الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة
المسكوت عنه قد يكون أولى بالحكم من المنصوص عليه
.
أما في جانب النفي فكما في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فإن ضربهما الذي هو مسكوت عنه أولى بالتحريم من أف الذي هو منصوص عليه.
وأما في جانب الإثبات فكقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} فهذه تفيد تأدية ما دون الدينار بالطريق الأولى.
وقد يكون مثله فيه من غير تفاوت ألبتة كما في قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} فإن العبيد في معناها.
وكما في قوله- عليه السلام: (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه) فإن الأمة في معناه في هذا الحكم.
وكما في قوله عليه السلام: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق/ (150/ أ) بمتاعه) فإن المرأة في معناه.
وكما في قوله- عليه السلام: (من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فإن الأمة المبيعة في معناه.
وله نظائر أخر، وهذا النوع يسمى بالقياس في معنى الأصل وكل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى قطعي، وإلى ظني أي: ما يعرف قطعًا أنه أولى بالحكم أو مثله، أو يعرف ذلك ظنًا.
فالقطعي من النوع [الأول] هو نحو ما ذكرناه.
وأما الظني منه فنحو ما روى عن الشافعي- رضي الله عنه أنه قال: "إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد بالطريق الأولى لكونه أولى بالمؤاخذة والزجر".
ونحو ما يقال: أنه إذا وجبت الكفارة في غير يمين الغموس مع أنه اثمه أقل فلأن تجب في يمين الغموس بالطريق الأولى، وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة، وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن
الوثني أولى؛ لأنه كافر مع زيادة جهل، وهذا النوع ظني غير قطعي؛ لأنه لا يبعد أن يقال: إن الكفارة تجب في قتل الخطأ تكفيرًا لما صدر من الخاطئ من التقصير وعدم التحفظ والاحتراز، فلا شك في أنه أقل محذورًا من قتل العمد والعدوان، ولا يلزم من كون الشيء رافعًا لأقل المحذووين أن يكون رافعًا لأكثرهما، ونحو هذا الاحتمال بعينه آت في يمين غير الغموس مع يمين الغموس.
وكذا لا يبعد أن يقال: إنما ردت شهادة الفاسق؛ لأن إقدامه على الفسق مع اعتقاد تحريمه يدل على جرأته على المعاصي والكذب فلا تحصل الثقة بقوله بخلاف الكافر فإنه لم يقدم عليه مع علمه بتحريمه بل يعتقد حقيته، فلا يبطل ذلك الثقة بقوله وكيف يبطل ذلك وكفره يمنعه من الكذب؛ إذ الكلام في الكافر الذي يعتقد تحريم الكذب في كفره.
وكذا لا يبعد أن يقال: إن كفر أهل الكتاب أخف من كفر الوثني، وأخذ الجزية نوع احترام وتخفيف، فلا يلزم من جواز أخذها على الكفر الأخف جواز أخذها على الكفر الأغلظ، ومع هذه الاحتمالات القريبة لا يحصل الجزم به، بل قد تحصل غلبة الظن به لبعض المجتهدين؛ ولهذا كان مختلفًا فيه بين العلماء المعتبرين بخلاف القسم الأول فإنه غير مختلف فيه بينهم.
والقطعي من النوع الثاني هو مثل ما ذكرناه.
وأما الظني منه فنحو ما يقال: إنه إذا وجب الحد في الزنا فاللواطة مثله؛ إذ هو أيضًا إيلاج فرج مشتهى طبعًا محرم قطعًا. وإذ حرم الخمر فالنبيذ مثله؛ إذ هو أيضًا مسكر ففي بادئ النظر تظهر المماثلة بينهما، إذ الوصف
المناسب الظاهر مشترك بينهما، لكن لا يبعد أن يقال: إن الميل إلى الزنا لما كان عامًا من الجانبين كان احتياجه إلى الزاجر أكثر من اللواطة الذي ليس كذلك.
ولما كان قليل الخمر يدعو إلى كثيرها الذي هو مكسب المفسدة كانت الحاجة إلى تحريم عينها أكثر من النبيذ الذي ليس كذلك، فمع هذا الفارق لا يمكن القطع بالإلحاق لكن يحصل الظن الغالب بالمماثلة في الحكم لبعض المجتهدين بناء على ما ذكرنا من الوصف الجامع.
وقد يكون المسكوت عنه دون المنصوص في ثبوت الحكم فيه كإلحاق التفاح بالأشياء الستة في تحريم الربا، أو إلحاق الجص أو النورة بها فيه.
واتفق الأصوليون على أنه لا مستند لثبوت الحكم في المسكوت عنه في هذا النوع الأخير إلا القياس.
وأما في النوعين الأولين فقد اختلفوا فيه:
فذهب أكثر أصحابنا إلى أن الحكم في المسكوت عنه ثابت في النوع الأول بالدلالة اللفظية.
وذهب الباقون إلى أنه ثابت بالقياس.
وأما في النوع الثاني فذهب أصحابنا إلى أن الحكم ثابت فيه بالقياس،
وذهب الحنفية إلى أنه غير ثابت بل بالاستدلال أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار؛ ولهذا أوجبوا على المفطر في نهار رمضان بالأكل أو الشرب الكفارة اعتبارًا بالجامع، ولكن لا بطريق القياس عليه؛ إذ القياس عندهم غير جار في الكفارات والحدود، ولكن بطريق الاستدلال.
واحتج من قال: بأن الحكم في النوع الأول ثابت بالدلالة اللفظية دون القياس بوجوه:
أحدها: أن العارف باللسان إذا سمع أمثال هذه الصيغ فإنه يتبادر إلى فهمه ثبوت الحكم في محل المسكوت كما هو في محل النطق بل بالطريق الأولى، وذلك يدل على أنها حقيقة في المجموع معًا إما بحسب الوضع الأصلي أو النقل العرفي وأيما كان يحصل المقصود.
وثانيها: أن العرب وضعت هذه الصيغ لتأكيد الحكم في محل السكوت، بدليل أنهم يفزعون إليها عندما أرادوا التعبير عنه، ألا ترى أنهم إذا أرادوا التعبير على وجه المبالغة عن كون أحد الفرسين سابقًا على الآخر قالوا:"إن هذا/ (151/ أ) الفرس لا يلحق غبار ذلك الفرس، وإذا أرادوا التعبير عن كون الرجل فقيرًا لا شيء له قالوا: لا سبد له ولا لبدا، وقالوا: "لا يملك النقير والقطمير" أو ما يجري مجراهما، ولو كانت تلك الصيغ غير
موضوعة لذلك في لغتهم لما فزعوا إليها.
وأجيب عنهما: بأن ذلك من حيث المعنى والقصد دون اللفظ وستعرف سنده.
وثالثها: أنه لو كان ذلك مستفادًا من القياس لوجب أن لا يقول بذلك من لم يقل بصحة القياس، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مستفاد من القياس، وإذا لم يكن مستفادًا من القياس تعين أن يكون مستفادًا من اللفظ لئلا يلزم قول ثالث خلاف الإجماع.
وأجيب عنه: بأن الخلاف في القياس الظني لا يقدح في القياس اليقيني والقياس فيما نحن فيه يقيني، ولو فرض الكلام في القسم الظني منه فنحن نمنع حصول الاتفاق فيه.
ورابعها: وهو ما عول عليه بعضهم، وهو: أنه لا يشترط في القياس أن تكون العلة أشد مناسبة للحكم في الفرع من مناسبتها له في الأصل [و] ما يتخيل علة في هذا النوع من الاستدلال يشترط فيه ذلك فلا يكون قياسًا.
وهو أيضًا ضعيف؛ لجواز أن يكون قياسًا خاصًا، ولا يلزم من عدم اشتراط الشيء في مطلق القياس عدم اشتراطه في القياس الخاص.
وخامسها: أن الفرع في القياس غير مشتمل على الأصل، ولا هو جزء منه ألبتة إجماعًا، وما يتخيل فرعًا من هذا النوع من الاستدلال فإنه قد يكون مشتملًا على ما يتخيل فيه أصلًا وهو جزء منه، وذلك في نحو قوله
تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره} فإنه يدل بالطريق الأولى على رؤية ما عمل من الخير ما هو أكبر من مثقال ذرة وهو فرع في هذه الصورة، ومثقال ذرة الذي هو الأصل جزء منه، وهو مشتمل عليه، وكذا في قولهم:"فلان لا يملك حبة" فإنه يفيد أنه لا يملك ما زاد على الحبة، وهو مشتمل على الحبة والحبة جزء منه فلا يكون هذا النوع قياسًا.
وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه إن ادعى في المقدمة الأولى كلية منعناها، وهذا فإن هذه الصورة من جملة صور القياس عند الخصم وقد وجد فيها ما ذكر من الوصف وإن ادعاهما جزئية أو مهملة فلا يفيد، سلمناها كلية لكن الخصم قد يسلم أن اللفظ يدل عليه في مثل هذه الصور بواسطة الفحوى فلم قلتم أن الأمر كذلك فيما ليس هو مثله؟ ودعوى الإجماع على عدم التفصيل ممنوع.
وسادسها: أنه يلزم أن لا يعلم العاقل ثبوت الحكم في المسكوت عنه لو منع من القياس الشرعي.
وأجيب أنه إن علم الغرض وما هو المقصود من الكلام كان القياس فيه حينئذ يقينيًا فلم يؤثر المنع من الظني فيه، وإن لم يعلم ذلك فإنه يلزم صحة أن لا يعلم ذلك حينئذ بل عند عدم ورود التعبد بالقياس أيضًا.
وسابعها: أنا أجمعنا أن قولهم: "فلان مؤتمن على القنطار" يفيد في العرف أنه مؤتمن مطلقًا. "وفلان لا يملك حبة" يفيد فيه أن لا يملك شيئًا ألبتة وإنما حكم بذلك فيهما لتبادر الفهم إليه عند سماع اللفظ وهذا المعنى حاصل في أمثالهما، فوجب أن يحكم بذلك في الكل.
وأجيب بمنع ما ذكروه من الإفادة؛ وهذا لأنه إنما يفيد أنه مؤتمن فيما دون القنطار لكونه موجودا في القنطار فتكون دلالته عليه بالتضمن، فأما فيما فوقه فلا نسلم ذلك فيه.
وكذا قولهم: "لا يملك حبة" يفيد أنه لا يملك ما زاد عليها لكونها موجودة فيما زاد عليها فأما فيما دونها فلا نسلم أنه يفيد نفي ما ملكه عنه.
سلمناه لكن النقل العرفي خلاف الأصل فيقتصر في محل الضرورة ولا ضرورة في أمثالهما فلا يجوز الحكم بذلك فيها.
واحتج الباقون بوجوه:
أحدها: لو كانت دلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب من جهة اللفظ لوجب أن لا يفتقر في معرفة ذلك إلى معرفة ما هو المقصود من الكلام، وما لأجله سيق إليه من تعظيم الأبوين، وكف أنواع الأذى عنهم كما في سائر الدلالة اللفظية، ولما لم يكن كذلك بل يحكم بتحريمه إجماعًا إلا بعد معرفة ذلك علمنا أنه غير مستفاد من جهة اللفظ.
وثانيها: أنه لو كانت دلالته لفظية لما حسن من الملك أن ينهي الجلاد وعبيده وخدمه عن التأفيف وصفع والده الذي نازعه في الملك ويأمرهم بقتله [كما] لا يحسن منه أن يأمرهم بقتله ثم ينهاهم عنه، ولما حسن ذلك باتفاق العقلاء علمنا أنه لا يدل عليه من جهة اللفظ.
وثالثها: أنه لو كانت دلالته عليه لفظية فإما أن يدل عليه بحسب الوضع اللغوي، وهو باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن التأفيف غير موضوع بالضرب، ولا لمفهوم يكون الضرب جزءًا منه فلم يكن المنع منه منعًا عن الضرب بحسب الوضع اللغوي، أو بحسب الوضع العرفي/ (152/ أ) وهو أيضًا باطل؛ لأن النقل العرفي خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند قيام الدلالة عليه والأصل
عدمها.
واعلم أنه إن أريد بدلالته اللفظية: أن اللفظ يدل عليه بطريق المطابقة، أو بطريق التضمن فهذا باطل لما سبق من الوجوه.
وإن أريد بها: أن اللفظ يدل عليه بواسطة الفحوى فهذا حق والوجوه المذكورة غير قادحة فيه.
أما الأول فلاحتمال أن يقال: إن معرفة مقصود الكلام وما لأجله سيق شرط تحقق دلالة الفحوى وبه يعرف اندفاع الوجه الثاني أيضًا.
وأما الثالث فإنه لا دلالة فيه ألبته على إبطال هذا الاحتمال بل على إبطال دلالة المطابقة والتضمن لا غير.
وعند هذا يعرف أن الدلالة اللفظية بهذا التفسير لا ينافي كونه قياسًا بمعنى إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لعله جامعة بينهما نعم ليس هو من الأقيسة المألوفة بين الفقهاء التي تحتاج إلى فكر واستنباط على ولا يفيد إلا الظن؛ إذ العلة فيه جلية متبادرة إلى الفهم لا تحتاج إلى الاستنباط وهي مفيدة للقطع.
وأما النوع الثاني، فدليل أصحابنا القائلين بكونه قياسًا ظاهرًا، وأما الذين سموه بالاستدلال فزعموا أن القياس في اللغة هو التسوية مطلقًا، وفي الشرع تسوية مخصوصة على ما تقدم بيانه وهي إنما تعقل بين الشيئين فما جمع بين الشيئين بجامع يكون قياسًا، وأما الذي يتعرض فيه لنفي فارق ونفي المباينة فهو شيء واحد فلا يعقل ذلك فيه بل هو استدلال من حيث إنه استدلال على تحرير مناط الحكم.
وهو ضعيف؛ لأنه إن نظر إلى العلة فهي واحدة في الصورتين أعنى الصورة التي ذكر الجامع فيها، والتي تعرض فيها لنفي الفارق. وإن نظر إلى ما فيه العلة فهما صورتان مختلفتان؛ إذ صورة الإفطار بالجماع غير صورة الإفطار بالأكل والشراب قطعًا؛ غاية ما في الباب إنه يظن اتحاد العلة في الصورة الأولى بالمناسبة أو بغيرها من الطرق من غير تعرض لنفي ما عداها فيحصل الجمع بين الصورتين بالقصد الأول، وفي الثانية تعلم العلة لنفي ما عداها من درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني، وذلك لا يخرجه كونه قياسًا. وبالجملة النزاع في المسألتين آيل إلى اللفظ إذ لا يترتب على هذا الاختلاف فائدة معنوية.
الباب الثاني
في الركن الأول من أركان القياس وهو الأصل