الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسالة الرابعة
في أن التعبد بالقياس واقع سمعًا
.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الألباب} .
ووجه الاستدلال به: أنه أمر بالاعتبار وهو المجاوزة والانتقال عن الشيء إلى غيره؛ لأنه مأخوذ من "العبور" الذي هو عبارة عن المجاوزة عن الشيء والانتقال عنه إلى غيره بالنقل والاستعمال.
أما النقل فظاهر.
وأما الاستعمال فنحو قولهم: "عبرت النهر" و"عبرت على فلان" أي تجاوزته، ومنه يقال:"المعبر" للموضع الذي يعبر عليه، و"المعبر" السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور، والعبرة، الدمعة سميت بذلك، لأنها تعبر الجفن ولا تستقر فيه "وعبر الرؤيا وعبرها" أي جاوزها إلى ما يناسبها، فثبت أن العبور عبارة عن النقل والمجاوزة بالنقل والاستعمال فيكون حقيقة فيه، إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة.
وإذا كان عبارة عنه حقيقة لم يكن عبارة عن غيره بطريق الحقيقة دفعًا للاشتراك، وهذا المعنى متحقق في القياس؛ لأن فيه الانتقال من حكم الفرع
فيكون القياس مأمورًا به، ولا نعني بكون التعبد بالقياس واقعًا سوى هذا.
فإن قيل: لا نسلم أنه أمر بالاعتبار بمعنى الطلب، بل بمعنى الإذن فيه والإباحة، فإن الأمر حقيقة في الإباحة؛ وهذا لأنها أعم من الطلب وجعل اللفظ حقيقة في العام أولى من جعله حقيقة في الخاص على ما عرف ذلك.
سلمنا أنه (ليس)[حقيقة] فيه، لكنه قد يرد لذلك كما في قوله تعالى:{إذا حللتم فاصطادوا} فلم لا يجوز أن يكون هو المراد منه فيما نحن فيه؟
سلمنا أن المراد منه الطلب، لكن لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة والانتقال، وما ذكرتم من الدلالة وإن دل على أنه حقيقة فيه فقط، لكن عندنا ما يدل على انه ليس كذلك، وهذا لأنه عبارة عن الاتعاظ ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه أسبق إلى الفهم عند الإطلاق وهو دليل الحقيقة.
وثانيها: أنه أستعمل في الاتعاظ، قال الله تعالى:{إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} و {إن لكم في الأنعام لعبرة} والمراد به: الاتعاظ، ويقال:"السعيد من اعتبر بغيره" أي من أتعظ، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وثالثها: أنه لا يطلق على القائس أنه معتبر بل يصح نفيه عنه إذا لم يكن متعظًا ومتفكرًا في أمر معاده فيقال: إنه قائس غير معتبر، ولا يصح ذلك في المتعظ الغير القائس في الفروع، وذلك يدل على أنه حقيقة في الاتعاظ دون مجرد المجاوزة والانتقال، فإن صحة النفي دليل التجوز على ما تقدم، وإذا كان حقيقة في الاتعاظ وجب أن لا يكون حقيقة في المجاوزة والانتقال فقط قطعًا بل يلزم أن لا يكون حقيقة فيه أصلًا، وإلا لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل لما ذكرتم.
سلمنا أنه حقيقة فيه لكن إنما يحمل اللفظ على حقيقته إذا لم يوجد قرينة صارفة عنها، فأما بتقدير وجود القرينة فلا، وقد وجدت القرينة الصارفة فيما نحن فيه وهي سياق الآية فإن قوله تعالى:{يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} يمنع من حمل قوله: (فاعتبروا) على القياس لعدم حسن ترتيبه عليه؛ إذ لا يحسن أن يقال: "يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين" فقيسوا في الفروع، وإذا لم يحمل على حقيقته حمل على مجازه وهو الاتعاظ إما لتعينه، أو لأنه يحسن ترتيبه عليه فيحمل عليه إلى أن يظهر له معارض.
سلمنا عدم القرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز بل هو محمول على حقيقته، لكن لا نسلم أنه يلزم منه كون القياس الشرعي مأمورًا به وإن وجد فيه معنى المجاوزة والانتقال؛ وهذا لأن مطلق المجاوزة والانتقال قدر مشترك بين القياس الشرعي، والقياس العقلي، وبين الاستدلال بالنص على مدلوله؛
لأن فيه العبور والانتقال منه إلى مدلوله، وبين البراءة الأصلية وبين الاتعاظ والدال على القدر المشترك بين الصور الكثيرة لا دلالة على ما به يمتاز كل واحدة من تلك الصور عن الأخرى لا بالمطابقة، ولا بالتضمن، فلا دلالة لقوله تعالى:{فاعتبروا} على وجوب العمل بتلك الصور بأسرها، ولا/ (???/ أ) على واحد منها علي التعيين بل على واحد منها لا بعينه من جهة أنه من ضرورة الإتيان بالمأمور به، فإن الإتيان بالقدر المشترك غير ممكن إلا في ضمن واحد من جزئياته ضرورة أنه لا وجود له في الخارج إلا في ضمن الجزئيات فإذا أوجب العمل بجزئي من جزئياته وأتى به كفى ذلك في سقوط التكليف به، وقد أوتي بهذا المسمى في ضمن الاتعاظ والاستدلال بالأدلة القاطعة، والنصوص الظنية والبراءة الأصلية مع وجود العمل بهذه الأشياء فلا حاجة إلى إيجاب العمل بالقياس لامتثال هذا الأمر.
ولا يقال: ليس البعض أولى من البعض، فإما أن لا يجب شيء منها وهو باطل.
أما أولًا: فبالإجماع.
وأما ثانيًا: فلأنه يفضى إلى إلغاء الأمر بالكلية.
أو يجب الكل وهو المقصود؛ لأنا نمنع ذلك؛ وهذا لأن ما يفيده إجماعًا ويحسن ترتيبه على سياق الآية أولى وليس ذلك إلا الاتعاظ.
سلمنا أنه يفيد كون القياس مأمورًا به في الجملة لكن لا يلزم منه أن يكون جميع أنواع القياس مأمورًا به حتى القياس المتنازع فيه وهو القياس الظني في الأحكام الشرعية التي لم ينص على علتها لأن القياس أعم من القياس القطعي (أو) العقلي، أو الشرعي، أو الظني، والظني أعم من أن يكون
في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية، والذى في الأمور الدينية أعم من الذي لم ينص على علتها، أو من الذي نص على علتها، والدال على العام غير دال على الأفراد الداخلة تحته لما سبق، وليس في الصيغة ما يدل على العموم فيكفي في العمل به العمل بقياس واحد من أنواع الأقيسة لما سبق، وقد عمل بأنواع من الأقيسة نحو القياس القطعي والقياس الذي نص على العلة فيه، وقياس تحريم الضرب علي تحريم التأفيف، وقياس الفروع على الأصول في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص، فلا يبقى في النص دلالة على وجوب العمل بالقياس المتنازع فيه.
سلمنا أنه يوجد في الصيغة ما يدل على العموم لكن الحمل على العموم متعذر، لأنه يفضى إلى التناقض؛ لأن قياس الفرع على الأصل في الحكم يقتضي ثبوت الحكم في الفرع، وقياسه عليه في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص يقتضي عدم ثبوت الحكم فيه فلو حمل على العموم لزم ثبوت الحكم وعدمه في الفرع وأنه متناقض، ثم ليس تخصيصه بالنسبة إلى أحد القسمين لإبقاء الآخر مرادًا منه أولى من العكس، وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون، ثم أنه معنا، فإن قياسه عليه في أن لا يستفاد حكمه إلا من النص عمل بالاحتياط واحتراز عن الظن الذي "لا يغنى من الحق شيئًا".
سلمنا إمكان الحمل على العموم، لكنه غير محمول عليه إجماعًا إذ خص عنه بعض الأقيسة نحو القياس في الأحكام التعبدية، والأحكام المنصوصة، والقياس فيما تتعادل فيه الأمارات، والقياس فيما كلفنا فيه باليقين، وفي الأحكام المستفادة من تنصيص العبد مع التصريح بالتعليل كما إذا قال:"أعتنق غانمًا لسواده" أو "بع هذا العبد لسرقته" فإنه لا يجوز أن يقاس عليه العبد الآخر المشارك لهما في السواد أو في السرقة في جواز الإعتاق، أو البيع، والقياس فيما وجد فيه النص المقتضى عللًا خلاف حكم القياس فتكون الآية مخصوصة، والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة على ما تقدم
تقريره.
سلمنا أنه يبقى حجة، لكن الآية تدل على المطلوب دلالة قطعية أو ظنية؟
والأول ممنوع، ولا يمكن دعواه؛ وهذا لأن دلالته مبنية على المقدمات الظنية، والمبني على الظني ظني.
والثاني مسلم لكن المسألة علمية لا يمكن التمسك بها في المسألة العلمية.
سلمنا أن دلالتها قطعية لكنها خطاب مع الموجودين، فاختص بالحاضرين في عصر الرسول- عليه السلام.
سلمنا عدم اختصاصها بهم لكنها أمر والأمر لا يفيد التكرار، بل يكفي فيه الإتيان بالمأمور به مرة واحدة فإذا عمل بالقياس مرة كفى ذلك في سقوط التكليف به فلم قلتم أنه متعبد به على الدوام؟
الجواب
عن الأول من وجهين:
أحدمها: أنا بينا أن الأمر حقيقة في الوجوب وأما ما ذكره من الدليل على أن جعله حقيقة في الإباحة أولى فهو معارض بما أنا لو جعلناه حقيقة في الوجوب أمكن جعله مجازًا في الترجيح وجواز الفعل لكونهما لازمين له،
ولو جعلناه حقيقة في جواز الفعل والإذن فيه لم يكن جعله مجازًا فيهما فكان جعله حقيقة في الوجوب أولى.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن الأمر حقيقة في الإباحة لكن يلزم منه أيضًا حصول المقصود؛ لأنه حينئذ يجوز العمل بالقياس وكل من قال بجواز العمل به قال بورود التعبد به وبحجيته فالقول بجواز العمل به مع عدم حجيته قول على خلاف الإجماع فكان باطلًا، وبه خرج الجواب عن الثاني، ويخصه أن المجاز خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند القرينة الصارفة عن الأصل والأصل عدمها.
قوله: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عن المجاوزة والانتقال.
قلنا: دليله ما تقدم.
قوله: إنه حقيقة في الاتعاظ.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه يجوز أن يقال: فلان اعتبر فاتعظ ولو كان الاعتبار عبارة عن الاتعاظ لما جاز ذلك؛ لأن ترتيب الشيء على نفسه محال.
قوله في الوجه الأول:/ (131/ أ) إنه أسبق إلى الفهم عند إطلاق الاعتبار.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن الاعتبار حاصل في الاتعاظ وغيره على ما ستعرف ذلك، والخاص لا يتبادر إلي الفهم عند إطلاق العام إلا بعرف جار وأنه خلاف الأصل.
قوله في الوجه الثاني: أنه استعمل في الاتعاظ.
قلنا مسلم لكن لا لخصوص الاتعاظ بل لعموم المجاورة والانتقال وهو لا يضرنا؛ لأنه لا يلزم منه أن يكون حقيقة في الاتعاظ لخصوصه مع أنه مستعمل في حقيقته.
قوله في الوجه الثالث: أنه لا يطلق المعتبر على القائس بل يصح نفيه عنه.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه يصح أن يقال: إن فلانًا يعتبر الأشياء العقلية بغيرها، فهو معتبر في هذا الباب.
سلمنا أنه لا يطلق عليه لكن لا يدل ذلك على أنه ليس بحقيقة فيه باعتبار ما فيه من المجاوزة والانتقال؛ لأن اللفظ العام قد لا يستعمل بإطلاقه في بعض ما يدخل تحته كالحيوان في الإنسان، هذا لو سلم أن عدم إطلاق اللفظ على معنى يدل على أنه ليس بحقيقة فيه بحسب الخصوصية، فإن فيه كلامًا من حيث إن الحقيقة قد تهجر لموانع، وأما صحة النفي فلا نسلم أنه يدل على التجوز والكلام فيه مر في اللغات.
سلمنا لكن لا نسلم صحة النفي مطلقًا بل لخصوص كونه قائسًا أي القائس لخصوص كونه قائسًا غير معتبر، ولا يلزم منه صحة النفي باعتبار ما فيه من المجاوزة والانتقال.
سلمنا صحة النفي مطلقًا لكن على وجه الحقيقة أو على وجه المجاز؟ والأول ممنوع؛ وهذا لأنا بينا أن فيه معنى الاعتبار فكيف يصح نفيه عنه على وجه الحقيقة، والثاني مسلم لكن لا يدل ذلك على أنه مجاز فيه، فإنه يصح سلب الإنسان عن قليل المروءة والدين مع أنه ليس بمجاز فيه بل هو إنسان حقيقة، ثم المسوغ لهذا النفي أن المقصود الأعظم من الاعتبار إنما هو العمل
للمعاد، فالاتعاظ أشرف الجزيئات الداخلة تحت الاعتبار، فإذا لم يأت بما هو المقصود الأعظم والجزئي الأشرف صح أن يقال: إنه غير معتبر على سبيل التجوز كما يصح أن يقال لمن لا يتدبر في الآيات "إنه أعمى وأصم".
سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنه حقيقة في الاتعاظ لكن ما ذكرنا يدل على حقيقة في المجاوزة والانتقال، وإذا حصل التعارض بين الدليلين وجب المصير إلى الترجيح وهو معنا؛ لأنا لو جعلناه حقيقة في المجاوزة والانتقال لكان اللفظ مستعملًا في القياس والاتعاظ وغيرهما مما فيه معنى المجاوزة والانتقال على سبيل التواطؤ [لأن] في الاتعاظ معنى المجاوزة والانتقال، فإن الإنسان ما لم يستدل بحال الغير على نفسه لا يكون متعظًا، ولو جعلناه حقيقة في الاتعاظ بحسب الخصوصية كان استعماله في غيره إن كان بطريق الحقيقة لزم الاشتراك، وإن كان بطريق التجوز لزم المجاز وهما على خلاف الأصل، فكان جعله حقيقة في المجاوزة والانتقال أولى.
قوله: وجدت القرينة الصارفة عن الحقيقة.
قلنا لا نسلم؛ وهذا لأن الأصل عدم تلك القرينة، وإنما لا يحسن الأمر بترتيب القياس في الفروع عليه؛ لأنه لا مناسبة بين خصوص القياس وبين قوله {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} وإن كان هو داخلًا تحت مطلق الاعتبار فلا يلزم منه أن لا يكون مرادًا منه بهذا الاعتبار وإن كان يلزم منه أن لا يكون مرادًا بخصوص كونه قياسًا لكنا لا ندعى ذلك وإنما
ندعي إرادته باعتبار عام، ولا نسلم أن ترتيب ذلك العام لا يحسن عليه، ألا ترى أنه لو قال:"يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا في كل الأمور في هذا وغيره" كان حسنًا، كما إذا سئل عن مسألة فأجاب بما يتناول تلك المسألة وغيرها كان حسنًا.
قوله: الأمر بالاعتبار ليس أمرًا بجميع الجزيئات الداخلة تحته ولا بواحد معين منها.
قلنا: إنه وإن لم يفد تعميم الزمر بجميع الجزيئات الداخلة تحته بحسب اللفظ لكنه يفيده بحسب المعنى؛ لأن ترتيب الحكم علي المسمى يشعر بعلية ذلك المسمى لذلك الحكم، وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارًا فيلزم أن يكون كل اعتبار مأمورًا به.
لا يقال: أن هذا إثبات القياس بالقياس، أو نقول بعبارة أخرى: أن هذا نوع من أنواع القياس فثبوته يتوقف على ثبوت أصل القياس، وإثبات أصل القياس به دور؛ لأنا نقول: إنه قال بحجية هذا النوع من القياس لكون العلة فيه معلومة بالإيماء من لم يقل بحجية أصل القياس فيصح إثباته به بالنسبة إليه، فأما بالنسبة إلى من أنكر ذلك بالكلية فلا، لأنه يمنع ذلك.
وقد أجيب عنه بوجه آخر وهو: أنه يحسن أن يقال: "اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني، وقد ثبت في باب العموم أن الاستثناء (يخرج) من الكلام ما لولاه لدخل فيه وهو ضعيف؛ أما أولًا: فلأنه ينتقض بالأمر بكل ماهية كلية فإنه يتأتى فيه هذا النوع من الاستثناء نحو أن يقول: صل إلا الصلاة الفلانية، وبع إلا البيع بالغبن الفاحش، واشتر إلا الشراء الفلاني مع أن الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرًا بجميع الجزيئات الداخلة تحتها.
وأما ثانيًا: فلأنه ينتقض باستثناء كل واحد من الأوقات بدلًا عن الآخر عن مطلق الأمر مع أنه [لا] يقتضي التكرار.
فإن قلت: لا نسلم أنه عند الاستثناء/ (???/ أ) لا يفيد التكرار بل يفيده لقرينة الاستثناء وإن لم يفده قبله.
قلت: فنحن نقول مثله في الاعتبار، فلم قلت: إنه قبل الاستثناء يفيده وما ورد الاستثناء فيه من الشارع حتى يقال: إنه أراد منه العموم بقرينة الاستثناء؟
ويمكن أن يجاب عنه بوجه آخر وهو: أن الأمر بالماهية الكلية وإن لم يقتض الأمر بجميع الجزيئات بدلًا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو لجميعها، لأنه يقتضي الإتيان بواحد منها لا بعينه منها لما سبق، وذلك يقتضي ما ذكرنا من التخيير، ثم التخيير بينهما يقتضي جواز فعل كل واحد منها، وإذا جاز فعل القياس وجب أن يجب فعله؛ لأن جواز فعله مع عدم وجوبه خلاف الإجماع فكان باطلًا.
قوله: سلمنا أنه يفيد كون القياس مأمورًا به في الجملة لكن لم يلزم منه كون القياس المختلف مأمورًا به؟
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ما تقدم.
وثانيهما: أنه إن أراد الشارع منه عموم ما فيه الاعتبار، أو عموم الأقيسة فقد حصل الغرض، وإن أراد منه نوعًا معينًا من القياس فالظاهر أن المراد منه القياس الشرعي قطعيًا كان، أو ظنيًا، منصوصًا كان علته، أو لم يكن؛ لأن الظاهر من حال الشارع أنه إنما يخاطبنا بالأمور الشرعية دون غيرها، ولا
يجوز أن يكون المراد منه ما تكون العلة فيه منصوصة فقط؛ لأنه قد يمنع منه أنه من قبيل القياس بل من قبيل ما نص فيه على الحكم، ولو سلم أنه من قبيل القياس لكنه نادر جدًا وحمل كلام الشارع على ما تعم فائدته أولى فيكون الحمل على القياس الشرعي الذى يندرج تحته المتنازع فيه وغيره أولى.
وبه يعلم أنه لا يجوز الحمل على القياس القطعي فقط.
قوله: الحمل على العموم متعذر للتناقض.
قلنا: نعم إن الأمر كما ذكرتم لكن نقول: لا يجوز أن يراد منه اعتبار الفرع بالأصل في أن لا يستفاد حكمه إلا من النص كما في الأصل لا وحده ولا مع الاعتبار في اثبات الحكم، اما الأول فلوجهين:
أحدهما: أن الاعتبار المراد من الآية لا بد وأن يكون مناسبًا لما قبل الآية، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن لا يكون مخالفًا للمقصود، وإلا كان الكلام ركيكًا سمجًا يصان كلام الله تعالى عن مثله بل كلام الفصحاء، والذي يناسب ما قبل الآية إنما هو الاعتبار في الحكم [لا] عدمه وإلا صار معنى الآية: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فلا تحكموا بهذا الحكم في حق غيرهم إلا إذا ورد النص في حقهم كما ورد في حق هؤلاء ومعلوم أن ذلك غير مناسب بل هو مخالف للمقصود منه فكان باطلًا.
وثانيهما: أن المتبادر منه ومن أمثاله نحو أن يقول السيد لعبده بعد أن ضرب عبدًا آخر له على ذنب صدر منه: اعتبر به الاعتبار في الحكم، لا الاعتبار في المنع من الحكم، والتبادر دليل على أنه حقيقة فيه فوجب حمله عليه.
وأما الثاني فلما ذكرتم من التناقض المذكور، وإذا لم يجز أن يكون مرادًا من النص سقط ما ذكره من الترجيح فإنه فرع احتمال الإرادة.
قوله: إنه عام [مخصوص وهو غير حجة قلنا: قد بينا أنه حجة.
قوله: دلالته ظنية].
قلنا: مسلم لكن المسألة عندنا ظنية. قوله: إنه خطاب مع الموجودين فاختص بهم.
قلنا: نعم يختص بهم اذ ذاك، فأما بعد وجود آخرين وفهمهم وبلوغهم فلا نسلم الاختصاص بل هو عام في حق الكل.
سلمنا أنه لا يتناولهم من حيث اللفظ لكن نقول: يلزم ثبوت هذا الحكم في حق غيرهم أيضًا لوجوه:
أحدهما: انعقاد الإجماع على أن ما ثبت في حقهم بخطاب المشافهة فإنه ثابت في حق من يوجد بعدهم إذا لم يوجد دليل منفصل على تخصيصهم به.
وثانيهما: أنه إذا جاز لهم القياس جاز لغيرهم ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
وثالثهما: أنه إذا جاز لهم القياس مع إمكان مراجعتهم إلى الرسول- عليه السلام في الوقائع فلأن يجوز لنا مع الناس عن ذلك بالطريق الأولى.
قوله: إنه أمر وهو لا يفيد التكرار.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان عامًا في جميع الأقيسة وجب أن يكون متناولًا لجميع الأوقات، وإلا قدح ذلك في كونه عامًا متناولًا للكل.
فالحاصل أن الأمر لا يفيد التكرار إذا لم تدل قرينة منفصلة على إرادة التكرار منه، فأما إذا دلت القرينة على ذلك فلا، والعموم قرينة دالة على إرادة التكرار.
وثانيهما: أنه إذا جاز العمل به مرة جاز العمل به في كل وقت ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
وثانيها: ما روى عن النبي- عليه السلام أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن قاضيًا: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فقال- عليه السلام: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يحبه الله ورسوله "أو بالهدى" أو لما يرضاه "على اختلاف الرواية.
ووجه الاستدلال به: هو أن الاجتهاد عبارة عن استفراغ الوسع في الطلب، فذلك الطلب إما من النصوص جلية أو خفية وهو باطل؛ لأن العمل بالاجتهاد معلق بعدم الوجدان في الكتاب والسنة، وعدم الوجدان فيهما إنما يتحقق بعدم وجدان الجلي والخفي فيهما؛ لأن وجد أن الجلي أو الخفي في الكتاب أو السنة وجد أن في أحدهما فنفى الوجدان ينفي وجدانهما؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم على/ (133/ أ) ما بينا ذلك، فلو كان المراد
من قوله: (أجتهد رأيي) الاجتهاد في النصوص الجلية أو الخفية [لزم الوجدان في الكتاب أو السنة حالة عدم الوجدان فيهما وهو] جمع بين النقيضين، أو من العقل فيما يقتضيه من الأحكام بتحسينه وتقبيحه وهو أيضًا باطل؛ لما ثبت من بطلان التحسين والتقبيح، أو من البراءة الأصلية وهو أيضًا باطل؛ لأنه لا يتحقق فيها معنى الاجتهاد وهو استفراغ الوسع في الطلب؛ لأن البراءة الأصلية معلومة لكل أحد من غير استفراغ الوسع فهو إذن من القياس.
ويؤكده: ما سنبين أن الرأي هو القياس.
ويؤكده أيضًا: ما روى عنه- عليه السلام أنه حين أنفذ معاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن فقال: "لهما بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في الكتاب ولا في السنة قسنا الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحق عملنا به "فقال- عليه السلام: أصبتما، صرحا فيه بالعمل
بالقياس، وصوبهما الرسول- عليه السلام، فدل على أنه حجة فهو حجة مستقلة ويؤكد لكون القياس مرادًا من قوله:(أجتهد رأيي).
وقد روى أيضًا أن الرسول- عليه السلام قال لابن مسعود (اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما فاجتهد برأيك).
والاحتجاج مثل ما تقدم في حديث معاذ.
فإن قيل: لا نسلم صحة الحديث، وبيانه من وجوه:
أحدهما: أنه مرسل، وقد ثبت أن المرسل ليس بحجة.
سلمنا أنه مسند لكنه مسند إلى مجاهيل، إذ روى الحديث عن أناس مجاهيل من أهل حمص، وقد بينا أنه لا تقبل رواية المجاهيل.
وثانيها: أنه روى على وجه آخر لا يمكن الجمع بينه وبينما رويتم وهو أنه لما قال معاذ- رضي الله عنه: "اجتهد رأيي" قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب إلى، اكتب إليك"، إذ الواقعة واحدة فكان الجمع بينهما متغدرًا.
وثالثها: أنه مشتمل على الخطأ فوجب أن لا يكون صحيحًا.
بيان الأول من وجوه:
أحدها: أن فيه قوله: (فإن لم تجد في كتاب الله) وهو يناقض قوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} .
وثانيها: أنه يقتضي أنه عليه السلام سأله عما يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك غير جائر؛ لأن جواز توليته للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنما تثبت لو علم كونه عالمًا بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجوز أن يقضي به.
وثالثها: أنه يقتضي تجويز الاجتهاد في زمن الرسول- عليه السلام وأنه غير جائز لما سيأتي.
ورابعها: أنه يقتضي أن لا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم الوجدان في الكتاب والسنة، وهو باطل عندكم؛ لأن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز عندكم.
بيان الثاني ظاهر.
ورابعها: أنه ورد في إثبات القياس والاجتهاد، وأنه أصل عظيم في الشرع، والدواعي تكون متوفرة على نقل ما هذا شأنه، وما يكون كذلك وجب بلوغه إلى حد التواتر والاشتهار، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه غير صحيح.
سلمنا صحته لكنه خبر واحد فلا يجوز التمسك به في كون القياس حجة
إذ المسألة قطعية.
سلمنا صحة التمسك بخبر الواحد في هذه المسألة، لكن لا نسلم أن المراد من قوله:(أجتهد رأيي) هو القياس، ولا يلزم من خروج النص والعقل والبراءة الأصلية تعينه للإرادة منه، وهذا لأنه يحتمل أن يكون المراد منه مدركًا آخر نحو المصالح المرسلة، أو التمسك بطريقة الاحتياط أو بتنزيل اللفظ على أكثر مفهوماته، أو أقل مفهوماته، أو قول الشارع "احكم فإنك لا تحكم الا بالحق".
سلمنا أن المراد منه القياس الشرعي لكن يكفي في العمل بمقتضاه إثبات نوع منه، ونحن نقول به، فإن القياس القطعي عندنا حجة، والقياس الذي نص على علته، أو القياس الذي هو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف حجة أيضًا عند بعض أصحابنا، فلم قلتم أنه يقتضي أن يكون جميع أنواع القياس حجة؟
سلمنا جواز العمل بجميع أنواع القياس لكن في زمان الرسول أو مطلقًا؟ أعنى به سواء كان في زمانه أو بعده، والأول مسلم، لكن لا يلزم منه حجيته في زماننا، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنة [وذلك إنما يتحقق في زمان حياة الرسول عليه السلام]؛ لعدم استقرار الشرع، فأما بعد نزول قوله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم} فإن ذلك متعذر؛ لأن الدين إنما يكون كاملًا لو بين فيه جميع ما يحتاج إليه، وذلك إنما يكون بالتنصيص على كليات الأحكام، فإذا كان جميع الأحكام موجودة في الكتاب والسنة تعذر بالقياس لفقد شرطه.
الجواب
قوله: إنه مرسل.
سلمناه لكن الأمة تلقته بالقبول، ومثله من المراسيل حجة قوله رواه الحديث مجاهيل.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنا نمنع ذلك؛ وهذا لأنه روى ذلك عن جماعة من أصحاب معاذ، وأصحاب معاذ مشهورون باتباعه في دينه وورعه وذلك يثبت صحته.
وثانيها: هب أنا نسلم أن أولئك الجماعة مجاهيل، لكن قد روى بطريق أخرى تثبت به الحجة إذ قد رواه عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.
وثالثها: هب أنه لم تصح طريقة أخرى في روايته لكن الأمة تلقته بالقبول، فإن منهم من قبله واحتج به على كون القياس حجة.
ومنهم من قبله ولكنه أوله ومثله حجة وإن كان رواية مجاهيل.
نعم هذا لا يفيد بالصحة، لكن لا يلزم منه أن لا يفيد ظن الصحة الذي يتوقف عليه الاحتجاج فقط.
قوله ثانيًا: روى الحديث على وجه آخر لا يمكن الجمع بينه وبين ما رويتم.
قلنا: لا نسلم صحة تلك الرواية؛ لأنها تقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة فكانت باطلة.
سلمنا صحته لكن لا نسلم أنه لا يمكن الجمع بينهما، وهذا لأنا وإن سلمنا أن الواقعة واحدة لكن يمكن الجمع بينهما بأن يصرف قوله "أجتهد رأيي" إلى الوقائع التي لا تحتمل التأخير، وقوله:(أكتب إلي أكتب إليك) تصرف إلى التي تحتمل التأخير.
سلمنا أنه لا يمكن الجمع بينهما لكن روايتنا مشهورة بين المحدثين والفقهاء، وروايتكم غربية لم يذكرها المعتبرون من المحدثين فلا تعارضها.
قوله: إنه مشتمل على الخطأ.
قلنا: لا نسلم.
قوله: لأنه يناقض [قوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس} وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قلنا:] لا نسلم؛ وهذا لأنه ليس المراد من الآية المذكورة أن بيان كل شيء في الكتاب، فإن ذلك خلاف ما
علم بالضرورة، فإن من المعلوم بالضرورة أنه غير مشتمل على علم الهندسة والحاسبات، وكثير من الأحكام الظنية بل من الفرعية كتفاريع الحيض والنفاس، بل البيع والإجارة مع مسيس الحاجة إليهما.
فإن قلت: المراد من النص- إن شاء الله تعالى- أنه ليس شيء مما يحتاج إليه في الأمور الدينية ألا وهو مبين في الكتاب إما بصراحته أو بواسطة بيان مداركه، فعلى هذا خرج عنه العلوم الهندسية والحسابية والطبية؛ لأنها ليست من العلوم الدينية، وأما التفاريع الذي ذكرتم فلا نسلم أنه غير مبين فيه بل هو مبين فيه بواسطة؛ وهذا لأنه بين فيه وجوب الأخذ بقول الرسول والإجماع وأحكام تلك التفاريع مبين في السنة والإجماع فيكون مبينًا في الكتاب.
قلت: فحينئذ اندفع التناقض؛ لأن الكتاب لما دل على وجوب الأخذ بالسنة، والسنة دلت على وجوب الأخذ بالقياس، والقياس دل على الأحكام المثبتة به دل الكتاب على تلك الأحكام بهذه الواسطة، والمراد من عدم الواجدان في الكتاب عدم الوجدان بالصراحة ضرورة أن ما وجد في السنة والقياس وجد في الكتاب بالواسطة.
قوله: إنه يقتضي أنه عليه السلام سأله عما يقضي به بعد أن نصبه للقضاء وأنه غير جائز.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن المراد من قوله حين بعثه، أي حين عزم على بعثه، فإن إطلاق اسم السبب على السبب مجاز مشهور كثير لاستعمال.
سلمناه، لكن لا نسلم أنه غير جائز إذا كان على وجه التأكيد أو لتحصيل العلم بما أخبر به فإنه ليس الخبر كالعيان.
قوله: إنه يقتضي تجويز الاجتهاد في زمان الرسول.
قلنا: نعم وما المانع منه لا سيما في حق البعيد في الواقعة التي لا تحتمل التأخير؟
قوله: إنه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس.
قلنا: من لم يقل من القائلين بكون القياس حجة بمفهوم الشرط، أو قال به لكن لم يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس فقد سقط عنه هذا السؤال بالكلية، وإن كان يرد عليه أعني من قال بمفهوم الشرط وعدم تخصيصهم بالقياس مثل هذا السؤال بالنسبة إلى السنة.
وأما من قال بهما فيجيب عنه: بأن المراد منه عدم وجدان ما يدل على الحكم من غير معارضة، وهذا وإن كان تخصيصًا لكن يجب المصير إليه وإلا لزم أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة متواترةً كانت أو آحادًا وأنه خلاف الإجماع.
ولقائل أن يقول: لم يلزم من تخصيص العام في موضع لدليل تخصيصه حيث لم يوجد الدليل، فلا يلزم من تخصيص قوله: "فإن لم تجد أولًا تخصيصه ثانيًا، فإن ذلك إنما كان لقوه السنة المتواترة مع كونه جمعًا بين الدليلين [وهو غير حاصل في صورة القياس ولا يمكن أن يقال فيه: صير إليه لكونه جمعًا بين الدليلين]، لأن ذلك يتوقف على كونه دليلًا، فإثبات كونه دليلًا به دور، وبتقدير أن يثبت كونه دليلًا فليس هو كالسنة فضلًا عن أن
يكون كالمتواترة منها، ولو قيل يصار جمعًا بين هذا وبين الدليل الدال على كون القياس حجة خرج هذا عن أن يكون دليلًا مستقلًا، فالأولى أن يعدل عن هذا، ويقال: هذا وإن كان تخصيصًا لكن يجب المصير إليه؛ لأن الظاهر إرادة المعنى الواحد منهما، ولأن الحمل على التخصيص أهون من تكذيب الراوي وإبطال الحديث بالكلية.
قوله: الحديث ورد في واقعة عظيمة فكان يجب أن يكون مشهورًا متواترًا.
قلنا: أما الشهرة فحاصلة، وأما وجوب بلوغه إلى حد التواتر فممنوع؛ وهذا لما سبق أن خبر الواحد مقبول فيما تعم به البلوى ولو سلم أنه لا يقبل لكن لا نسلم وجوب بلوغه إلى حد التواتر؛ وهذا فإن من لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يشترط فيه البلوغ إلى حد التواتر بعينه، بل أحد الأمرين: أما التواتر، أو الشهرة، فإن الخبر المشهور عنده مقبول فيما تعم به البلوى وهي حاصلة في خبرنا فوجب قبوله على الرأيين.
قوله: إنه خبر واحد/ (135/ أ) فلا يجوز التمسك به في المسألة العلمية.
قلنا: لا نسلم أن المسألة قطعية بل هي عندنا ظنية.
سلمنا أن المسألة قطعية لكن ليس المطلوب من كل واحد مما يذكر من الأدلة عليه العلم بل من مجموعة فكونه وحده لا يفيد القطع لا يقدح فيه.
قوله: لا يلزم من خروج النص، والعقل، والبراءة الأصلية منه أن يكون المراد منه القياس.
قلنا: إن [كل] من قال: إن المراد منه مدرك آخر غير النص والعقل والبراءة الأصلية قال: أن المراد منه القياس، فالقول بأن المراد منه مدرك آخر غير القياس قول على خلاف الإجماع فكان باطلًا.
قوله: المراد منه القياس القطعي، والذي نص على علته، وقياس تحريم الضرب على تحريم تأفيفه.
قلنا: النبي- علية السلام- إنما سكت عند قوله: "اجتهد رأيي" لعلمه بأن الاجتهاد واف بجميع الأحكام، وإلا لما سكت كما في ذكر الكتاب والسنة ولو حمل قوله (أجتهد رأيي) على ما ذكرتم من الأقيسة لم يكن ذلك وافيًا بأقل القليل منها، فإن القياس القطعي في الشرعيات في غاية القلة، والقياسان الباقيان وإن كانا أكثر منها لكنهما أيضًا قليلين لعلهما لا يفيان بإثبات عشر عشير الأحكام: فكان يجب أن لا يسكت الرسول علية السلام، ولما سكت دل ذلك على أنه واف وليس هو إلا القياس المطلق الشامل للظني والقطعي والمجلي والخفي، والمعنوي والشبيه، وهذا يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال الذي قبل هذا السؤال وإن لم يذكره ثمة.
وعن الأخير ما سبق في المسلك الذي قبل هذا ويخصه: أنا نمنع أن إكمال الدين إنما يكون بالتنصيص على كليات الأحكام فقط بل هو بيان جميع ما يحتاج إليه في الدين، ثم البيان قد يكون بلا واسطة كما في التنصيص، وقد يكون بواسطة كما إذا بين المدارك للأحكام فلم قلتم: إنه لا يحصل ذلك إلا إذا كان البيان بلا واسطة؟ وحينئذ لا يكون إكمال الدين منافيًا للعمل بالقياس.
وثالثها: ما روى أن عمر- رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
قبلة الصائم؟ فقال عليه السلام: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ ".
ووجه الاستدلال: أنه عليه السلام استعمل القياس، من حيث إنه قاس مقدمة الجماع وهى القبلة على مقدمة الأكل وهي المضمضة في أنه لا يحصل الإفطار بها، كما لا يحصل بالمضمضة بجامع عدم حصول المقصود منهما، وإذا استعمله الرسول- عليه السلام وجب أن يكون حجة لوجوه:
أحدهما: لما سبق أن التأسي به واجب.
وثانيها: أن قوله: "أرأيت" خرج مخرج التقرير، فلولا أنه قد تمهد عند عمر- رضي الله عنه أن القياس حجة لما حسن هذا الاستعمال، ألا ترى أن الإنسان لو حكم بحكم من الكتاب أو السنة ثم سأله عن ذلك من لا يعتقد الكتاب والسنة لم يجز له أن يقول له في جوابه: أليس أن الله تعالى قد قال في [كتابه] كذا وكذا؟ أو الرسول قال كذا وكذا؟ وإنما يحسن ذلك أن لو تقدر عنه حجيتهما، ولو سلم انه يحسن ذلك لكن لا نشك في أنه لا يحسن ذلك إذا كان المجيب لا يعتقد ذلك، فكان ذلك دالًا على أن
الرسول كان يعتقد حجيته فوجب أن يكون حجة في نفس الأمر، وإلا لزم أن يكون اعتقاده خطأ وهو باطل.
وثالثها: أنه إذا جاز للرسول- عليه السلام العمل به جاز لغيره؛ ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
ونحوه ما روى أن امرأة من خثعم جاءت إلى الرسول- عليه السلام وقالت: يا رسول الله: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يحج فان حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟ فقالت: نعم، فقال- عليه السلام فدين الله أحق بالقضاء".
ووجه الاستدلال به: أنه عليه السلام ألحق دين الله الذي هو الحج بدين الآدمي في حصول النفع بالقضاء.
لا يقال: إنه نبه على العلة ومثل هذا القياس قد تلتزم حجيته؛ لما سبق أن بعضهم قال بحجية ما نص على عليته، أو أومئ إليها؛ لأنا نقول: إن عنى بالتنبيه أنه ذكر العلة بلفظ صريح أو أومئ إليها فهذا ممنوع؛ وهذا لأنه ليس في الحديثين ما يدل على أن علة الحكم في الأصل كذا، وإن عنى به أنه ذكرا مفسرًا عليه يتبادر منه فهم العلة فهذا مسلم، لكن لا نسلم أن هذا ملحق بالتنصيص على العلة فإن ذكر أصل القياس لا يكون تنصيصًا على العلة.
فإن قلت: نحن نسلم أنه عليه السلام ألحق القبلة بالمضمضة وألحق الحج بالدين لكن لا نسلم أن ذلك بطريق القياس بل لعل ذلك بطريق النص.
قلت: المتبادر إلى الفهم منه الإلحاق بطريق القياس؛ لأنه يفهم منه الجامع على الوجه الذي تقدم تقريره فلو كان ذلك بطريق النص لما فهم ذلك.
وأيضًا لا معنى للإلحاق بطريق النص إلا أن ينص على الحكم في هذه الصورة كما نص في تلك الصورة فيجمع بينهما/ (136/ أ) في الحكم والتنصيص وحينئذ يكفي أن يقول: الحكم هنا على ما نص في المضمضة أو على ما بين فيها، وحينئذ يصير قوله:"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربًا" ضائعًا.
ورابعها: الأحاديث التي تشتمل على تعليل كثير من الأحكام، نحو قوله عليه السلام لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا جف؟
فقالوا: نعم فقال عليه السلام: "فلا إذن".
وقوله في حق المحرم الذي وقصت به راحلته: "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا".
وقوله في شهداء أحد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشحب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك".
وقوله عليه السلام: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده).
وقوله في الهرة: (أنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
وقوله- عليه السلام في الصيد: (فإن وقع في الماء فلا تأكل منه لعل الماء أعان على قتله).
وقوله عليه السلام: (أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي) و (الرأي) هو تشبيه شيء بشيء، جعل علة الحكم المشابهة.
وقوله- عليه السلام: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل
الدافة ألا فادخروها)، وأمثالها كثيرة.
ووجه الاستدلال بها: أنه لا بد وأن يكون للتعليل فائدة زائدة على أصل ثبوت الحكم وإلا لزم العبث وهو التطويل من غير فائدة، وأنها إما اتباع الحكم أينما تثبت العلة أو وجه الاطلاع على الحكمة في تلك الصورة فقط.
والأول اعتراف بصحة القياس، والثاني قول بإثبات العلة القاصرة وأنه يصحح القول بالقياس مطلقًا؛ لأن القول بالجواز ثمة مع عدم الجواز في المتعدية خلاف الإجماع والمعقول.
وخامسها: الإجماع، وهو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين وتقريره: أن العمل بالقياس [مجمع عليه بين الصحابة فكل ما كان مجمعًا عليه بينهم فهو حق فالعمل بالقياس حق.
بيان المقدمة الأولى]: العمل بالقياس كان شائعًا ذائغًا فيما بين الصحابة من غير إنكار يصدر من أحد منهم فكان إجماعًا على ما تقدم تقريره في فصل الإجماع.
وإنما قلنا: إن العمل بالقياس كان شائعًا ذائعًا فيما بينهم.
روي عن الصديق- رضي الله عنه أنه قال حين سئل عن الكلالة: "أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان".
والرأي هو القياس لوجهين:
أحدهما: أنه يقال: أقلت هذا برأيك أم بالنص؟ فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر وذلك يدل على أن الرأي لا يتناول القول بالنص جليًا كان أو خفيًا، وإذا كان المراد من الرأي غير النص وجب أن يكون المراد منه القياس لما
سبق في حديث معاذ.
وثانيهما: أنه يسمي أصحاب القياس كأصحاب أبي حنيفة أصحاب الرأي ويجعلونه مقابلًا لأصحاب الحديث وذلك يدل على أن الرأي هو القياس.
وروي عنه أيضًا: أنه ورث أم الأم، فجاءت أم الأب فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيئًا، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت" فرجع إلى التشريك بينهما في السدس، وليس ذلك الا بطريق القياس.
وروي عنه أيضًا أن كان يسوى في القسمة حتى قال له عمر- رضي الله
عنه-: "كيف تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ قال أبو بكر- رضي الله عنه: "إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ" ولما انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهما، ومعلوم أنه ليس مستندهما في ذلك إلا القياس، وأنه أثبت عقد الإمامة بالعهد قياسًا على عقدها بالبيعة، والصحابة كلهم رضوا به وما خالفه أحد في ذلك. وليس مستنده في إثباته بالعهد سوى القياس من حيث إنهم جعلوا تعيين الإمام كتعيين الأمة في البيعة.
وروى- عمر رضي الله عنه أنه قال في الجد: "أقضي فيه برأيي وأقول برأي".
وروى أنه قضى فيه بآراء مختلفة.
وروي عنه أنه قال في الجنين لما سمع الحديث: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا".
ونقل عنه أيضًا أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "اعرف الأشياه والنظائر" وفى رواية الأمثال وقس الأمور برأيك" وهذا صريح في الباب.
وروي عنه أنه شرك بين إخوة الأب والأم وبين إخوة الأم في الثلث في المسألة الحمارية لما سمع قول إخوة الأب والأم: هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟
ومعلوم أنه ليس ذلك بنص وإلا لما قضى بخلافه، ثم رجع عند سماع قولهم:"هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة".
وروي عنه أنه أنكر على سمرة حين أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور، وخللها وباعها محتجًا بالقياس على الشحم إذ قال: قاتل الله سمرة أما علم أنه قال عليه السلام: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها".
قاس الخمر على الشحم في أن تحريمها تحريم لثمنها.
] وروى عنه- رضي الله عنه أنه جلد أبا بكرة حد القذف حيث جاء شاهدًا على الزنا ولم يكمل النصاب قياسًا على القاذف [، إذ الشاهد لا يعد قاذفًا حتى يكون مندرجًا تحت النص.
واشتهر عنه- رضي الله عنه أنه كان يقول في كثير من الوقائع: هذا ما رأى عمر، وهذا ما أرى الله عمر، وروى عنه انه ورث المبتوتة بالرأي.
ولما تردد في قتل الجماعة بالواحد قال له علي- رضي الله عنه: "أرأيت لو اشترك نفر من سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم فكذا هذا"
فرجع عمر- رضي الله عنه إلى مقتضى هذا القياس.
وروى عن عثمان- رضي الله عنه أنه قال لعمر في بعض الوقائع: "إن اتبعت رأيك فرأيك رشيد، وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان".
والاستدلال به بلفظ الرأي كما تقدم.
وأيضًا لو كان في المسالة نص لما صوبهما، وكان يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول: لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضاء الصالحين وإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد رأيك".
وروي عن علي- رضي الله عنه أنه قال في شارب الخمر: "إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون فحدوه حده".
جعل مظنة الشيء قائمًا مقام الشيء وهو قياس.
وروى عنه- رضي الله عنه أنه قال: سألني عمر عن الخيار فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحده بائن فقال عمر- رضي الله عنه: لا بل إن اختارت نفسها فهي واحدة وزوجها أحق بها، قال: فتابعته فلما أفضى الأمر إلي علمت أني أسأل عن ذلك فعدت إلى قولي فقيل لي: لرأيك مع رأي غيرك أحب إلينا من رأيك وحدك".
وعنه- رضي الله عنه أنه قال في أمهات الأولاد: "اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك".
ويروي عنه وعن عثمان أيضًا توريث المبتوتة بالرأي.
وروي عنه أنه قال لعمر في قصة المجهضة، أما المأثم فأرجو أن يكون منحطًا عنك، وأما الدية فأرى عليك غرة عبد أو أمه".
وروي عنه عبد الله بن مسعود أنه قال في قصة بروع بنت واشق بعد أن استمهل شهرًا فيها: "أحكم فيها برأي فإن أصبت فمن الله ورسوله وإن أخطأت فمني والشيطان الرجيم والله ورسوله بريئان عنه".
وعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما أنه أنكر على علي بن أبي
طالب- رضي الله عنه حين أوجب دية الأصابع مختلفة لاختلاف منافعها وقال: ألا اعتبرها بالأسنان.
وعنه أنه قال لزيد بن ثابت حين ورث الأم ثلث ما بقى في مسألة زوج وأبوين: أنت وجدت في كتاب الله ثلث ما يبقى؟ فقال زيد: أقول برأيي وتقول برأيك.
وعنه أيضًا أنه قال له في مسألة الجد مع الأخوة: "ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا"، ومعلوم أنه ليس إنكاره، على تسميته ابنًا وعدم تسميته ابنا وعدم تسميه الجد أبًا؛ لأنه ما سمي الابن ابنًا بطريق الحقيقة، وعبد الله بن عباس لا يذهب عليه من تقدمه في معرفة لسان العرب أن الجد لا يسمى أبا بطريق الحقيقة بل على وجه التجوز، ولهذا يصح نفى اسم الأب عنه فيقال: ليس هو أبًا للميت ولكنه جده حتى ينكر عليه ذلك، بل أنكر عليه من حيث إنه جعل ابن الابن في حكم الابن في الحجب ولم يجعل أب الأب في حكم الحجب فيه، ومعلوم أن ذلك ما كان بالنص بل بالقياس؛
لأنه أومأ إلى وجه الجامع ولو كان ذلك لمخالفة النص لأومأ إليه وذكر النص الذي خالفه.
وروي عنهم أنهم اختلفوا في مسائل وقالوا فيها أقوالًا لا يمكن أن تكون تلك الأقوال إلا عن القياس وذلك يدل على أنهم عملوا بالقياس، واعلم أن تلك المسائل كثيرة يطول استقصاؤها فلنذكر بعضها:
أحدها: أنهم اختلفوا فيما إذا قال الرجل لامرأته: أنت على حرام: فقال أبو بكر وعمر وعائشة: إنها يمين تلتزم فيه الكفارة.
وقال علي وزيد وابن عمر هو طلاق ثلاث.
وقال ابن مسعود هو طلاق واحد.
وعلى هذا ما اختلفوا في أنه بائن أو رجعى.
وعن ابن عباس أنه ظهار.
وعن بعضهم أنه إيلاء.
وعن مسروق: أنه ليس بشيء، لأنه تحريم لما أحل الله تعالى وصار كما قالوا لقصعة من الشريد:"هذا على حرام" فأنه ليس بشيء وفاقًا فكذا هذا.
وروي هذا القول أيضًا عن علي- رضي الله عنه.
وثانيها: أنهم اختلفوا في الجد مع الأخوة: فبعضهم حجب الأخوة بالجد. وبعضهم ورثهم معه، وهؤلاء اختلفوا.
فمنهم من جعل الجد كأحدهم يقاسمهم ما لم ينقص حقه عن الثلث عندما لا يكون معهم ذو فرض، فإن نقص حقه عن الثلث أخذ الثلث وقسم الباقي عليهم؛ لأن الجد والأم إذا اجتمعا أخذ الجد مثلى ما أخذه الأم؛ لأنها لا تأخذ إلا الثلث، ثم الأخوة لا ينقصون الأم من السدس فوجب أن لا ينقصون الجد من ضعف السدس وإن كان معه ذو فرض آخر فيجعلون له خير الأمور الثلاثة من المقاسمة أو ثلث ما بقى من المال بعد أخراج فرائض/ (138/ أ) أصحاب الفروض أو سدس جميع المال؛ لأن أبناء الميت لا ينقصون الجد عن السدس فأخوته أولى أن لا ينقصوه عنه.
ومنهم من لم يقل بهذا التفصيل بل ذهب إلى غيره.
وكان عمر- رضي الله عنه قضى في الجد بقضايا مختلفة ونقل عنه أنه
أوصى في مرض موته أن لا ينقل عنه فيه شيء.
وثالثها: أنهم اختلفوا في المسألة المعروفة "بالخرقاء" وهي أم وأخت وجد: فذهب زيد بن ثابت: أن للأم الثلث والباقي يقسم بين الجد والأخت أثلاثًا.
وعند الصديق- رضي الله عنه للأم الثلث والباقي للجد.
وعند عمر- رضي الله عنه للأخت النصف وللأم ثلث ما يبقى والباقي للجد.
وعند عثمان- رضي الله عنه: لكل واحد منهم الثلث.
وعند علي- رضي الله عنه للأخت النصف وللأم الثلث وللجد السدس.
وعند ابن مسعود- رضي الله عنه: للأخت النصف، والباقي بين الجد والأم بالسوية.
ويروى عنه غير هذا مثل مذهب عمر- رضي الله عنه.
ورابعها: أنهم اختلفوا في المشركة:
فذهب بعضهم إلي التشريك بين أخوة الأب والأم وبين أخوة الأم فيما هو فرضهم وهو الثلث، ولهذا تسمى بالمشركة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا شيء لأخوة الأب والأم؛ لأنهم عصبات والعصبة إنما تأخذ إذا فضل من أصحاب الفروض وهنا لما يفضل شيء فلم تأخذ.
وخامسها: أنهم اختلفوا في الخلع في أنه هل هو طلاق أم فسخ؟
فذهب عمر وعلي- رضي الله عنهما إلى أنه طلاق.
وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه فسخ.
وعن عثمان- رضي الله عنه روايتان مثل المذهبين وأمثال هذه المسائل كثيرة لاسيما في الفرائض فنقول: اختلافهم وأقاويلهم المختلفة فيها إما لا لدليل وهو باطل؛ لأن القول في الدين بغير دليل باطل جلي الباطلان فلا يظن بهم ارتكابه.
أو لدليل وهو: إما العقل، وهو أيضًا باطل، لما تقدم من بطلان التحسين والتقبيح، ولأن من الظاهر أن العقل لا يستقل بمعرفة ما يوجب القول بهذه الوجوه المختلفة لا ضرورةً ولا نظرًا فلا يكون القول بها بناء عليه.
أو البراءة الأصلية وهو أيضًا باطل؛ لأن حكمها في المسألة شيء واحد، وهذه أقاويل مختلفة، أكثرها يخالف حكمها فيستحيل أن يكون بناء عليها.
أو النص قولًا كان أو فعلًا جليًا كان أو خفيًا، أو مفهومه موافقًا كان أو مخالفًا، أو غيره من وجوه دلالته، وهو أيضًا باطل؛ لأنه لو كان كذلك لأظهروه إقامة للعذر وردًا على المخالف وإرشادًا إلى الحق جريًا على ما هي
العادة لهم؛ إذ عادتهم جارية بتعظيم نصوص الرسول- عليه السلام واستعظام مخالفتها، وبشدة الفحص عنها والحث على نقلها وإشاعتها حتى نقلوا منها ما لا يتعلق بها غرض شرعي على ما هي كتب الأحاديث شاهدة بذلك، وذلك يوجب نقل ما يتعلق بالأحكام الشرعية المختلف فيها مع جري المباحثة والمفاوضة في تلك المسائل فيما بينهم بالطريق الأولى بل العادة تحيل كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف عن الجمع الكثير مطلقًا فكيف عمن لا تأخذهم في الله لومة لائم ولو أظهروه لنقل واشتهر لما سبق ولو اشتهر لعرفه المحدثون والفقهاء وهذا ظاهر؛ لأنه لا معنى لاشتهاره إلا أن يكون مشتهرًا فيما بين العلماء، ولما لم يكن كذلك؛ لأنا لم نجد بعد البحث الشديد، والطلب التام من كتبهم، ولم نسمع من أحد منهم مع المخالطة معهم، والسؤال عنهم علمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل بناء على النصوص، فإذا بطل ذلك وجب أن تكون تلك الأقاويل بناء على الأقيسة وذلك هو المطلوب، فثبت بهذه الروايات والاختلافات أن العمل بالقياس كان شائعًا ذائعًا فيما بينهم.
وأما أنه لم يصدر عن أحدهم الإنكار على ذلك فلأنه لو صدر لنقل؛ لأن القياس أصل عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا فلو أنكره أحد منهم وخالفه لنقل، ولأن توفر الدواعي على نقل الإنكار على مثل هذا الأصل العظيم والاختلاف فيه أكثر من نقله في المسائل الفرعية كما في العول، والربا، والاختلاف في مسألة الحرام، وغيرها فإذا نقل ذلك فهذا أولى، ولو نقل لاشتهر ولعرفه العلماء، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يوجد الإنكار.
وأما أنه متى كان كذلك وجب أن يكون مجمعًا عليه فالدليل عليه: أن سكوتهم إما أن يقال: إنه كان لغير الرضا نحو الخوف، والتقية، أو النظر
والتروي، أو لأن غيره أولى بالإنكار، أو لغيره من الاحتمالات التي تقدمت في كون السكوت لغير الرضا أو للرضا.
القسم الأول باطل، أما أنه لا يجوز أن يكون للخوف والتقية؛ فلأنا نعلم من حال الصحابة شدة انقيادهم للحق وأنهم لا تأخذهم في ذلك لومة لائم لاسيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل، وكيف يحتمل هناك الخوف والتقية مع ما علم من حالهم أنهم يرون الإنكار في محله إرشادًا، ويفرحون بالإرشاد والتنبيه على الحق، ولهذا قال عمر- رضي الله عنه:"لولا علي لهلك عمر".
وأيضًا، فلأن بعضهم خالف البعض في كثير من المسائل ولو كان هناك خوف مانع من ذلك لما وقع ذلك.
لا يقال: القياس أصل عظيم نفيًا وإثباتًا فكان الاختلاف والإنكار في/ (139/ أ) ذلك أصعب فربما يكون الإنكار في ذلك سببًا للعداوة دون تفاريع الفقه، لأنا نقول: هذا يقتضي بأن الإنكار في ذلك أولى؛ لأن
المحذور فيه أكثر ونحن نعلم من حالهم أن كلما كان المنكر أعظم كان همهم لإزالته أشد، وإنكارهم عليه أكثر فهذا بأن يكون لنا أولى من أن يكون علينا، وأيضًا تعارض الكيفية بالكمية، فإن القياس وإن كان أصلًا عظيمًا لكن النزاع فيه نزاع في مسألة واحدة، والنزاع فيما خالفوا من المسائل نزاع في مسائل كثيرة، ونحن لا نسلم أنه بتلك الكيفية يصير أولى بعدم الإنكار من تلك المسائل بأسرها.
وأما أنه لا يجوز أن يكون للنظر والتروي؛ فلأن ذلك وإن كان محتملًا في أول الأمر لكنه خلاف الظاهر بعد انقضاء المدة المديدة، والأعصار الطويلة في مسألة واحدة لاسيما من جماعة عظيمة موفقين بالغين في الفطنة والذكاء.
وأما أنه لا يجوز أن يكون سكوتهم عن الإنكار لأن غيرهما أولى به؛ فلأنه إن لم يجوز السكوت لمثل هذا العذر، لأنه يفضى إلى التواكل فقد سقط هذا الاحتمال بالكلية، وإن جوز فكذلك؛ لأنه إن لم يحصل هناك واحد هو أولى بالإنكار كان اتفاقهم على هذا الاعتقاد وترك الإنكار اتفاقًا على الخطأ، وهو باطل وإن حصل فالظاهر إنكاره وإلا لزم اتفاقهم على ترك الإنكار وهو خطأ فلزم اتفاقهم على الخطأ أيضًا.
وأما أنه لا يجوز أن يكون لغيره من الاحتمالات نحو أن يقال: أنه كان في تواطئهم ما يمنع من إظهار الإنكار مع ظهور قرائن السخط عليهم [أو] أنهم كانوا ينتظرون فرصة التمكن ولا يرون المبادرة إليه مصلحة، أو لأنهم ربما ظنوا أنهم لو أنكروا لم يلتفت إليهم ولحقهم بسببه ذل لما تقدم، وأما امتناعهم عن ذلك لاحتمال أنهم يرون أن كل مجتهد مصيب فباطل أيضًا؛ أما أولًا: فلأن هذه المسألة ليست من المسائل الاجتهادية.
وأما ثانيًا: فلأن ذلك يمتنع من الإنكار على وجه التوبيخ والتثريب، فأما
على وجه الإرشاد والعرض على أن غيره أولى منه فلا بدليل وقوعه في كثير من المسائل الفرعية وإذا بطل القسم الأول تعين أن يكون سكوتهم للرضا وحينئذ يلزم أن يكون العمل بالقياس مجمعًا عليه فيما بين الصحابة فوجب أن يكون حقًا لما تقدم من أن الإجماع حجة.
فإن قيل: لا نسلم أن أحدًا من الصحابة عمل بالقياس؛ وهذا لأن عملهم بذلك إنما يثبت على وجه القطع بتقدير القطع بصحة متن ما ذكرتم من الروايات وهو ممنوع؛ فإن الروايات المذكورة لم تنته إلى حد التواتر، وإلا حصل العلم بصحتها للكل، أعني الموافق والمخالف، ولما لم يكون كذلك علمنا أنه لم ينته إلى حد التواتر وحينئذ لم يمكن القطع بصحة متنها.
لا يقال: الأمة في هذه الروايات على قولين:
منهم من قبلها، واعترف بدلالتها على القياس.
ومنهم من أولها، وذلك يقتضي اتفاقهم على صحة متنها؛ لأنا نقول: قد مر أن ذلك لا يفيد القطع بصحة المتن، وإن كان يفيد غلبة الظن بصحته، وبتقدير دلالتها على المطلوب على وجه القطع وهو أيضًا ممنوع؛ لإن حاصل ما ذكرتم من الاستدلال عليه إنما هو الاستدلال بلفظ الرأي، واختلافهم وكثرة أقاويلهم في المسائل المختلف فيها، وشيء منهما لا يدل عليه على وجه القطع.
أما الأول: فلأنا لا نسلم أن الرأي هو القياس، وما ذكرتم من الدلالة عليه في الوجه الأول فغايته أنه يدل على أنه ليس من قبيل النص، ولا يلزم من ذلك أن يكون قياسًا، لاحتمال أن يكون المراد منه مدركًا آخر غير النص والقياس.
وأما الوجه الثاني وهو تسمية أصحاب القياس بأصحاب الرأي فلا يدل أيضًا على أن الرأي في أصل وضعه للقياس؛ لاحتمال أن يكون ذلك للعرف الطارئ إما خاصًا أو عامًا.
سلمنا دلالة ما ذكرتم على أن الرأي هو القياس لكن عندنا ما يدل على أنه ليس في أصل وضعه للقياس، وهو: أن الرأي مصدر قولهم رأي يرى رؤية [وذلك] يدل على أن الرأي بمعنى الرؤية، فلو كان حقيقة في القياس أيضًا لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل.
وإذا ثبت أنه في أصل وضعه ليس للقياس وجب أن لا يكون له بطريق النقل أيضًا؛ لأنه خلاف الأصل، ولأن قولنا:"فلان يرى" لا يفيد أنه يقيس؛ بدليل أنه يصح استعماله فيما يعتقده الإنسان من مدلولات النص، ودليل العقل؛ إذ يصح أن يقال: فلان يرى عدم جواز بيع الرطب بالتمر، ويرى جريان الربا في الأشياء الستة مع أن هذين الحكمين مدلولا النص، وإذا كان قولنا: يرى لا يفيد ذلك مع أنه مشتق منه وجب أن لا يفيد هو أيضًا ذلك؛ لأن المشتق لا بد وأن يدل على ما دل عليه المشتق منه.
سلمنا دلالة ما ذكرتم عليه لكن دلالة ظنية، أو قطعية؟ والأول مسلم لكنها لا تفيد، والثاني ممنوع.
وأما اختلافهم في تلك المسائل وغيرها فلا نسلم أنه كان بناء على القياس، ولم لا يجوز أن يكون ذلك لنصوص ظنت دليلًا عليها سواء أصابوا في ذلك أو أخطأوا، أو لوجوه دلالتها من/ (140/ أ) مفهومها الموافق، أو المخالف، أو إشارتها، أو اقتضائها، وحمل المطلق منها على المقيد، وترجيح الخاص منها على العام، وترجيح الواحد منها على الآخر بوجوه من التراجيح الخفية؟
قوله: لو كان كذلك لأظهروه.
قلنا: متى يجب ذلك إذا كان ما تمسكوا به ظاهرًا جلى الدلالة قاطع المتن، أو قريبًا منه يغلب على الظن انتفاع السامع به، أو مطلقًا؟
والأول مسلم، فلعل ما تمسكوا به في تلك المسائل لم يكن بهذه الصفات ولذلك لم يظهروه.
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن بتقدير أن يكون ضعيف المتن، خفى الدلالة، لا فائدة في إظهاره إذ الخصم ربما ينازع في متنه، وفي دلالته فلا فائدة في إظهاره فلا يجب ذلك.
سلمنا ذلك لكنه معارض بمثله، فإنه لو كان ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لأجل القياس لأظهروه، لكنهم لم يظهروا ذلك وإلا لنقل واشتهر، ووصل إلى الموافق والمخالف، ولما لم يكن كذلك علمنا أنهم لم يظهروه كما ذكرتم في النص حذو القذة بالقذة فلم يكن ذلك للقياس فليس الاستدلال بهذا الطريق على نفي النص أولى من الاستدلال به على نفى القياس وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون.
سلمنا وجوب الإظهار لكن لا نسلم أنهم لم يظهروه.
قوله: لو أظهروه لنقل واشتهر.
قلت: لا نسلم؛ وهذا لأنه ليس من الوقائع الكبار التي يمتنع أن لا تتوفر الدواعي على نقلها، وحينئذ يجوز أن لا ينقل.
قوله: نعلم من حالهم شدة الحث على نقل النصوص حتى نقلوا منها ما لا يتعلق به غرض فهذا أولى بذلك.
قلنا: هذا يقتضي أولوية النقل لا وجوبه، فلم قلتم أنه يجب نقله [فلعله لم ينقل وإن كان أولى بالنقل].
سلمنا وجوب نقله لكن من السلف أو مطلقًا؟
والأول مسلم، لكن ذلك لا يوجب وصوله إليه لاحتمال أن يقال: إنهم نقلوا ذلك لكن الخلف أخلوا بذلك النقل.
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن شدة الاهتمام على النقل إنما هو معلوم من حال السلف دون الخلف، وأما نقل ما لا يتعلق به غرض لا يرد نقضًا؛ لأنا لا نقول: أن كل ما لا تتوفر الدواعي على نقله فإنه يمتنع نقله [حتى يرد ذلك نقضًا علينا بل نقول: إنه لا يجب نقله] وهو غير مستلزم له؛ لأن العام لا يستلزم الخاص.
سلمنا أنه مما تتوفر الدواعي على نقله، لكن ندعي أن ذلك مما يقتضي نقله متواترًا، أو ندعي أنه يقتضي نقله في الجملة ولو بطريق الآحاد، والأول ممنوع؛ وهذا لأن ساذر معجزات الرسول- عليه السلام غير القرآن العظيم مع جلالة قدرها، وغرابة أمرها لم تنقل نقلًا متواترًا.
والثاني مسلم، لكن لم قلت: إنه ما نقل بطريق الآحاد فلعله نقل بطريق الآحاد لكنه ما وصل إلينا فإنه ليس كل ما نقل بطريق الآحاد وجب وصوله إلينا.
سلمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل بناء على النص، لكن لم قلتم أنهم قالوها بناء على القياس، وما الدليل على نفى الواسطة؟ وهذا لأن الواسطة حاصلة بينهما وهي ما عرفت من قبل.
سلمنا أن بعضهم عمل بالقياس لكن لا نسلم أنه لم يصدر عن أحد منهم الإنكار على ذلك.
قوله: لو صدر لنقل.
قلنا: لا نسلم وقد عرفت سنده.
قوله: توفر الدواعي على نقل الإنكار فيه أكثر من نقله في مسألة العول والربا ومن نقل الخلاف في مسألة الحرام وأمثالها.
قلنا: أولًا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأن مسيس الحاجة إلى معرفة أن العول هذا هو جارٍ في قسمة المواريث أم لا؟ وأن ربا الفضل هل هو جارٍ في المطعومات أو المكيلات والموزونات أم لا؟ أكثر من معرفة كون القياس جاريًا في الأحكام أم لا؟ وهذا [لأن] النوع الأول يحتاج إلى معرفته المجتهد وغيره في كل وقت ولحظة بخلاف الثاني، فإنه لو احتيج إليه فإنه لا يحتاج إليه إلا المجتهد على الندور، ولأنه إنما نقل إنكارهم في مسألة العول وربا الفضل؛ لأنه وقع على موافقة النص الصريح والإجماع، والإنكار في مسألة القياس ليس كذلك فإنا لا ندعي في هذا المقام أن صريح نص يقتضي المنع من القياس حتى يقال: إن إنكاره أيضًا موافق للنص، بل ندعي أنه لا دليل على
جواز العمل به وحينئذ يكون توفر الدواعي على نقله أكثر ولا يلزم من نقل ذلك الإنكار نقل الإنكار في القياس.
سلمنا أن توفر الدواعي على نقله أكثر لكن ذلك لا يوجب نقله وإن كان يوجب أن يكون أولى في النقل كما تقدم.
سلمنا أنه يوجب نقله لكن لا نسلم أنه لم ينقل إلينا؛ وهذا لأنه نقل إلينا إنكارهم العمل بالقياس تارة، (و) أخرى إنكارهم العمل بالرأي، والرأي هو القياس على ما ذكرتم: روى عمر- رضي الله عنه أنه قال: إياكم والمكايلة، قيل: وما المكايلة؟ قال: "المقايسة".
وعن شريح أنه قال: كتب إلي عمر- رضي الله عنه وهو يومئذ قاض من قبله: "اقض بما في كتاب الله فإن جاءك ما ليس فيه، فاقض بما في سنة رسوله، فإن جاءك ما ليس فيها، فاقض بما اجتمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك أن تقضي" ولو كان غير هذه النكتة مدركًا لما قال ذلك.
وعن علي- رضي الله عنه أنه قال: "لو كان هذا الدين مأخوذًا بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره"، ونقل هذا بعينه عن/ (141/ أ) عثمان- رضي الله عنه أيضًا.
وقال ابن مسعود: "يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يقيسون الأمور برأيهم".
وقال أيضًا: "إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حرم الله وحرمتم كثيرًا مما أحل الله".
وقال ابن عباس- رضي الله عنه: "إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس".
ومثله نقل عن التابعين.
قال الشعبي: "إن أخذتم بالقياس، أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال".
وقال لرجل: "لعلك من القائسين".
وقال ابن سيرين يذم القياس، ويقول:"أول من قاس إبليس".
وقال مسروق: "لا أقيس شيئًا بشيء، أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها" هذا كله إنكارهم للعمل بالقياس.
وأما إنكارهم العمل بالرأي فقد روى لنا عنهم أيضًا: قال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه: "أي سماء تظلمني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ ".
وعن عمر رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".
وعنه: "من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه".
ويروي هذا عن علي- رضي الله عنه أيضًا.
وقال ابن عباس- رضي الله عنهما:"إن الله تعالى لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه في دينه، ولو جعل ذلك لأحد لجعل ذلك لنبيه لكن قال لنبيه: {احكم بينهم بما أنزل الله} ولم يقل:"بما رأيت".
وقال ابن عمر- رضي الله عنهما السنة بما سنه الرسول- عليه السلام لا تجعلوا الرأي سنًة للمسلمين".
وعنه أيضًا: "اتهموا الرأي على الدين فإن الرأي منا تكلف وظن، وأن
الظن لا يغني من الحق شيئًا".
وعنه أيضًا: "إن قومًا يفتون بآرائهم لو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون".
وعن عائشة- رضي الله عنها أنها قالت: (أخبر زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتواه بالرأي في مسألة العينة".
وعن الشعبي أنه قال: "ما أخبرك عن أصحاب أحمد فأقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش".
سلمنا إن بعضهم عمل بالقياس، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار في ذلك لكن لا نسلم أنه يحصل الإجماع بذلك.
قوله: "السكوت لم يكن عن خوف وتقية لما علم من شدة انقيادهم للحق وأنهم لا تأخذهم في ذلك لومه لائم، قلنا: لا نسلم أنه خوف ولا تقية.
قال النظام في هذا المقام: "الصحابة ما أجمعوا على القياس بل العامل به قوم معدودون وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى، وناس قليلون من أصاغر الصحابة، والتابعون ما كانوا عاملين به، ولكن لما كان منهم عمر وعثمان
وعلي، وهؤلاء سلاطين الصحابة، ومعهم الرغبة والرهبة، شاع ذلك في الدهماء، وانقادت لهم العوام وجاز للباقين السكوت على التقية؛ لأنهم قد علموا أن إنكارهم غير مقبول فيه".
قال: والذي يدل عليه: أنه قال في الفتيا عبد الله بن عباس والعباس أكبر منه، ولم يقل في الفتيا شيئًا من غير عجزٍ ولا عي ولا غيبة عن شيء شهد ابنه.
وقال في الفتيا عبد الله بن الزبير، والزبير أعظم منه، ولم يقل فيه شيئًا.
وكان أبو عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام، فقال معاذ ولم يقل أبو عبيدة مع أن أبا عبيدة أعظم منه، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(أبو عبيدة أمين هذه الأمة).
وكيف يقال: إن الخوف والتقية زائلة مع أنا نعلم أن الرجل إذا اختار مذهبًا، فلو أن غيره أبطل عليه ذلك المذهب فإنه يشق عليه غاية المشقة ويصير ذلك سببًا للعداوة الشديدة.
وكيف يقال: إنهم ما كانوا يمتنعون عن إظهار الحق بسبب الخوف والتقية مع أن ابن عباس- رضي الله عنه قال: "هبته ولقد كان والله مهيبًا.
سلمنا حصول الإجماع بذلك، لكن نوع واحد من أنواع الأقيسة أو على جميع أنواعها؟
والأول مسلم، والثاني ممنوع ولا يمكن دعواه، ثم لا نوع إلا ويحتمل هو ذلك النوع ويحتمل أن لا يكون؛ لأنه لم ينقل إلينا النوع الذي أجمعوا عليه بعينه، وحينئذ يصير كل أنواعه مشكوكًا فيه في أنه حجة أم لا؟ فلا يجوز التمسك بشيء من أنواعه.
سلمنا حصول الإجماع على نوع معين، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك النوع هو القياس الذي نص على عليته، أو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن أمثال هذا القياس حجة عندنا؟
سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل بالقياس مطلقًا لكن في زمان الصحابة أم مطلقًا؟
والأول مسلم، والثاني ممنوع، وهذا لما سبق غير مرة.
وأيضًا فإنهم شاهدوا الرسول والوحي- فربما عرفوا بقرائن الأحوال: أن المراد من الحكم الخاص بصورة معينة رعاية الحكمة العامة، فلا جرم جاز منهم تعدية الحكم إلى غيرها من الصور، وأما غيرهم لما لم يكونوا مثلهم في هذا المعنى فلم يجوز لهم ذلك؟
سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل به مطلقًا لكن لا نسلم أن الإجماع حجة.
سلمنا أنه حجة لكن ظنية والمسألة علمية فلا يجوز التمسك به عليها.
سلمنا دلالة ما ذكرتم على جواز العمل بالقياس لكنه معارض بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول/ (142/ أ).
أما الكتاب: فنحو قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، {ولا تقف ما ليس لك به علم} والحكم بالقياس قول بما لا يعلم، واقتفاء لما لا يعلم.
وقوله: {إن الظن لا يغني من الحق شيئًا} و {إن بعض الظن إثم} والقياس لا يفيد إلا الظن، فلو كان ما أفاده القياس حقًا لكان الظن أغنى من الحق شيئًا، وهو مناقض لمدلول النص.
وقوله: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فهاتان الآيتان تدلان على اشتمال الكتاب على كل الأحكام، ومع وجود الحكم في الكتاب لا يجوز القياس.
وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله؛ لأنه حكم بغير قولهما.
وقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وقوله: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى وبغير ما أراه الله.
وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله} والمراد الرد إلى قول الله وإلى قول الرسول، والرد إلى القياس رد إلى غير القولين.
وأما السنة فخبران: أحدهما: ما روي عن عمر- رضي الله عنه عن النبي-عليه السلام أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام".
وهو إنكار صريح على العمل بالقياس.
وثانيهما: ما رواه أبو هريرة عن النبي- عليه السلام أنه "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسوله، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا" وهو أيضًا يدل على عدم جواز العمل بالقياس.
وأما الإجماع: فهو أنه نقل عن بعض الصحابة بل عن كثير منهم التصريح بذم الرأي والقياس- على ما تقدم بيانه- ولم يظهر من الباقين الإنكار على ذلك فكان إجماعًا بعين ما ذكرتم.
وأيضًا: فإن المشهور المستفاض أن مذهب أهل البيت إنكار القياس وذم من يعمل به، وقد تقدم أن إجماع العترة حجة.
وأما المعقول، فهو: أن لو وقع التعبد بالقياس في الشريعة لما كان الاختلاف والتنازع منهيًا عنه، لكنه منهي عنه والعمل بالقياس غير جائز.
أما بيان الملازمة: فهو: أن العمل بالقياس يقتضي اتباع الأمارات، وذلك يقتضي وقوع الاختلاف- لا محالة- للاستقراء، ولأن اختلاف العقلاء في الضروريات ممتنع أو بعيد فكذلك اتفاقهم في الظنيات ممتنع أو بعيد.
وأما بيان انتفاء اللازم: فهو بقوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا} .
وأيضًا فإن الرجل إذا قال: "أعتقت غنمًا لسواده، فقيسوا عليه" لم يعتق سائر عبيده السود، فضلًا عما إذا لم يصرح بالأمر بالقياس وذلك يدل على عدم وقوع التعبد بالقياس في الشريعة ولا يعتق سائر عبيده كما إذا قال أعتقت كل عبد أسود لي.
الجواب
قوله: لا نسلم أن أحدًا من الصحابة عمل بالقياس.
قلنا: هذا منع مكابرة، فإن من المعلوم بالضرورة بعد مطالعة كتب الأخبار والآثار والفقه ومطالعة ما نقل عنهم من الاختلاف والإلحاقات والتشبيهات في المسائل المتقدمة وغيرها نحو ما نقل عن علي- رضي الله عنه أنه شبه الجد والأخوة بغصني شجرة، وشبههما زيد بن ثابت
بجدولي نهر فشركا بينهما.
وألحق علي- رضي الله عنه الشارب بالقاذف، والقاتل بالسارق.
وألحق عمر- رضي الله عنه مرة الجد بالأب فلم يعط شيئًا.
وألحقه ابن عباس- رضي الله عنهما به فأنكر على زيد في عدم الإلحاق وقال: (ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا) ومن المعلوم أن الإنكار ليس لكونه لا يسميه أبًا مجازًا، فإن ترك التجوز لا يوجب الإنكار والنسبة إلى مفارقة التقوى وفاقًا، فأما ترك القياس الشرعي لا سيما الجلي منه فإنه يوجب الإنكار والنسبة إلى مفارقة التقوى، لكون الترك بمقتضى الدليل عند خلوه عن المعارض محرمًا، فأما ترك التجوز مع وجود ما يوجب حسنه ليس بمحرم وفاقًا، وغيرها من الإلحاقات والتشبهات عمل بعضهم بالقياس فإن كل واحد من هذه الروايات وإن لم تكن متواترة لكنا نعلم قطعًا أن كلها ليست بكاذبة وأن شيئًا منها
صحيح وأي واحد منها صح لزم حصول العلم الضروري بعمل بعضهم بالقياس.
والمخالف أيضًا ما أنكر عمل بعضهم بالقياس بل هو معترف بذلك كما سبق من النظام، ولكن تارة يمنع أن الإجماع حجة، وتارة يمنع عدم الإنكار من الباقين، وتارة يمنع أن يكون الإجماع السكوتي حجة، فأما عمل بعضهم بالقياس فلا، وبهذا خرج الجواب أيضًا عن قوله: إن دلالتها على المطلوب ليست قطعية؛ لأن تلك الروايات بأسرها مشتركة في الدلالة على أن بعضهم عمل القياس ويرى العمل بالقياس فيرجح حاصل دلالتها على ذلك إلى/ (143/ أ) التواتر المعنوي وهو قطعي.
قوله: لا نسلم أن الرأي هو القياس.
قلنا: الدليل عليه ما تقدم.
قوله على الوجه الأول: أنه لا يدل على أنه القياس، وإن دل على أنه غير النصر.
قلنا: قد ذكرنا أنه يلزم من ذلك أن يكون الرأي هو القياس لأن كل من قال: الرأي مدرك آخر غير النص قال: إنه القياس، فالقول بأن الرأي مدرك آخر غير النص والقياس خلاف الإجماع.
قوله على الوجه الثاني: إنه يدل على أن الرأي في أصل وضعه للقياس.
قلنا: نحن لا ندعي ذلك بل ندعي أنه للقياس إما في الأصل وضعه، أو بطريق النقل من الشرع، أو من العرف العام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل.
قوله: النقل والاشتراك خلاف الأصل.
قلنا: مسلم لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، والدليل وهو الإجماع قام على أن الرأي عبارة عن القياس، وهذا لأنا روينا عنهم كلامًا كثيرًا أنهم عملوا بالرأي وقلنا الرأي هو القياس، وأنتم رويتم عنهم أيضًا كلامًا كثيرًا في ذم الرأي وقلتم الرأي هو القياس، وساعدناكم على ذلك، وذلك يدل على أن الرأي هو القياس وفاقًا، فأما أن ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل فذلك مما لا حاجة لنا إليه وإن كان الأظهر أن ذلك بطريق النقل.
قوله: قولنا: "فلان يرى" لا يفيد أنه يقيس وذلك يدل على أن الرأي ليس هو القياس.
قلنا: لا نسلم أنه مشتق من الرأي الذي هو بمعنى القياس بل هو عندنا مشتق من الرأي بمعنى الرؤية فلم قلتم أنه ليس كذلك؟
قوله: دلالة ما ذكرتم عليه قطعية أم ظنية، قلنا: قطعية وتقريره على ما تقدم.
سلمنا أنها ليست قطعية بل هي ظنية لكن لا نسلم أنها لا تفيد، وهذا لأن المسألة عندنا ظنية على ما سبق غير مرة وعند هذا القول: هب أن الروايات المذكورة غير مقطوع بها بصحة المتن، وغير مقطوعة الدلالة على المطلوب لكن لا نزاع في أنها تفيد الظن، فإنها لا تقصر عن خبر الواحد
فيجوز أن يتمسك بها في المسألة.
قوله: لا نسلم أن أختلافهم في تلك المسائل كان بناًء على القياس، قلنا كما تقدم.
قوله: فلعل ما تمسكوا به في تلك المسائل ليس بظاهر يغلب على الظن انتفاع السامع به.
قلنا: الدليل الذي ليس لظاهر لا يجوز التمسك به كالمجمل بل لابد أن يكون ظاهر الدلالة على المطلوب إما بنفسه، أو بغيره من البيان الذي يظهره، ولا يشترط في قبول النص أن يكون قاطع المتن أو قريبًا منه، بل ما يغلب على الظن صحة متنه لما ثبت أن رواية الآحاد مقبولة فإن كانت بحيث يغلب على الظن صحة متنه وهو ظاهر الدلالة جاز التمسك به ويجب إظهاره وإن لم يكن بهذه الحيثية لم يجز التمسك به [ولم يجب] إظهاره فلم يختلف حكم النص في جواز التسمك به وعدم وجود الإظهار.
قوله: لو كان ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لأجل القياس لأظهروه أيضًا كما ذكرتم في صورة النص.
قلنا: نعم لكن لا نسلم أنهم لم يظهروه؛ وهذا لأن منهم من أظهر ذلك وصرح به كأبي بكر- رضي الله عنه فإنه صرح بعلة التسوية في العطاء بين المهاجرين وغيرهم حيث قال: "إنما الدنيا بلاغ" وكعلي في حد شارب الخمر حيث قال: "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون".
وكعثمان وعبد الرحمن بن عوف في قصة المجهضة حيث ألحقا عمر بالمؤدب وقالا: " وليس على المؤدب شيء".
وكعلي وزيد بن ثابت وابن عباس في مسألة الجد مع الأخوة على ما تقدم ذكره.
وكما في حديث ابن عباس رضي الله عنه في دية الأصابع، فإنه لما أنكر على علي- رضي الله عنه صرح بالقياس فقال:"ألا اعتبرها بالأسنان".
وكمسروق في مسألة الحرام فإنه صرح بالقياس على قصعة من الثريد.
ومنهم من نبه عليه كما في مسألة المشركة وكما في مسألة الجدة حيث قال بعض الأنصار لأبي بكر-رضي الله عنه: تركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت.
وكما في قول علي لعمر- رضي الله عنهما: أرأيت لو اشترك نفر في سرقة أكنت تقطعهم.
وكما في حديث عمر في قياسه الخمور على الشحوم فإنه نبه على أن علة تحريم ثمنها تحريمها.
ومنهم من اعتمد على فهم سامع الحكم؛ فإنه يفهم منه علية مأخذه، إذ الحكم قد يبنى عن علته وهذا كما في مسالة الحرام فإنهم جعلوا حكمه حكم الطلاق، أو الظهار، أو اليمين أو الإيلاء على ما هو مذكور في بعض المصنفات لكونه لفظًا موضوعًا للتحريم فيؤثر فيه إذا توجه إلى الزوجة كما في هذه المسائل.
ثم إن من جعله طلاقًا ثلاثًا نزله على أعلى مراتب التحريم أخذًا بالاحتياط وهو بالثلاث ومن جعله طلاقًا واحدًا نزله على أدنى مراتب التحريم وهو بالواحد [ثم] أخذًا بالمتيقن منه وتركًا بالمشكوك فيه، ثم من جعله بائنًا نزله على نهاية مراتب التحريم الذي يحصل بالواحد، ومن جعله رجعيًا نزله على أول مراتبه، ومن جعله ظهارًا فإنما جعله كذلك لكونه مشابهًا له في اقتضاء التحريم، ثم إنه ليس من صرائح الطلاق حتى يجعل طلاقًا من غير نية ولا نية معه؛ إذ الكلام فيه حتى يقع الطلاق على وجه الكناية/ (144/ أ) ثم لا يمكن جعله يمينًا؛ لأن اليمين لا تحرم.
ولو سلم أنها تحرم لكن كفارة الظهار أغلظ فجعله ظهارا أخذًا بالاحتياط.
ومن جعله يمينًا، فلأن اليمين عنده تحرم فيكون مشابهًا لها في اقتضاء التحريم؛ لأن اليمين عنده تحرم فأوجب فيه كفارتهما أخذًا بالأقل أو بالآية وهي قوله تعالى:{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وإن كانت دلالتها على صورة النزاع ضعيفة من حيث إنه ليس فيها ما يدل على أن التحريم كان بقوله: أنت على حرام فلعله كان باليمين فحينئذ يكون غير متناول لصورة النزاع.
ومن جعله إيلاءً قال: إنه شابهه من حيث إنه منع نفسه عن وطئها فأشبه المولى فهذه المشابهات والمآخذ ظاهرة تفهم من الحكم بأدنى تأمل فلعلهم لم يظهروها لهذا السبب.
سلمنا أنهم لهم يظهروه لكن الفرق بين النص والقياس ظاهر فلا يلزم من [وجوب إظهار النص] وجوب إظهار القياس وبيانه من وجوه:
أحدها: أن النص يجب اتباعه ومخالفه مخطئ بالاتفاق بخلاف القياس، فأنه لا يجب اتباعه بل لا يجوز؛ إذ لا يجوز فيه التقليد وليس مخالفه مخطئًا، فإن عندنا أن كل مجتهد مصيب.
وثانيها: أن إنكارهم على مخالف النص فوق إنكارهم على مخالف القياس فلم يلزم من ترك أقل الانكارين ترك أعظمهما.
وثالثها: أن النص يمكن الإخبار عنه بكل حال من غير عسر لكونه مضبوط وغير محتاج إلى بيان مقدمات كثيرة بخلاف القياس، فإنه قد يتعذر التعبير عنه لتعذر التعبير عن الجامع الذي أفاده ظن الحكم، ولهذا فان المقوم قد يتعذر عليه التعبير عما يفيده ظن القيمة، والمتأخرون من الاصوليين إنما يعبرون عن أصناف الجامع لكون المتأخر في كل علم يلخص ما لا يلخصه المتقدم فيه ويحتاج إلى مقدمات كثيرة من تعليل حكم الأصل، وحصول علته في الفرع، ووجود الشرائط، وارتفاع الموانع، وكل هذه المقدمات قد تكون ممنوعة فلا يحصل الغرض من ذكره، فلا يلزم من وجوب إظهار النص وجوب إظهار القياس.
قوله: إنه ليس من الوقائع العظام التي يمتنع أن لا تتوفر الدواعي على نقلها.
قلنا: هب أنه كذلك، لكنه لا يقدح في ادعاء نقل الآحاد وإنما يقدح في ادعاء النقل المتواتر ونحن ما ادعينا وإنما ادعينا نقله آحادًا للعادة والاستقراء.
قوله: هذا يقتضي أولوية النقل لا وجوبه.
قلنا: أولوية النقل بلا وجوب محال على ما عرف في مسألة التحسين والتقبيح وغيرها.
قوله: شدة الاهتمام على نقل النصوص إنما عرفت من عادة السلف دون الخلف.
قلنا: لو حصل النقل من السلف ولم يحصل من الخلف لكانوا مجمعين على كتمان الحق وهو يقتضي جواز إجماعهم على الباطل ودليل الإجماع ينفيه، ولأن أطباق الجمع العظيم على عدم النقل مستحيل عادة لا سيما فيما لا يتعلق الفرض بعدم نقله.
قوله: ندعي نقله متواترًا وآحادًا.
قلنا: عرف الجواب عنه من قبل.
قوله: فلعله نقل بطريق الآحاد لكنه ما وصل إلينا.
قلنا: المعنى من نقله ووصوله إلينا أن يكون حاصلًا في صدور الرواة والعلماء أو في بطون الدفاتر المصنفة في هذا الباب، فإذا لم يوجد شيء من ذلك لم يكن منقولًا فيلزم إجماع أهل عصر من الأعصار على إخلال نقله وهو ممتنع لما سبق.
قوله: هب أنهم ما قالوا تلك الأقاويل بناء على النصوص فلم قلتم أن تلك الأقاويل كانت بناء على القياس؟
قلنا: للإجماع فإن كل من قال: أن تلك الأقاويل ما كانت بناء على النصوص جلية كانت أو خفية، وعلى البراءة الأصلية قال: إنها كانت بناء على الأقيسة، فالقول بإثبات مدارك أخر لها إذ ذاك قول على خلاف الإجماع فيكون باطلًا، وأيضًا فإن المدارك الأخر التي هي مختلفة بين العلماء ليس لبعضها مدخل في تلك الأقاويل، وبعضها لم يف بتلك الأقاويل فلم يجز أن تكون مبنية عليها.
قوله: لا نسلم عدم حصول الإنكار عن أحد منهم على ذلك.
قلنا: كما تقدم. قوله: لا نسلم أنه من الوقائع العظام.
قلنا: سبق الجواب.
قوله: لا نسلم أن توفر الدواعي على نقل الإنكار فيه أكثر من مسألة العول والربا.
قلنا: الدليل عليه ما سبق.
قوله: أولًا: في سند المنع: مسيس الحاجة إلى معرفة حكم تلك المسائل أكثر.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه لو اعتبر احتياج المجتهد والمقلد إلى المسائل المحتاجة إلى معرفة كون القياس حجة أم لا كان الاحتياج إلى معرفة كون القياس حجة أكثر لا محالة وتزيد بأن الخلاف فيه أشد محذورًا، ولهذا يضلل المخالف فيه.
قوله: ثانيًا: الإنكار في تلك المسائل وقع على موافقة النص الصريح.
قلنا: القول في الدين بغير دليل مقطوع البطلان، فلو لم يكن في الشرع دليل يدل على أن القياس مدرك شرعي كان القول بالقياس قولًا في الدين بغير
دليل. فكان إنكاره موافقًا للدليل المقطوع به فكان أولى بالنقل.
قوله: سلمنا/ (145/ أ) أن توفر الدواعي على نقله أكثر لكن ذلك لا يوجب نقله بل يقتضى الأولوية.
قلنا سبق الجواب عنه.
قوله: قد نقل إنكارهم العمل بالقياس وذم من يعمل به.
قلنا: الذين نقلتم عنهم إنكار العمل بالقياس والمنع منه وذم من يعمل به هم الذين نقلنا عنهم القول بالقياس والرأي صريحًا، ودللنا أيضًا على ذهابهم إلى العمل به في المسائل المذكورة فلابد من التوفيق دفعًا للتناقض، وجمعًا بين الروايتين وذلك بأن يحمل ما ذكرتم من الروايات على الأقيسة التي لا توجد شرائطها، وتحمل الروايات الدالة على جواز العمل به على الأقيسة المستجمعة لشرائطها، وعند هذا نعرف أنه ليس لهم أن يقولوا: إن الروايات الدالة على الذم والمنع منه صريحة بخلاف الروايات الدالة على جواز العمل به فتكون روايات المنع راجحة فيعمل بها لزيادة الرجحان؛ لأنا بينا أن
رواياتنا أيضًا صريحة وتزيد بالدلالة المعنوية على جواز العمل به كما ذكرنا في المسائل المختلف فيها، فتكون روايتنا راجحة فإن لم يكن كذلك فلا أقل من التساوي وحينئذ يتعين التوفيق كما تقدم.
فإن قلت: هنا توفيق آخر وهو: أن بعضهم كان قائلًا بالقياس حين كان البعض الآخر منكرًا، ثم لما انقلب المنكر مقرًا انقلب المقر منكرًا وحينئذ يكون كل واحد منهم قائلًا بالقياس ومنكرًا له من غير تناقض، وتكون الروايتان صحيحتين مع أنه لا يحصل الإجماع على صحته، فلم قلتم أن ما ذكرتم من التوفيق أولى؟
قلت: ما ذكرنا من التوفيق أولى لوجهتين:
أحدهما: أنه لو وقع ذلك لنقل واشتهر؛ لأنه من الأمور الغريبة والعجيبة، أو كان في لفظ أحد منهم إشعار بالرجوع عن ذلك كما نقل عنهم في بعض المسائل الرجوع عنها ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقع.
وثانيهما: أن توفيقنا يقتضي بقاء ما كان على ما كان، وتوفيقكم لا يقتضى ذلك بل يقتضى التغيير فكان توفيقنا أولى.
قوله: لا نسلم عدم الخوف والتقية.
قلنا: قد ذكرنا الدليل عليه.
وأما قول النظام: بأن العامل بالقياس إنما هو بعضهم.
قلنا: مسلم، لكن سكت الباقون فكان إجماعًا كما تقدم، ونحن في هذا المقام ما ادعينا عمل الكل به حتى يكون ذلك قادحًا في غرضنا.
قوله: هم سلاطين الصحابة معهم الرغبة والرهبة.
قلنا: مثل هذا ما كان يمنعهم من المخالفة بدليل أنهم خالفوه في كثير من المسائل كما تقدم.
قوله: نحن نعلم أن الرجل العظيم إذا اختار مذهبًا فلو أن غيره أبطل عليه ذلك شق عليه.
قلنا: ذلك إنما يكون إذا كان الغرض منه التخطئة وإظهار المزية الفاضلة، فأما إذا كان الغرض منه بيان الحق والإرشاد فلا نسلم ذلك بالنسبة إلى المنصف من الخلف فضلًا عن السلف.
قوله: قال ابن عباس- رضي الله عنهما: "هبته ولقد كان والله مهيبا".
ما يدل على حصول الخوف والتقية؛ لاحتمال أنه هابه لعظم مرتبته في العلم فلا يقدر على تقرير ما عنده، وإن كان ما عنده حقًا ولهذا فإنا نرى المتعلم لا يقدر على تقرير ما عنده عند كثير قدر في العلم لمهابته، ويقدر على ذلك عند أقرانه ونظراته، ومثل هذا المانع لا يدوم إلى آخر العمر ولا يفرض في حق الكل حتى يفرض مثله في السكوت عن الإنكار عن القياس.
قوله: حصول الإجماع على كل أنواعه ممنوع، وعلى بعض أنواعه مسلم لكنه لا يفيد.
قلنا: الإجماع منعقد على حجية القياس المناسب لا محالة وذلك؛ لأن النوع الذي أجمعوا عليه إن كان هو القياس المناسب فقد حصل الغرض، وإن كان غيره من غير ما نص على علته، ومن غير قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإن من المعلوم أنهما غير حاصلين في المسائل المختلف فيها فإنه يلزم منه انعقاد الإجماع على حجية القياس المناسب؛ إذ القول بانعقاد
الإجماع ثمة مع عدم الانعقاد ها هنا باطل وفاقًا، ومنه يعرف الجواب عن قوله: إن ذلك النوع هو نحو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
قوله: إنما يدل على انعقاد الإجماع على جواز العمل به في زمان الصحابة لا غير.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه لما ثبت أنهم أجمعوا عليه في ذلك الزمان ثبت أنه حق فيه لا يجوز لأحد مخالفتهم في عصر من الأعصار، إذ المجمع عليه على وجه البت لا تجوز مخالفته في وقت ما، وحينئذ يلزم منه أنه حق في سائر الأزمان لا تجوز مخالفته.
وثانيهما: أن كل من قال بحجيته في زمان ما من أزمنة شرعنا قال بحجيته في كل زمان فالقول بالفصل بين الزمان قول مخالف للإجماع فكان باطلًا.
قوله: لا نسلم أن/ (146/أ) الإجماع السكوتي حجة.
قلنا: قد ثبت ذلك.
قوله: إنه حجة ظنية والمسألة قطعية.
قلنا: ذكرنا غير مرة أن المسألة عندنا ظنية غير قطعية ولو سلم فالجواب ما تقدم في الأوامر وغيرها.
وعن المعارضة بالآيات الأربع:
الأول من وجوه:
أحدها: أنا لا نسلم أن القول بالحكم بالقياس قول بما لا يعلم أو بالظن
وهذا لأنه لما دل القاطع على وجوب العمل بمقتضى الظن الحاصل من القياس كان وجوب الحكم بمقتضى ذلك الظن معلومًا لا مظنونًا.
وثانيها: أنها محمولة على الظن الغير المعتبر بأن يكون في المسائل العلمية، أو وإن كان في المسائل الظنية لكن بطرق غير معتبرة، وهذا وإن كان تقييدًا وتخصيصًا لكنه يجب المصير إلى ذلك جمعًا بين الأدلة.
وثالثها: أنها حجة على الخصم أيضًا، فإن القول ببطلان القياس ليس معلومًا بل هو مظنون؛ ضرورة أنه لا قاطع على فساده فوجب أن لا يجوز القول به. وعن الآيتين اللتين بعدها ما تقدم في حديث معاذ.
وعن الآية السابعة: أنا لا نسلم أن الحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله؛ وهذا لأنه إنما يكون الحكم بالقياس تقدمًا بين يدي الله ورسوله إن لم يكن القياس متعبدًا به بقول الله وقول رسوله وهو ممنوع وحينئذ يكون الاحتجاج بالآية على كونه تقديمًا بين يدي الله ورسوله متوقفًا على عدم كونه متعبدًا به، فإثبات عدم التعبد به دور.
وعن الثامنة والتاسعة: بمنع أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله، أو بغير ما أراه الله تعالى وسنده ظاهر مما تقدم.
وعن العاشرة: بمنع أن الرد إلى القياس ليس ردًا إلى قول الله وقول رسوله لما سبق.
وعن الخبرين: أنهما محمولان على القياس الفاسد جمعًا بين ما ذكرنا من الأحاديث الدالة على جواز العمل بالقياس.
وأما عن الإجماع: فما سبق أن ما روى عنهم في ذم القياس فهو غير مصروف إلى مطلق القياس، بل إلى القياس الفاسد، فحينئذ يكون الإجماع
منعقدًا على عدم جواز العمل بالقياس الفاسد ونحن نقول به لا على مطلق القياس المتناول للصحيح والفاسد.
وأما إجماع العترة فممنوع أيضًا؛ وهذا لأنه نقل الزيدية عنهم جواز العمل بالقياس.
سلمنا سلامته عن المعارض لكن لا نسلم أن إجماعهم حجة وقد تقدم بيان ذلك.
وعن الوجه الأول من المعقول: أنا لا نسلم أن مطلق الاختلاف والتنازع منهي عنه؛ وهذا لأن الاختلاف قد يكون رحمة ولهذا روى عن الرسول- عليه السلام أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) فكيف يكون منهيًا عنه؟
بل المراد من النهي عن الاختلاف والتنازع حيث ورد إنما هو الاختلاف والتنازع فيما فيه الحق متعين لقاطع كمسائل الأصول نحو إثبات الصانع، والتوحيد وإثبات المعاد والمبدأ وغيرها، فأما ما لا يتعين الحق فيه في واحد بعينه كالمسائل الاجتهادية، أو أن تعين لكن بأدلة ظنية فلا نسلم أن الاختلاف فيه منهي عنه.
ويؤكده أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل كثيرة من المسائل الفرعية وكذا التابعون ومن بعدهم هلم جرًا إلى زماننا هذا ولم ينكر أحد من الأمة عليهم، فلو كان ذلك منهيًا عنه لكانوا مجمعين على الباطل وهو ممتنع فالملزوم مثله، وكذا المراد منه التنازع والاختلاف الصادر من غير أهل لذلك الاختلاف، وكذا الاختلاف والتنازع الصادر عن عصبية وتقليد وعناد، وهذا وإن كان تقييدًا للمطلق، أو تخصيصًا للعام لكنه يجب المصير إليه جمعًا بين الدليلين.
سلمناه لكنه منقوض بالعمل بالأدلة العقلية والنصوص التي ليست قاطعة المتن والدلالة معًا مع أن الخصم يجوز التمسك بها.
وعن الثاني: أنا لو سلمنا الحكم فيه فإنه لا يدل على عدم التعبد بالقياس في أحكام الله تعالى بل إنما يدل على عدم التعبد به في تصرفات العبيد ونحن ما ادعينا ذلك، وليس هو لازم لثبوت القياس في أحكامه تعالى لا قطعًا، ولا ظاهرًا؛ لأنه لو صرح بذلك لم يلزم منه مخالفة ظاهر وإلا لزم التعارض
بينه وبين التصريح وأنه خلاف الأصل، وإن أريد إثباته في أحكامه تعالى بالقياس عليه فذلك إبطال للقياس بالقياس وهو باطل، وإن كان بطريق آخر فاذكروه لينظر فيه.
سلمنا سلامته عن هذا الطعن لكن الفرق بين أحكام الله تعالى وبين أحكام العبيد حاصل.
وبيانه: من حيث الإجمال والتفصيل:
أما الأول: فلأنه لو نص الله تعالى على الحكم وقال: قيسوا عليه فإنه لا نزاع في جواز القياس عليه بخلاف العبد على ما سلمنا لكم ذلك، والاختلاف في الحكم دليل على الاختلاف/ (147/أ) في الحكمة.
وأما الثاني فمن وجهين:
أحدهما: أن حقوق العباد مبنية على الشح والضنة لكثرة حاجاتهم وسرعة رجوعهم عن دواعيهم وصوارفهم، بخلاف أحكام الله تعالى فإنها على الضد من ذلك فلا يلزم من عدم جريان القياس في أحكام العبيد وتصرفاتهم عدم جريانه في أحكامه تعالى.
وثانيهما: أن الشارع إنما جعل القياس متعبدًا به لكون الوقائع لا نهاية لها توجد شيئًا فشيئًا والتنصيص على الكل متعذر، وكذا مراجعة الشارع فيما يقع منها في كل زمان، والتكليف بمقتضى البراءة الأصلية يقتضى نفي الابتلاء الذي هو مقصود الشارع من الشريعة في أكثر الأحكام وهذه المعاني بأسرها منتفية في أحكام العبيد وتصرفاتهم فلا يلزم من وقوع التعبد بالقياس في أحكامه تعالى وقوعه في تصرفات العبيد.