الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خبر اتحد مع المخبر عنه بكذبه فممنوع؛ وهذا لأن كذبه عندنا إنما هو من جهة أن صدقه يتوقف على أن يكون قد صدر منه في ذلك اليوم خبر كذب متقدم على هذا الخبر، وليس كذل إذا لم يصدر منه في ذلك اليوم قبل هذا الخبر خبر كذب، وانتفاء هذا المجموع تارة يكون بانتفاء الكذب، وتارة بانتفاء أصل الخبر فيكون كذبا بهذا الاعتبار لا باعتبار نفسه.
ومن هذا القبيل قول القائل: "كل أخباراتي كذب"، فإن هذا الخبر مقطوع بكذبه؛ لأنه إن صدق خبر من أخباره كذب هذا، وإن كذب الكل كذب هذا أيضا، وهو بمني على أن هذا الخبر من جملة المخبر عنه بهذا الخبر فإن لم يجوز هذا لم يلزم كذبه قطعا؛ لأنه يحتمل أن يكون كاذبا في كل ما تقدم من أخباره فيكون صادقا في هذا نعم لو فرض صدوره عمن لم تكن جميع أخباره المتقدمة كذبا كان كذبه مقطوعا به.
المسألة الثانية
الواحد إذا انفرد بنقل ما لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله؛ إما لتعلق الدين به: كأصول الشرع، أو لغرابته: كسقوط المؤذن من المنارة بمشهد الجمع العظيم والجم الغفير، أولهما جميعا: كالمعجزات، ولم ينقله الباقون فهو أيضا مما يقطع بكذبه عند الج
ماهير وهو الحق، خلافا للشيعة فإنهم جوزوا في مثل هذا أن لا يظهر لخوف وتقية زعما منهم أن النص على إمامة علي رضي الله عنه صحيح وإن لم ينقل نقلا متواترا لمانع.
احتج الجماهير: بأنه لو جاز أن لا ينقل مثل هذا - لجاز أن يكون بين
بغداد والبصرة مدينة أكبر منهما مع أنه لم ينقل إلينا.
ولجاز أن يقال: إن القرآن عورض لكنه لم ينقل إلينا بالتواتر.
وأن الرسول أوجب زيارته كما أوجب الحج لكنه لم ينقل إلينا، ولما كانت هذه اللوازم باطلة: فكذا ملزومها.
فإن قيل: نحن إنما جوزنا ذلك فيما نقله خوف وتقية، وفي كتمانه رغبة ورجاء عوض كما في النص على إمامته رضي الله عنه فإنه لم يزل منازعوه فيها متسولين على الناس وهم راجون منهم، وخائفون منهم، فجاز أن تحملهم الرغبة والرهبة على كتمان ذلك، فأما ما ذكرتم من الأمور فليس في كتمانه رغبة، ولا في إظهاره رهبة، فلا جرم لم يجز أن يتطابقوا على كتمانه.
سلمنا أنه لا فرق لكن العلم بعدم تلك الأمور، إن لم يتوقف على العلم بأنه لو كان لنقل فقد سقط هذا الكلام، وإن توقف لم يكن العلم بعدم تلك الأمور ضروريا بل نظريا؛ لأنه لا يجوز توقيف الضروري على النظري، لكن ذلك باطل؛ لأن الناس كما يعلمون بالضرورة وجود بغداد والبصرة فكذا يعلمون بالضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما.
سلمنا تجويز توقيفه عليه لكن ما ذكرتم أمثلة جزئية، والقاعدة الكلية لا تثبت بالأمثلة الجزئية، وإن قستم صورة المتنازع عليه فغير مفيد؛ لأنه قياس تمثيلي لا يفيد اليقين والمسألة علمية، وبتقدير أن يفيده، أو أن يكتفى فيها بالظن فهو أيضا غير مفيد بما تقدم من الفرق.
ثم ما ذكرتم معارض بصور أحدها: أن انشقاق القمر معجزة فتتوفر الدواعي على نقله لغرابته ولتعلق الدين به بل هو أعظم المعجزات وأعجبها؛ لأن سائر معجزات الأنبياء ونبينا عليهم السلام إنما هو التصرف في الأجسام العنصرى السفلى، والمخالف ربما يجوز عليها ما لا يجوز على الأجسام العلوى، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أظهر معجزته فيما ثم أنه لم ينقل نقلا متواترا.
وثانيها: أن تسبيح الحصا، وإشباع الخلق الكثير من الطعام
القليل، ونبوع الماء من بين الأصابع، وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها ثم
إنها لم تنقل / (70/أ) متواترا.
لا يقال: إن ذلك إنما [كان] كذلك لحصول الاستغناء [عن نقلها على وجه التواتر بنقل القرآن متواترا؛ لأنا لا نسلم حصول هذا الاستغناء] وهذا لأن كون القرآن معجزا أ/ر لا يعرف إلا بدقيق النظر، وأما العلم بكون ما تقدم من الأمور معجزا فعلم ضروري فكيف يحصل الاستغناء به عن نقلها؟
ولو جاز أن يجعل حصول المطلوب منه وإن كان مبنيا على نظر دقيق وفكر غامض سببا لفتور الدواعي عن نقل تلك الأمور جاز مثله فيما نحن فيه بأن يجعل دلالة قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} الآية، ودلالة خبر الغدير والمنزلة على إمامة علي رضي الله عنه سببا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي على إمامته رضي الله عنه.
وثالثها: أن إفراد الإقامة وتثنيتها، والجهر بالتسمية، ودخوله عليه السلام مكة عنوة أو صلحا، من أظهر الأمور وأجلاها ثم أنه لم ينقل نقلا
متواترا.
ورابعها: أن كلام المسيح عليه السلام في المهد من أعظم الأمور التي تتوفر الدواعي على نقلها، والنصارى مع كثرتهم في شرق البلاد وغربها، ومع محبتهم فيه عليه السلام، ورغبتهم في إظهار معجزاته ومناقبه لم ينقلوا ذلك نقلا متواترا، وكذا معجزات أكثر الأنبياء المتقدمين، والوقائع العجيبة التي اتفقت لهم تتوفر الدواعي على نقلها مع أنها لم تنقل نقلا متواترا.
الجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن ما ذكرتم هو مظنة الرغبة والرهبة وأما حديث البلدان وما يجري مجراها فليس كذلك، لكن نقول: إنه ما يستحيل عادة من الجماعة العظيمة كتمان ما لا رغبة في كتمانه، ولا رهبة في إظهاره، فكذا يستحيل عادة أن يعمهم رغبة ورهبة على كتمان ما يعلمونه لا سيما إذا علموا أن في إظهاره الثواب، وفي كتمانه العقاب، والناقلون هم السلف الصالح وهذا لا يصلح أن يكون جائزا أصلا.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن ذلك العلم ضروري، بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى حصول واسطة مؤدية إليه؛ وهذا فإن الناس إذا سئلوا عنه يعللونه بأنه لو كان لنقل كغيره من البلاد، ولو كان حاصلا من غير واسطة لما علل كما في سائر القضايا التي تحصل من غير واسطة، وإن كان ضرورياً
بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى اكتساب الواسطة وشكلها.
وعن الثالث: أنا لا نثبت الحكم بالأمثلة المذكورة، بل نثبت ذلك بما ركب الله تعالى في الطباع من العلم العادي بذلك، وإنما ذكرنا تلك الأمثلة للتنبيه على ذلك.
وعن المعارضة الأولى: أن الذين شاهدوا ذلك كانوا قليلين، لأنه من الآيات الليلية حدث حين الناس نيام، أو غافلون عنه لا سيما - حدث في لحظة كلمح بالبصر؛ ولهذا كثيرا ما يتفق الخسوف ولم ينتبه الناس له إذا لم يحدثوا به قبل وقوعه. والنبي عليه السلام ما دعاهم إلى ذلك حتى كانوا يترقبونه، ولا تمادى زمانه حتى ينبههم صياح المشاهدين وضجتهم كما في الخسوفات، فإن من لم يسمع بذلك قبل وقوعه فإنه ربما ينتبه له بسبب تسبيح المشاهدين وصياحهم، بل هو شديد الشبه بوقوع الصواعق في الليل فإنه قل من ينتبه له، وبه خرج الجواب عن المعارضة الثانية: فإن تلك الأمور وإن وقعت في النهار لكن بعضها في السفر الذي قل ما يتفق اجتماع الرفاق الكثير فيه في مكان واحد، لاشتغالهم بأشغال المسافرين وبعضها وإن كان في الحضر لكن ما كان في معرض التحدي مع المنكرين حتى كان يجتمع له الناس فلعل المشاهدين لتلك الأمور كانوا قليلين فلذلك لم يتواتر.
وعن الثالث: أما حديث إفراد الإقامة وتثنيتها فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن المؤذن ربما كان يفرد مرة، ويثني أخرى فنقل بعضهم الإفراد
وأهمل التثنية، ونقل الآخرون التثنية وأهملوا الإفراد، لعلمهم أن التساهل في هذا هين لكونه لا يتعلق به أصل من أصول الدين لا نفيا ولا إثباتا، مع أن كلا من الفريقين سمع الإفراد والتثنية معا؛ إذ يبعد عادة احتمال اختصاص أحد الفريقين بسماع أحد الأمرين بعينه دائما، والآخر بسماع الأمر الآخر بعينه دائما حتى يقال أن كون كل واحد من الفريقين نقل ما سمع.
وثانيهما: أنهم إنما لم يهتموا بنقلها، لما عرفوا أن [هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرا ولا بدعة ولما لم] يهتموا به وتساهلوا الأمر فيه نسوا ما سمعوه في زمن الرسول عليه السلام لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة ثم الذين سمعوا ذلك انقرضوا فصارت الرواية من باب الآحاد.
وأما الجهر بالتسمية فعنه أيضا جوابان:
أحدهما: نحو ما سبق وهو أن فعله عليه السلام فيه كان مختلفا.
وثانيهما: أنه عليه السلام ربما كان يخفي صوته في ابتداء القراءة، ثم يعلو صوته على التدريج فالقريب منه كان يسمع الجهر بالتسمية دون البعيد فنقل بعضهم الجهر دون الباقين.
وأما دخوله عليه السلام مكة عنوة أو صلحا فالجواب عنه: أن / (71/أ) دخوله عنوة نقله الجمع الكثير والجم الغفير، وهو مستفاض مشهور، وإنما خالف بعضهم فيه لشبهة، وهي أنه عليه السلام أمر بأداء دية من قتله خالد بن الوليد، ولا يبعد ذلك من الآحاد، فإن الضروريات قد تنكرها
الشرذمة القليلة من الناس ولا يقدح ذلك في ضرورتها، وأيضا فإنهم لما رأوا في أنفسهم الضعف وفي النبي عليه السلام وأصحابه القوة وإشرافهم على الفتح سلموا له الأمر وجاؤا إليه قبل دخوله مكة، وخيلوا وأرجفوا بأنهم سلموا له الأمر صلحا، ولم يطلع كل أحد على ما جرى بينه عليه السلام وبينهم عند دخولهم عليه فربما أثر ذلك في أذهان بعضهم فنقلوا أنه دخلها صلحا، وإلا فأمارة دخوله قهرا ظاهرة، فإنه عليه السلام دخلها متسلحا بالألوية والأعلام مع بذل الأمان لمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان، ولو كان الدخول صلحا لم يكن لإعطاء الأمان بهذه الأمور معنى.
وعن الرابع: أما كلام عيسى عليه السلام في المهد فإنما لم ينقل نقلا متواترا؛ لأنه [لم] يتكلم بحضرة عدد يحصل بنقله التواتر بل كان ذلك بحضرة نفر قليل، فلا جرم لم يحصل التواتر بخلاف سائر معجزاته نحو إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، فإنه كان عند دعوى الرسالة في