الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السادسة
في تعديل الصحابة
اعلم أن الذي تقدم أنه لا بد من البحث عن العدالة، ومعرفتها إما بالاختبار، أو بالتزكية في كل واحد من الرواة، فإنما هو في غير الصحابة فأما فيهم فلا، فإن الأصل فيهم العدالة عندنا إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت، فلا حاجة إلى البحث عن عدالتهم والفحص عنها وهو مذهب جمهور السلف والخلف.
ومن الناس من زعم أن حكمهم في العدالة كحكم غيرهم فيجب البحث عنها ومعرفتها في كل واحد منهم.
ومنهم من زعم أن الأصل فيهم العدالة لكن في أول الأمر، فأما بعد أن ظهرت الفتن فيما بينهم فلا، بل حالهم فيها بعد ظهور الفتن فيما بينهم كحال غيرهم.
ومنهم من زعم أن كل من قاتل عليا رضي الله عنه فهو فاسق مردود الرواية والشهادة؛ لخروجهم على الإمام الحق وقتالهم له.
ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية واحد من الفريقين ولا شهادته؛ لأنا نقطع بفسق أحد الفريقين وهو غير معلوم وغير معين، فلا يتميز العدل عن الفاسق فيتعذر القبول.
ومنهم من زعم أنه إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو بالشهادة قبلت روايته وشهادته، لأن الأصل فيه العدالة وقد شككنا في فسقه فلا يزول حكمه بالشك كما في المياه والأحداث، أما إذا شاركه في ذلك مخالفة فلا يقبل، لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعا من غير تعيين فعارض يقين العدالة كما في الإناءين إذا تبين نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن عطاء.
ومنهم من شك في فسق عثمان رضي الله عنه وقتلته.
وهذه المذاهب كلها باطلة سوى مذهب الجمهور فإنه الحق.
والدليل عليه: أنا نكتفي في التعديل باختبار واحد منا، أو بتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب فالاكتفاء بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع عدم جواز الكذب عليه، وبتزكية رسوله مع عصمته عن الخطأ والكذب أولى.
قال الله تعالى في حقهم: {لقد قضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} .
وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} إلى آخر السورة.
وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم} .
وقال في حق الأنصار: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان} الآية.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} .
وقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ففيه نظر؛ من حيث إنه لا يجوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، وقد سبق في الإجماع أن المراد منهما مجموع الأمة من حيث المجموع، فلا يراد كل واحد منهم، وإلا لزم المحذور المذكور.
وقال عليه السلام: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث.
وقال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وقال عليه السلام: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وقال: "إن الله تعالى اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا"، كيف ولو لم يرد هذا كله لكان ما اشتهر وتواتر من حالهم في / (95/أ) الهجرة والجهاد، وبذل المهج والأموال، وقتال الآباء والأولاد والأقرباء والأهل في موالاة الرسول ونصرته، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في ذلك لومة لائم كافيا في القطع بعدالتهم.
وقد طعن فيهم قدما القدرية، والخوارج، وبالغوا فيه على ما هي كتبهم شاهدة بذلك، وتلك المطاعن كلها مروية بالآحاد غير مشتملة على شرائط القبول، وبتقدير صحتها فهي لا تعارض الكتاب والسنة المشهورة.
وأما ما جرى بينهم من القتال والفتن فهو غير قادح في عدالتهم؛ لأنه كان بناء على الاجتهاد والتأويل، [وحينئذ إما أن يقال: إن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والباقي مخطئ في اجتهاده] وعلى التقديرين فهو غير قادح فيها؛ لأن ما اختلفوا فيه إن جعل من مسائل الاجتهاد فظاهر: لأنه حينئذ إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فظاهر، وإن قلنا: المصيب واحد والباقي مخطئ فكذلك؛ لأنه حينئذ معذور غير آثم، فلا يخرجه خطأه عن العدالة.
وأما إذا لم يجعل ما اختلفوا فيه من مسائل الاجتهاد بل نجعل قتلة عثمان، والذين خرجوا على علي رضي الله عنهما مخطئين قطعا فكذلك؛ لأنهم جهلوا خطاهم وفسقهم، وقد سبق أن الفاسق الذي لا يعلم فسقه لا ترد روايته به سواء كان كونه فسقا قطعا أو ظنا فلا يكون ذلك قادحا في عدالتهم، وهذا أقرب من حيث إنه جمع بين الدليلين، وأنه حسن الظن بهم، وأنه إتباع لمذهب السلف.
فإن قيل: أثبتم العدالة للصحابة مطلقا، فمن الصحابي حتى يعرف ثبوت العدالة له من غير بحث وفحص عن حاله.
قلنا: اختلفوا فيه:
فذهب الأكثرون إلى أن الصحابي: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة سواء روى عنه، أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب أو لم يختص به.
وهو مقتضى لفظ الصحبة من حيث الوضع، بدليل: أنه يصح تقسيم الصحبة إلى الصحبة ساعة، وإلى الصحبة مدة طويلة، فيقال: صحبه ساعة وصحبه طوال عمره، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا، وكذا يصح أن يقال: صحبه ولم يأخذ عنه العلم، ولم يرو عنه، ويقال: صحبه وأخذ عنه العلم وروى عنه، ولأن القائل لو قال: صحبت فلانا فإنه يصح أن يقال له: أصحبته يوما، أو شهرا، أو سنة؟ وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه أم لا؟ ولو كان لفظ الصحبة موضوعا لطول الصحبة والرواية عنه لما حسن هذا الاستفهام.
وأما من حيث العرف، فإنه يقتضي طول الصحبة وكثرتها؛ إذ لا يطلق في العرف على من صحب إنسانا ساعة أنه صاحبه، وإنما يقال ذلك في المكاثر الملازم كما يقال: المزني صاحب الشافعي رضي الله عنهما وأبو
يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة رضي الله عنهم.
وذهب الأقلون إلى أن الرؤية والصحبة القليلة غير كافية في صدق إطلاق الصحابي.
وهؤلاء اختلفوا: فذهب الأكثرون منهم إلى أن الرؤية والصحبة الطويلة والاختصاص به كافية في صدق هذا الإطلاق سواء روى عنه عليه السلام أو لم يرو عنه.
وذهب الأقلون إلى أنه يعتبر في صدق هذا الإطلاق مع ما ذكر من الأمور الرواية عنه أيضاً.
والخلاف لفظي والوضع يصحح مذهب الأولين، والعرف مذهب الآخرين.
وعلى التقدير الأول تثبت الصحبة: بالنقل المتواتر، والنقل الصحيح من الآحاد، وبقوله: أنا رأيت النبي عليه السلام، وصحبته ساعة.
وأما على التقدير الثاني فإنها تثبت بالطريقتين الأولتين، وأما بالطريقة الثالثة ففيه نظر، من حيث إنه يمكن إثباتها بطريق النقل، فلا تثبت بقوله مع أنه متهم فيه؛ لأنه يدعي رتبة لنفسه، وهذه التهمة وإن كانت قائمة في الأول، لكن قد يتعذر إثبات صحبة الساعة بالنقل، إذ قد لا يكون في تلك الساعة أحد حاضر غيره، أو وإن حضر فيها غيره، لكنه واحد أو اثنان لكن لم ينقل ذلك، فلو لم يثبت بقوله لتعذر إثباته بخلاف ما إذا طالت الصحبة، وكثر التردد في السفر والحضر وشاهده أقوام لا حصر لهم، فإنه ينقل ويشتهر فلا يثبت بقوله، وهذا كالمودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر، فإنه لا يسمع قولهما ما لم يقيما البينة على أصل السبب، لإمكان ذلك، بخلاف ما إذا ادعيا الهلاك بسبب لا يمكن إقامة البينة عليه فإنه يسمع قولهما.