الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع عشر
الكلام في القياس
وهو مرتب على مقدمة وأبواب:
أما
المقدمة
ففيها مسائل:
المسألة الأولى
في تحقيق معنى القياس بحسب اللغة، وبحسب الاصطلاح
.
أما بحسب اللغة فهو: عبارة عن التقدير والمساواة، يقال: قست الأرض والثوب، إذا قدرته بالقصبة والذراع، ويقال: قست النعل بالنعل إذا حاذيته.
ثم من المعلوم أن هذا المفهوم لا يتحقق إلا بين شيئين؛ لأن تقدير الشيء بنفسه محال، فلا بد وأن يكون بشيء آخر، وكذا التسوية لا تعقل إلا بين المفهومين.
وأما بحسب الاصطلاح، فقد ذكر له حدود أكثرها مزيفة نذكر بعضها فإنه لا يخلو من فائدة، ثم نذكر ما هو المختار في ذلك:
فالأول ما قيل: إنه الدليل الموصل إلى الحق.
وهو غير مانع؛ إذ يدخل تحته جميع مدارك الأحكام كالنص والإجماع والبراءة الأصلية.
الثاني: هو العلم الواقع بالمعلوم على نظر.
وهو غير جامع؛ إذ يخرج منه الأقيسة وهي أكثرها.
وغير مانع أيضًا؛ فإنه يندرج تحته ما علم من النظر في دلالة النص، والإجماع، والقرائن الحالية أو المقالية، فإن العلم الواقع بالمعلوم على نظر حاصل في هذه الصور مع أن شيئًا منها ليس بقياس.
سلمنا سلامته عما تقدم لكن العلم الواقع بالمعلوم على نظر ثمرة القياس،
وثمرة الشيء ليس نفس الشيء.
الثالث: أنه عبارة عن إصابة الحق.
وهو غير مانع؛ لما تقدم، وغير جامع؛ لأنه يخرج منه القياس الفاسد فإن القياس أعم من أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، اللهم إلا أن يعنى به حد الصحيح منه، ثم هو حكم القياس، لا نفسه، ثم هو مشعر بتقدم الحق فلا يستقيم على مذهب المصوبة.
الرابع: أنه عبارة عن بذل الجهد في استخراج الحق.
وهو غير مانع؛ لما تقدم، ولدخول الأدلة العلمية مع أنها ليست بقياس.
وغير جامع أيضًا؛ لأنه يخرج عنه القياس الجلي الذي في غاية الجلاء، والقياس بالطريق الأولى فإنه ليس فيه بذل الجهد مع أنه قياس.
والجهد يبذل في معرفة دليل حكم الأصل، وخلوه عن المعارض ليس بذلًا للجهد في استخراج الحكم حتى يكون باعتباره جامعًا له، وإلا لكان بذل الجهد في معرفة دلائل وجود الصانع، وإثبات النبوة بذلًا للجهد في المسائل الفرعية.
ثم هو غير جامع من وجه آخر وهو أنه لا يتناول القياس الفاسد ثم بذل الجهد لازم للقياس لا نفس القياس.
الخامس: أنه عبارة عن التشبيه.
وهو غير مانع؛ لأنه يدخل تحته تشبيه شيء بشيء في المقدار، أو في الصفات، كالألوان، والطعوم مع أنه ليس بقياس.
سلمنا سلامته عن هذا لكنه خال عن ذكر أركانه فلا يكون حدًا بل لو صح لكان رسمًا، وهو وارد على كل ما تقدم.
وقال القاضي أبو بكر وارتضاه جمهور المحققين منا أنه: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنه.
وإنما ذكر لفظ "المعلوم" ليتناول الموجود والمعدوم ممكنًا كان أو ممتنعًا، فإن القياس يجرى فيهما جميعًا.
ولو ذكر لفظ "الشيء" لاختص بالموجود على رأينا وعلى رأي المعتزلة، وإن تناول المعدوم لكن المعدوم الممكن دون الممتنع فيخرج الفرع الممتنع عنه فلم يكن الحد حينئذ جامعًا، فأما المعلوم فإنه يتناول الموجود والمعدوم الممكن والممتنع عند الكل فكان الحد جامعًا.
ولو ذكر لفظ "الفرع والأصل" لكان يوهم اختصاصه بالموجود والتعبير عنهما بالمعلومين أبعد عن الوهم الفاسد.
وإنما احتاج إلى ذكر معلوم آخر؛ لأن القياس عبارة عن التقدير والمساواة، وذلك لا يعقل إلا بين أمرين، ولأنه لولا المعلوم الثاني الذي هو الأصل لكان إثبات الحكم في المعدوم الأول الذي هو الفرع تحكمًا محضًا.
وإنما قال: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ليتناول الحكم الوجودي والعدمي، فإن الحكم المثبت بالقياس قد يكون وجوديًا، وقد يكون عدميًا.
وإنما قال: بأمر جامع؛ لأن القياس لا يتم بدونه؛ فإنه لو لم يكن بين الأصل والفرع جامع لم يكن حمل الفرع عليه أولى من حمله على أصل آخر مضاد له في/ (118/ أ) الحكم أو موافق له فحينئذ يلزم أن يكون حمله على أي أصل فرض تحكمًا محضًا.
وإنما ذكر من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنه؛ لأن الجامع قد يكون حكمًا شرعيًا، وقد يكون وصفًا حقيقيًا وغيره، وكل واحد منهما قد يكون نفيًا، وقد يكون إثباتًا على ما يأتي شرحه في فصل العلة فيكون متناولًا للكل.
واعترض الإمام عليه بوجوه:
أحدها: أنه إن أراد بقوله: "حمل معلوم على معلوم آخر" إثبات مثل حكم أحدهما للآخر فقوله بعد ذلك: "في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما" إعادة لعين ذلك فيكون تكريرًا من غير فائدة.
وإن أراد غيره فلا بد من إفادة بيانه.
وأيضًا فبتقدير أن يكون المراد منه شيئًا آخر، لكن لا يجوز ذكره في تعريف القياس؛ لأن ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم معلوم لمعلوم بأمر جامع، فلا حاجة إلى ذكر ذلك المفهوم الزائد الخارجي.
وأجيب: بأن المراد من الحمل الاعتبار، وقال بعضهم: التشريك وهما متقاربان.
وقوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بيان تمامه الاعتبار، أو ما فيه التشريك، فإن اعتبار المعلوم بالمعلوم قد يكون من حيث ثبوت الحكم ونفيه، وقد يكون بغيره، وكذلك التشريك قد يكون في الحكم ونفيه، وقد يكون في غيره فهذا تفصيل للاعتبار والتشريك وحينئذ لا يلزم التكرار.
وهذا إنما يدفع السؤال الأول دون الثاني، فإن ماهية القياس تتم بأن يقال:
إنه عبارة عن إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم بأمر جامع، وحينئذ لا حاجة إلى ذكر الحمل.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنه غير مستغنى عنه؛ ضرورة أنه قدر مشترك بين القياس وغيره فيكون كالجزء الجنسي، وما شأنه ذلك لا يستغنى عن ذكره غايته أن قولنا: إنه عبارة عن إثبات مثل حكم معلوم بمعلوم آخر يتضمنه، أو يستلزمه، لكنه حينئذ يكون مدلولًا عليه بالتضمن أو بالاستلزام فعلى التقدير الأول وإن كان الحد صحيحًا موجزًا لكن لم يعبر عنه بالدلالة المطابقة فإذا عبر عنه بلفظ يخصه كان معبرًا بالدلالة المطابقة فيكون أصرح وحينئذ لم يختل إلا الإيجاز، واختلاله غير مخل بالحد فإن لو أورد مكان الجنس القريب لم يختل به الحد.
وأما على التقدير الثاني فالحد مختل؛ لأنه لا يجوز استعمال الدلالة الالتزامية في الحدود وعلى التقديرين لا يكون ذكر الحمل مخلًا بالحد.
وثانيها: أن قوله: "في إثبات حكم لهما" مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس.
وهو باطل، فإن القياس فرع على ثبوت الحكم في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعًا على القياس لزم الدور.
وجوابه: أنه ظاهر في أن ثبوت الحكم في المجموع من حيث هو المجموع مستند إلى القياس والأمر كذلك؛ ضرورة أن ثبوت الحكم في الفرع بالقياس وبه يثبت الحكم في المجموع من حيث المجموعية لا أن ثبوت الحكم في كل واحد منهما مستند إليه، وإن كان اللفظ مشعرًا بذلك إشعارًا مرجوحًا، فاستعمال مثل هذا اللفظ في الحد لا يخل به لاسيما عند قيام الدلالة على تعين مراده الظاهر، ولو سلم أنه ليس بظاهر فيه بل دلالته على الاحتمالين
على السواء، لكن لما علم عدم إرادة أحدهما قطعًا تعين أن يكون المراد منه الثاني، واستعمال الألفاظ المشتركة والمتواطئ المجمل إنما يمتنع استعماله في الحد لإخلاله بالفهم من حيث أنه متردد بين معانيه، وهو غير حاصل فيما نحن فيه لتعين أحد الاحتمالين للإرادة لقيام الدلالة على امتناع إرادة الاحتمال الثاني.
وثالثها: أنه كما يثبت الحكم بالقياس فقد تثبت الصفة بالقياس أيضًا، كقولنا:"الله عالم" فيكون له علم قياسًا على الشاهد ولا نزاع في أنه قياس؛ لأن القياس أعم من القياس الشرعي، والقياس العقلي، وإذا كان كذلك فنقول: إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون.
فإن كان الأول- كان قوله: "بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه" مكرر؛ لأن الصفة حينئذ تكون أحد أقسام الحكم فيكون ذكرها بعده تكرارًا.
وإن كان الثاني- كان التعريف ناقصًا؛ لأنه ذكر ما إذا كان المطلوب ثبوت الحكم أو عدمه، ولم يذكر ما إذا كان الطلوب وجود صفة، أو عدمها فهذا التعريف إما زائد أو ناقص.
وجوابه: أنه حد للقياس الشرعي لا لمطلق القياس حتى يرد ما ذكرتم، فالقياس الشرعي قد يكون حكمًا، وقد يكون صفة، ولا يكون المثبت به صفة فكذلك ذكر الصفة في الجامع، ولم يذكرها في قوله: إثبات حكم معلوم بمعلوم.
ورابعها: المعتبر في ماهية القياس الجامع، لا أنواعه وأقسامه بدليل: أن
ماهية القياس قد تحصل منفكة عن كل واحد منهما بعينه، فلو كان المعتبر في تحققها جميع أقسامها أو واحد منها بعينه لاستحال ذلك.
وأيضًا: لو كان ذلك معتبرًا لوجب ذكر جميع أنواع الحكم والصفة ولم يجز الاقتصار على ذكرهما من غير ذكر أقسامها وأنواعهما واللازم باطل فالملزوم مثله وحينئذ يلزم أن يكون ذكر الحكم والصفة فيه مستدركًا غير محتاج إليه.
وجوابه: أن بيان أقسام الجامع وأنواعه إن كان غير محتاج إليه في حد القياس لكنه غير مفسد له أيضًا بل ليس فيه سوى التطويل لكن لفائدة التفصيل فلا يضر ذكره ولأنه لو (119/ أ) اقتصر على قوله: "بأمر جامع" فربما يعتقد أنه لن يندرج تحته القياس الذي جامعه الحكم وعدمه؛ لأن المتبادر من الجامع على إطلاقه إنما هو الصفة والحاد يرى أنه قياس معمول به فذكر في بيان الجامع الحكم دون الحكمة وأقسامها؛ لأنه ربما لا يرى صحة كون الحكمة جامعًا أو ليس في أقسامهما خلاف عند القائلين بهما وبعدهما، فكان في ذكر الأقسام الأربعة غنية عن البواقي.
وخامسها: أن كلمة "أو" للإبهام، وماهية "كل" متعينة، والإبهام ينافي التعيين.
وجوابه: أن المراد منه أن ما يكون من حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما بأحد هذه الأمور فهو قياس، وهذا لا إبهام فيه.
وما يقال عليه: بأن المعتبر حينئذ ما هو ملزوم هذه الأمور وهو كونه جامعًا من حيث إنه جامع فيكون ذكر هذه الأمور وهو كونه جامعًا من حيث
أنه جامع فيكون ذكر هذه الزوائد لغوًا، فهو عود إلى السؤال الرابع وقد سبق جوابه، على أنه غير لازم، لجواز أن يكون كل واحد منهما جامعًا على البدلية بخصوصية.
وسادسها: أنه لم يتناول القياس الفاسد، مع أنه قياس فلم يكن الحد جامعًا.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لم يتناول القياس الفاسد؛ وهذا لأنه ليس في قوله "بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة" ما يدل على أن ذلك الجامع جامع في نفس الأمر حتى يلزم ذلك، بل فيه إشعار بأن المراد منه ما يذكره الحامل الجامع، لأن قوله:"بأمر جامع بينهما" متعلق "بحمل معلوم على معلوم" والجامع الذي يتعلق بالحمل هو الذي يذكره الحامل لا الذي هو الجامع في نفس الأمر، وحينئذ يكون متناولًا للقياس الفاسد أيضًا لأن الجامع الذي يكره الحامل قد يكون جامعًا في نفس الأمر وقد لا يكون، وحينئذ يكون متناولًا للقياسين الصحيح والفاسد.
سلمنا أنه لم يتناول الفاسد لكنه حد للقياس الصحيح لا لمطلق القياس فلا يقدح فيه خروجه عنه.
وأورد بعضهم عليه إشكالًا آخر وزعم أنه لا محيص عنه وهو: "أن الحكم في الفرع نفيًا وإثباتًا متفرع على القياس إجماعًا، وليس بركن في القياس لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنًا في الدليل، وإلا لزم الدور وهو ممتنع، فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد القياس أن يكو ركنًا في القياس، وهو دور ممتنع، وقد أخذه في حد القياس حيث قال: "في إثبات
حكم لهما أو نفيه عنهما "إشارة إلى الفرع والأصل" وهو ضعيف جدًا؛ لأن المأخوذ في حد القياس إنما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه وهو نتيجة القياس لا الإثبات فأنا لا نسلم أنه نتيجته؛ وهذا لأنه لو كان نتيجته لكان إما عين الثبوت وهو باطل بالضرورة؛ فإن الفرق معلوم بالضرورة بين الإثبات والثبوت وذلك يوجب التغاير أو غيره وهو أيضًا باطل؛ لأنه لا يعقل نتيجة القياس سوى ثبوت الحكم في الفرع.
وقال أبو الحسين البصري: "القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد".
ولا يخفى أنه أشد تحريرًا من حد القاضي، فإنه لا يرد عليه أكثر ما أورد عليه.
وأورد عليه إشكالًا وهو: أن قياس العكس قياس في اصطلاح الفقهاء؛ بدليل أنهم يسمونه قياسًا على ما هي عبارتهم شاهدة بذلك في مصنفاتهم، وليس فيه تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم بل فيه تحصيل نقيض الحكم للافتراق في علة الحكم.
مثاله: أن يقول الحنفي في إثبات أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف: [لم يكن شرطًا لها] بالنذر كالصلاة؛ فإنها لما لم تكن شرطًا لصحة
الاعتكاف لم تكن شرطًا لها بالنذر.
فالمطلوب في الفرع المتنازع فيه إنما هو اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف، والثابت في الأصل إنما هو عدم اشتراط الصلاة لصحة الاعتكاف وقد افترقا في علة الحكم؛ لأن العلة التي لأجلها لم تكن الصلاة شرطًا لصحة الاعتكاف هي أنها لم تكن شرطًا لها بالنذر، وهذه العلة غير حاصلة في الفرع؛ لأن الصوم شرط لصحة الاعتكاف بالنذر إجماعًا.
وحاصل ما أجاب به عنه هو: أنا لا نسلم أنه قياس عندهم بطريقة الحقيقة بل تسميته به بطريق التجوز، وهذا لأن خاصية القياس غير حاصلة فيه، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من المشابهة، ويؤكده: أنه لم يتبادر إلى الفهم من سماع مطلق القياس إلا قياس الطرد دون قياس العكس، والتبادر دليل الحقيقة.
وأجيب عنه بوجهين آخرين:
أحدهما: وأنا وإن سلمنا أنه حقيقة فيه أيضًا لكنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي، والمحدود إنما هو القياس بمعنى الطرد دون العكس، فلا يضر الحد كونه غير جامع لقياس العكس.
وثانيهما: وهو ما ذكره الإمام: أن القياس الذي سميتموه "بقياس العكس" فهو في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإثبات لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس.
فإنا نقول: لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف لم يصر شرطًا لها بالنذر لكنه يصير شرطًا لها بالنذر فهو شرط لها مطلقًا "فهذا تمسك بنظم التلازم، واللازم على انتفاء الملزوم/ (120/ أ) ثم إنا نثبت الملازمة بالقياس بأن نقول: أن ما لا يكون شرطًا لصحة الاعتكاف في نفسه لا يكون شرطًا لها بالنذر كما في الصلاة، ولا شك في أن هذا قياس الطرد، لا قياس العكس.
وكذا قياس التلازم أيضًا قياس الطرد غايته أنه على تقدير تحقق الملزوم فلم يكن قياس العكس خارجًا عن الحد.
واعلم أنه ليس في حد أبي الحسين ما يقدح فيه سوى أنه ذكر فيه لفظ الأصل والفرع وقد عرفت ما فيه، وأنه جعله عبارة عن تحصيل حكم الأصل في الفرع وهو محال، فإن حكم الأصل لا يمكن تحصيل عينه في الفرع بل الممكن تحصيل مثله فإذا أزيل عنه ذلك بقي الحد سليمًا عن القوادح.
فالأولى أن يورد هكذا أنه: "تحصيل مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت" وعند هذا لا يبقى فيه خلل ألبتة
فليكتفى به إذ لا مزيد عليه.
وأما ما ذكره بعض المتأخرين من أنه "عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل".
فقد يرد عليه ما قد عرفت في لفظ الأصل والفرع.
وأنه غير جامع لأنه يخرج عنه القياس على العلة المنصوصة والمومئ إليها مع أن ذلك قياس.
وأنه غير مانع؛ لأنه يدخل فيه الصور التي ساوت الأصل في العلة المستنبطة لكنها اختصت بوجود موانع، أو بفقد شرط من شرائطها مع أنه لا يتحقق فيها القياس، وهذا وإن كان مبنيًا على تخصيص العلة لكن قائله يقول به في الجملة.
وأيضًا فإن القياس عمل المكلف واستواء الأصل والفرع في العلة المستنبطة ليس من عمل المكلف فلم يجز أن يجعل عبارة عن القياس.