الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى
يشترط أن يكون الراوي مكلفا
، فلا تقبل رواية المجنون والصبي مراهقا كان أو لم يكن، مميزا كان أو لم يكن.
أما المجنون والصبي الذي لا يميز [فلعدم الضبط وعدم التمكن] من الاحتراز عن الخلل.
وأما المميز المراهق وإن كان بينه وبين البلوغ زمان يسير، فلوجوه:
أحدها: أن رواية الفاسق لا تقبل مع أنه يخاف أن يلحقه العقاب على الكذب؛ لكونه مكلفا بتركه، فرواية الصبي أولى أن لا تقبل مع أنه لا يخاف ذلك لعدم كونه مكلفا به.
وثانيها: أنه لا يقبل قوله على نفسه لمعنى في نفسه، لا لحق الغير ولا لصيانة ما له، فأولى أن لا يقبل قوله على غيره كالمجنون.
واحترزنا عما ذكرنا من القيد عن المحجور عليه لفلس، أو رق، أو سفه.
وثالثها: أنه لا تحصل الثقة بقوله، فلا يجوز العمل به، كما في الأمور الدنيوية.
ورابعها: أنه يعلم أنه غير ممنوع من الكذب فلا يحترز عنه؛ لعدم الزاجر والمانع عنه في حقه دنيا ودينا فلا يقبل.
وإنما يقبل إخباره عن كونه متطهرا حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة، إما لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام. وإما لأنه يتعذر أو يتعسر معرفة ذلك من غيره، فلا يعرف إلا من جهته فيقبل للضرورة.
وإما لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الإخبار عن طهارة نفسه وما يترتب عليه من الاقتداء به في الصلاة؛ لكون الرواية تثبت شرعا عاما على المكلفين بأسرهم، ولهذا يصح الاقتداء بالفاسق والمتعود بالكذب عند ظن الطهارة، ولا تقبل روايتهما وإن ظن صدقهما.
وإما لأن منصب الرواية أعلى من منصب الإمامة فيحتاط فيه ما لا يحتاط في الإمامة.
فإن قلت: هب أن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام لكن ظن كونه متطهرا شرط لصحة الاقتداء به، فلو لم يكن قوله مفيدا للظن لما صح الاقتداء به.
قلت: نمنع أولا شرطية ذلك على التعيين، بل الشرط أحد الأمرين: إما تحقق الطهارة، أو ظنها، بدليل أنه لو ظن أنه غير متطهر فاقتدى به ثم تبين
أنه كان متطهرًا، فإنه ينبغي أن يصح الاقتداء به على رأي، كما لو ظن أنه خنثى فاقتدى به، ثم تبين أنه كان رجلا [فإنه يصح الاقتداء] على رأي فلو كان ذلك شرطا على التعيين لما صح.
سلمناه لكن الظن المعتبر فيه دون الظن المعتبر في الرواية، فلا يلزم من قبول قوله في الظن الضعيف قبول قوله في الظن القوي.
فإن قلت: أليس إن بعض العلماء كمالك رضي الله عنه يقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجنايات التي تجري بينهم، مع أن الشهادة يعتبر فيها ما لا يعتبر في الرواية كالحرية، والذكورة، والعدد فكان قبول روايتهم على رأيهم أولى؟
قلت: من قبل ذلك فإنما قبل لمسيس الحاجة والضرورة، لأن الجنايات تكثر فيما بينهم، والحاجة ماسة إلى معرفتها، وإشهاد من يقبل قوله مطلقا متعذر أو متعسر، لعدم حضورهم فيما بينهم في الغالب، فدعت الحاجة إلى القبول، لا لأن قولهم مفيد للظن ومعتبر على الإطلاق؛ ولهذا لم يعتبر قولهم على غيرهم.
واعتبر أيضا في الجناية التي تجري بينهم لا في كل شيء وأن يكون ذلك قبل تفرقهم، ولو كان ذلك لأن قولهم مفيد للظن ومعتبر على الإطلاق لم يكن مقيدا بما ذكرنا من الأمور كغيرهم.