الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأما قبل استقرار الأخبار كما هو في زمن الصحابة فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لم يعرفه الباقون.
المسألة الرابعة
في أن الأخبار المروية عنه عليه السلام بالآحاد قد وقع فيها ما يقطع بكذبه
.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "سيكذب علي" فهذا الخبر إن لم يكن قاله عليه السلام[فقد حصل الكذب فيما روي عنه آحادا؛ ضرورة أن الخبر مما روي عنه آحادا.
وإن كان قاله عليه السلام] فلا بد وأن يقع مدلوله، وإلا لزم الكذب في كلامه وأنه ممتنع.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: أن يقال فيه من الصفات ما ليس فيه، لا أنه ينقل عنه ما لم يقله؟
سلمنا أن المراد منه العموم، أو ما ذكرتم فقط، لكنه خبر واحد فلا يدل على وقوع مدلوله على سبيل القطع وإنما نحن في الخبر المقطوع بكذبه.
قلت: الجواب عن الأول: أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لم يكن لتعليقه بالاستقبال معنى، فإنه كذب عليه في حال حياته بالمعنى الذي ذكرتم قيل: إنه ساحر، إنه كذاب، إنه مفتري، إنه مجنون ونحوه بل الكذب عليه بهذا المعنى كان في حال حياته عليه السلام أكثر، فإنه بعد وفاته قل المعاندون وكثر المصدقون له.
وأيضا: الأمة فهمت منه ما ذكرنا فلو كان المراد ما ذكرتم لزم اتفاقهم على فهم ما ليس هو المراد منه وأنه خطأ ممتنع عليهم.
وعن الثاني: أن وقوع الكذب عليه على التقديرين لازم، أعني تقدير كونه من كلامه عليه السلام، وتقدير أن لا يكون ذلك من كلامه، ومعلوم أنه لا خروج عن التقديرين فلا خروج عن أن يكذب عليه بالمعنى الذي ذكرناه.
وثانيها: أنه حصل في الأخبار ما لا يمكن نسبته إليه عليه السلام للقطع بفساد مدلوله [ولعدم قبوله التأويل، وإذا كان كذلك لزم القطع بكونه كذبا. وثالثها:] ما روي عن بعضهم أنه قال: "نصف الحديث كذب" وهذا لا
يفيد القطع بالكذب عليه بل الظن الغالب به.
ثم اعلم أن الكذب على الرسول عليه السلام ليس / (72/أ) واقعا من السلف على وجه التعدي، بل لو وقع ذلك منهم فإنما وقع على وجوه أخر:
أحدها: أن أكثرهم كانوا يرون رواية الخبر بالمعنى، فربما كانوا يبدلون لفظا مكان لفظ آخر يرويه مرادفا له وهو في النفس الأمر ليس كذلك.
وثانيها: أنهم ما كانوا يكتبون الأحاديث في الغالب، فإذا قدم العهد وطالت المدة، فربما نسي الراوي لفظ الرسول وفي خاطره لفظ آخر وهو يرى أن لفظ الرسول الذي سمعه منه مع أنه ليس كذلك.
وثالثها: أنه ربما يروي بعض الحديث، لاعتقاده أنه تمام الحديث ويكون قد نسي الزيادة التي بها يصح الحديث.
ورابعها: أنه ربما أدرك الرسول في أثناء الحديث، وهو يظن أنه تمام الحديث، فيرويه كذلك وهو بدون ما سبق لم يصح، أو ربما ظنه من كلامه
- عليه السلام وهو ليس كذلك بل الرسول كان يحكي ذلك عن غيره ولهذا كان الرسول عليه السلام يستأنف الحديث إذا حس بداخل ليكمل له ما قيل ومن ذلك ما روي أنه عليه السلام قال: "الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" فقالت عائشة: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حكاية عن غيره.
وخامسها: أنه ربما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه، ويصح معناه به، دونه وما هذا سبيله ينبغي أن يروى مع سببه، فإذا لم يرو مع أوهم الخطأ والكذب، كما روى عنه عليه السلام أنه قال:"التاجر فاجر"
قالت عائشة رضي الله عنها: "إنما قال ذلك في تاجر دلس".
وسادسها: أنه ربما كان يشتبه على الراوي كلام الرسول بكلام غيره، فيظن كلام الغير كلام الرسول عليه السلام، وهو نحو ما يروى أن الناس كانوا يحضرون عند أبي هريرة وهو يروي أخبار الرسول وهم بأعيانهم كانوا أيضا يحضرون عند كعب، وهو كان يروي أخبار اليهود فربما يلتبس عليهم ما سمعوا عن أبي هريرة بما سمعوا من كعب.
وأما من الخلف فما ذكرناه مع زيادة وجوه أخر:
أحدها: تعمد الكذب عليه تنفيرا للعقلاء عنه، وطعنا في دينه عليه السلام كما فعلته الملاحدة والزنادقة.
وثانيها: تعمد الكذب للرغبة وطلب حطام الدنيا، كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارا تدل على إمامة العباس وبنيه.
وثالثها: تعمد الكذب عليه لترويج المذهب، فإن من مذهب الكرامية أنه إذا صح المذهب وظهر حقيقته جاز وضع الأخبار لتصحيحه؛ لأن فيه ترويج الحق، وقريب من هذا ما يحكى أن جمعا من الزهاد يرون وضع الأخبار في فضائل العبادات والأوقات، ويزعمون أن غرضهم من ذلك حمل الناس على العبادات، وحثهم على فعل الطاعات، فهو كالكذب المفضي إلى مصلحة الإصلاح بين الإثنين وهو جائز للحديث.
ورابعها: تعمد الكذب عليه بناء على أن المسموع من غيره كالمسموع منه، نحو ما قيل: أن الإمامية يسندون إلى الرسول عليه السلام كلما صح عندهم عن بعض أئمتهم؛ لأنهم زعموا أن جعفر بن محمد الباقر قال:
"حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حرج عليكم إذا سمعتم مني حديثا أن تقولوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".
الفصل الثالث
في الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد وهو مرتب على أقسام: