الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
ذهب الجماهير إلى أن الخبر لا يخلو عن كونه صدقا، أو كذبا
؛ لأنه إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، أو لا، الأول صدق، والثاني كذب والعلم باستحالة حصول الواسطة بين الصدق والكذب بهذا التفسير ضروري.
وقال الجاحظ: قد يخلو عنهما.
والحق أن الخلاف في المسألة لفظي؛ لأنه إن عنى بالخبر الصدق، ما كان مطابقا للمخبر عنه - كيف ما كان - وبالكذب، ما لا يكون مطابقا - كيف ما كان - فالعلم باستحالة حصول الواسطة بينهما ضروري.
وإن عنى بهما: ما يكون مطابق وغير مطابق لكن مع العلم بها، فإمكان حصول الواسطة بينهما معلوم أيضا بالضروري وهو ما لا يكون معلوما مطابقته وعدم مطابقته، فثبت أن الخلاف لفظي فعلى هذا الاحتجاج في المسألة بالحجج اللفظية:
احتج الجماهير: بأن الأمة مجمعة على تكذيب اليهود والنصارى وسائر الملل الباطلة، فما يخبرونه عن مذاهبهم الباطلة، مع قطعهم بأن فيهم من لا يعلم بطلانه بل هم الأكثر، فلو كان الكذب هو الخبر الغير المطابق مع العلم بأنه غير مطابق لما كان ذلك الإجماع صحيحا.
فإن قلت: لا نسلم انعقاد الإجماع على تكذيبهم على وجه الحقيقة بل على وجه التجوز.
ووجه التجوز هو: أنه لما كانت أدلة الإسلام وما يتبعه من الحق قوية جلية في غاية الجلاء كان حالهم في الإخبار عن ضد مدلولاتها شبيها بحال من أخبر عن الشيء مع العلم بفساده.
قلت: ما ذكرتم وإن كان محتملا لكن الأصل في الإطلاق الحقيقة سواء كان الإطلاق من أهل الإجماع أو من غيره، فلما أجمعوا على تكذيبهم مع عدم علمهم به دل ظاهرا على أن الكذب هو الخبر الغير المطابق سواء كان مع العلم به أولا مع العلم به.
واحتج الجاحظ بالنص والمعقول:
أما النص فآيتان - أحدهما: قوله تعالى: حكاية عن الكفار: {أفترى على الله "كذبا" أم به جنة} .
ووجه الاستدلال به: [هو أنهم] جعلوا إخباره عن نبوته إما كذبا، وإما جنونا، وإخباره عن نبوته حالة الجنون ليس كذبا؛ لأنه جعل قسيما للكذب، فقسيم الكذب لا يكون كذبا، وليس هو صدقا أيضا، لأنهم لم يعتقدوا مطابقته على التقديرين، فإخباره عن نبوته عليه السلام حالة
الجنون ليس بكذب ولا صدق وهو المطلوب.
وجوابه: أن ما جعل في مقابلة الكذب يقتضي أن لا يكون كذبا، وذلك قد يكون بانتفاء أصل الخبرية مع بقاء صورة الخبرية، وقد يكون بانتفاء الكذبية مع بقاء أصل الخبرية، لأن المجموع المركب من أمرين ينتفي بانتفاء كل واحد من أجزائه، وبانتفاء أحد أجزائه، واستدلالكم إنما يتم أن لو كان الإخبار حالة الجنون ليس بكذب مع بقاء أصل الخبرية، فأما إذا لم يكن كذبا لانتفاء أصل الخبرية فلا، فلم قلتم: أن الأمر هنا ليس كذلك؟ فإن عندنا يعتبر ذلك في التحديد، ومعلوم أن الإخبار حالة الجنون لا يوجد فيه القصد المعتبر فلا يكون كذبا، لانتفاء أصل الخبرية، فلا يكون في الآية دلالة على أن الخبر قد ينفك عن كونه صدقا وكذبا، فإن ذلك مشروط ببقاء أصل الخبرية وهو فيما ذكروه ممنوع.
وثانيهما: قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} .
ووجه الاستدلال به هو: أنه تعالى كذبهم من أن خبرهم كان مطابقا للمخبر عنه فلو كان الخبر الصدق عبارة عن الخبر المطابق للمخبر عنه كيف كان لما حسن تكذيبهم، ضرورة أنهم صادقون فيه، أما إذا جعل الصدق عبارة عن الخبر المطابق مع اعتقاد أنه مطابق حسن تكذيبهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون مطابقة بل كانوا يعتقدون عدم مطابقته.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يحسن تكذيبهم حينئذ، ولا سلم أنهم صادقون فيه، وهذا لأن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، أو مع العلم به، أو مع الظن به إن كان المشهود به مما يدخله الظن ويعتبر هو فيه، ولما لم يكن العلم بكونه رسولا حاصلا لهم لا جرم كذبهم الله تعالى فيما أخبروا عن أنفسهم بقوله:{نشهد إنك لرسول الله} فهو إذن خبر غير مطابق للمخبر عنه إذ المخبر عنه لهذا الخبر ليس هو نفس كونه رسولا حتى يلزم صدقه لكونه مطابقا، بل حصول العلم بكونه رسولا، ولما لم يكن هذا حاصلا لهم لا جرم كذبهم الله تعالى.
سلمنا عدم حسن تكذيبهم حينئذ، لكن لا نسلم أنه يحسن تكذيبهم على رأيكم أيضا بل الإشكال وارد على المذهبين؛ وهذا لأنكم إن جعلتم الخبر الصدق بارة عن الخبر المطابق للمخبر عنه مع اعتقاد أنه كذلك، لكن ما جعلتم الكذب عبارة عما لا يكون كذلك حتى لا يلزم من انتفاء ذلك المجموع الكذب، بل جعلتم الكذب عبارة عن الخبر الغير المطابق مع اعتقاد أنه غير مطابق، وهو غير حاصل فيما نحن فيه؛ ضرورة أنه مطابق إذ لا يشترط في الشهادة على هذا التقدير ما ذكرناه وإلا لحسن تكذيبهم / (53/أ)، وحينئذ يلزم أن لا يحسن تكذيبهم أيضا فما هو جوابكم عن هذا الطرف فهو جوابنا عن طرف الصدق.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أن من أخبر عن الشيء بناء على غلبة ظنه به، ثم تبين خلافه لم يقل أحد أنه كذب في ذلك الخبر ولذلك لا يأثم به، ولا يستحق الذم على ذلك.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لم يقل أحد أنه كذب، بل يقال: إنه كذب لكنه
يعذر في كذبه، وعدم التأثيم.
وعدم استحقاق الذم على ذلك لا يدل على عدم كذبه، لأن الإثم والذم ليسا على مجرد الكذب بل على الكذب بشرط القصد، ولما لم يحصل الكذب في تلك الصورة لا جرم لم يستحق الإثم والذم.
ومنه يعرف الجواب أيضا عما يقال: إن من أخبر بأن زيدا في الدار مع اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولذلك لا يستحق المدح والثواب على ذلك، فإنما نمنع الأول، ونسلم الثاني لكن لما سبق لا لأنه ليس بصدق.
وثانيها: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة، فلو كان الكذب عبارة عن الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه لزم تطرق الكذب إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله وهو ممتنع وفاقا.
وجوابه: أنه إنما يلزم ما ذكرتم لو أريد منه مدلولاته الحقيقية فأما إذا لم يرد منه تلك المدلولات بل أريد منه المدلولات المجازية لم يلزم ذلك؛ ضرورة أنه مطابق بهذا المعنى، وإرادة المعنى المجازي من اللفظ ليس بكذب.
وثالثها: أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل فكما أن بين العلم والجهل واسطة وهو اعتقاد المقلد وجب أن يكون بين الصدق والكذب واسطة وهو ما ليس عن اعتقاد.
وجوابه: أنا لا نسلم أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل، وسنده ظاهر لا يخفى عليك.
سلمناه، لكن لا نزاع في أن الخبر الصادر لا عن اعتقاد مطابقا كان أو غير مطابق، واسطة بين الخير الصادر عن اعتقاد أنه مطابق للمخبر عنه مع أنه كذلك [وبين الخبر الصادر عن اعتقاد أنه غير مطابق المخبر عنه مع أنه كذلك]، كما أن الاعتقاد الجازم المطابق لا لموجب واسطة بين الاعتقاد المطابق الجازم لموجب، وبين الاعتقاد الجازم الغير المطابق فلا حاجة إلى إثباته بالقياس على ما ذكرتم لو أمكن إثباته به، وإنما النزاع في أن الصدق والكذب في الخبر هل هما بهذين المعنيين حتى يلزم حصول الواسطة بينهما، أو هما لمجرد المطابقة واللا مطابقة مع عدم اعتبار الاعتقاد حتى يلزم أن لا يكون بينهما واسطة؟ ومعلوم أن ذلك لا يمكن إثباته بالقياس على ما ذكرتم، فإن حاصله يرجع إلى أنه لما وضع العلم والجهل لمعنيين بحيث حصل الواسطة بينهما وجب أن يكون الأمر في الصدق والكذب كذلك.
خاتمة: اعلم أن الخبر ينقسم إلى ما يقطع بصدقه، وإلى ما يقطع بكذبه، وإلى ما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه - فلا جرم رتبنا الكلام في هذا النوع على ثلاثة فصول.