقه وتأدب بعد ذلك مع من يصل إليه، ثم أمره بالمسير إلى الأبواب السلطانية، فتوجه وطالع نائب السلطنة السلطان بصورة الحال، فشكر فعله.
ولما وصل الرسل إلى الأبواب السلطانية، ومثلوا بين يدى السلطان أحسن إليهم وأكرمهم، وأجلسهم فى مجلسه، وأدوا الرسالة، فكان مضمونها طلب الصلح، والحلف على ذلك، فحلف لهم السلطان/ (59) .
وكان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى لما توجه فى الرسالة إلى الملك أبى سعيد حلفه أيضا على انتظام الصلح، وإطفاء نايرة الحرب، وكف الغارات من الجهتين، وأحضر الرسل معهم هدية من جهة الملك إلى السلطان حياصتين وقماشا، فقبل السلطان تقدمتهم، وذكروا أن التقادم واصلة صحبة تاجر الملك أبى سعيد، فأقبل السلطان عليهم، وأنزلهم برواق بدار النيابة بقلعة الجبل، ورتب لهم الرواتب الوافرة من المأكل والحلويات والفواكه وأنواع الأشربة المباحة وغير ذلك، ثم أحضرهم يوم الخميس وخلع عليهم؛ فخلع على المشار إليه منهم أطلسا معدنيا بطرززركش، وحياصة وكلّوتة وسيفا محلى بالذهب، وخلع على الاثنين [الآخرين] طردوحش مقصبا بذهب وحوايص وكلّوتات، وخلع على من معهم من الأتباع والكبلجية والغلمان ما يناسبهم.
ولما كان فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة أمر السلطان بركوبهم بين يديه إلى الميدان، وأنعم عليهم بثلاثة أرؤس خيل، فركبوا فى خدمته