الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْآتِيَةِ وَقِيلَ عَدُّهَا مَعَ الْبُكَاءِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمُوعِهِ كَأَنْ يُقَالَ وَاكَهْفَاه وَاجَبَلَاه وَاسَنَدَاه وَاكَرِيمَاه (حَرَامٌ) لِمَا سَيَأْتِي وَلِلْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ قَالَ فِيهِ وَجَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ مَا يُشْبِهُ النَّدْبَ وَلَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ «لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ وَا أَبَتَاهُ فَقَالَ لَيْسَ عَلَى أَبِيك كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ يَا أَبَتَاهُ إلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ» (وَكَذَا) يَحْرُمُ (النُّوحُ)، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْكَلَامِ الْمُسَجَّعِ وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ بِدَلِيلِهَا فِي جُمَلِ الْجَنَائِزِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ (وَ) يَحْرُمُ (ضَرْبُ الْخَدِّ وَنَشْرُ الشَّعْرِ) وَنَحْوِهِمَا كَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَإِلْقَاءِ الرَّمَادِ عَلَى الرَّأْسِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِإِفْرَاطٍ فِي الْبُكَاءِ لِمَا مَرَّ ثُمَّ وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (وَلَا يُعَذَّبُ بِهِ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (مَيِّتٌ لَمْ يُوصِ بِهِ) قَالَ تَعَالَى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ
إذَا مِتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ
…
وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدٍ
وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْجُمْهُورُ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا نِيحَ عَلَيْهِ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ ذَنْبُ الْمَيِّتِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَلَا يَخْتَلِفُ عَذَابُهُ بِامْتِثَالِهِمْ وَعَدَمِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذَّنْبَ عَلَى السَّبَبِ يَعْظُمُ بِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ وَشَاهِدُهُ خَبَرُ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَعْذِيبِهِ بِمَا يَبْكُونَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ جَرَائِمِهِ كَالْقَتْلِ وَشَنِّ الْغَارَاتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّتِ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا فَخْرًا وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ الْعَفْوَ عَنْهُ إنْ لَمْ يَبْكُوا عَلَيْهِ فَإِنْ بَكَوْا وَنَدَبُوا عُذِّبَ بِذَنْبِهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ
(بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ)
الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَصَالَةً جَحْدًا أَوْ غَيْرَهُ وَقَدَّمَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَنَائِزِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَعَلَّهُ أَلْيَقُ (فَالْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا) ، وَإِنْ أَتَى بِهَا (مُرْتَدٌّ) لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِتَرْكِهَا جَحْدًا (إلَّا جَاهِلٌ) نَفَى ذَلِكَ (لِقُرْبِ عَهْدٍ) بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ مُرْتَدًّا بَلْ يَعْرِفُ الْوُجُوبَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ صَارَ مُرْتَدًّا وَالْجُحُودُ إنْكَارُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُنْكِرُ فَخَرَجَ بِهِ الْجَاهِلُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوُهُ كَنَشْئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ قَاصِرٌ عَنْ تَمَامِ الْغَرَضِ وَجَاهِلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلٌ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ لَا جَاهِلٌ، وَهِيَ أَحْسَنُ (وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) فِي بَابِهِ (وَمَنْ تَرَكَهَا غَيْرَ جَاحِدٍ بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً أَوْ جُمُعَةً وَلَوْ قَالَ) فِي الْجُمُعَةِ (أُصَلِّيهَا ظُهْرًا أَوْ) تَرَكَ (وُضُوءً لَهَا) أَيْ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا) لَا كُفْرًا.
قَالُوا أَمَّا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فَلَوْ كَفَرَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جَحْدًا أَوْ عَلَى التَّغْلِيظِ أَوْ الْمُرَادُ بَيْنَ مَا يُوجِبُهُ الْكُفْرُ مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ؛ فَلِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قُتِلَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا لَتَرَكَهَا بِلَا قَضَاءٍ إذْ الظُّهْرُ لَيْسَ قَضَاءً عَنْهَا، وَيُقَاسُ بِالْوُضُوءِ الْأَرْكَانُ وَسَائِرُ الشُّرُوطِ وَصَرَّحَ فِي الْبَيَانِ بِبَعْضِهَا فَقَالَ لَوْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى السُّتْرَةِ أَوْ الْفَرِيضَةِ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ.
وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْ فِيهِ خِلَافٌ رَوَاهُ خِلَافَ الْقَوِيِّ فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ لَوْ تَرَكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مَسَّ شَافِعِيٌّ الذَّكَرَ أَوْ لَمَسَ الْمَرْأَةَ أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ (إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) فِيمَا لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ يَجْمَعَ مَعَ
ــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقِيلَ عَدَّهَا مَعَ الْبُكَاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ «قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ» ) أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهُ (قَوْلُهُ كَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ إلَخْ) وَكَذَا تَغْيِيرُ الزِّيِّ وَلَيْسَ غَيْرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ الْإِمَامُ: وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ إظْهَارَ جَزَعٍ يُنَافِي الِانْقِيَادَ وَالِاسْتِسْلَامَ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُحَرَّمٌ انْتَهَى (قَوْلُهُ مِنْ ضَرْبِ الْخُدُودِ) خَصَّ الْخَدَّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَضَرْبُ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَعْذِيبِهِ إلَخْ) وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
[بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ)(قَوْلُهُ فَالْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا مُرْتَدٌّ) ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَ أَصْلًا مَقْطُوعًا بِهِ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ فَتَضَمَّنَ جَحْدُهُ تَكْذِيبَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (قَوْلُهُ وَمَنْ تَرَكَ غَيْرَ جَاحِدٍ إلَخْ) لَا يُقَرُّ مُسْلِمٌ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا اشْتَبَهَ صَغِيرُ مُسْلِمٍ بِصَغِيرِ كَافِرٍ ثُمَّ بَلَغَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا وَلَا قَافَةَ وَلَا انْتِسَابَ وَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ شَهْرًا فَأَكْثَرَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةُ إذَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ الضَّعِيفُ ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ (قَوْلُهُ أَوْ جُمُعَةً إلَخْ)، وَهُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ فِعْلُهَا إجْمَاعًا قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ أَفْتَى الشَّارِحُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا حَيْثُ أُمِرَ بِهَا وَامْتَنَعَ مِنْهَا أَوْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا حَيْثُ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ إلَخْ) وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»
الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ أَصَرَّ وَأَخْرَجَ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا مَحْمُولٌ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْقَتْلِ بِقَرِينَةِ كَلَامِهَا بَعْدُ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ كَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَلِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ وَالْخَبَرُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَتْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِتَرَك الْقَضَاءِ مُطْلَقًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ (بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْمُرْتَدِّ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّ اسْتِتَابَتَهُ وَاجِبَةٌ كَالْمُرْتَدِّ لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ نَدْبَهَا وَعَلَيْهِ فَرَّقَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُخَلِّدُ فِي النَّارِ فَوَجَبَ إنْقَاذُهُ مِنْهَا بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ تَكْفِي اسْتِتَابَتُهُ (فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا يُفَوِّتُ صَلَوَاتٍ وَقِيلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْقَوْلَانِ فِي النَّدْبِ وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (ثُمَّ) بَعْدَ قَتْلِهِ (لَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ) فَيُجَهَّزُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ وَلَوْ قَتَلَهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا إنْسَانٌ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ جُنَّ أَوْ سَكِرَ قَبْلَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ يُقْتَلْ فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ الْقَوَدُ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمُرْتَدِّ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ لِقِيَامِ الْكُفْرِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ فِي جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَعَائِدٌ بِالتَّرْكِ اهـ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ وَاجِبَةٌ أَمَّا تَارِكُ الْمَنْذُورَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ (فَرْعٌ) إذَا (قَالَ) حِينَ إرَادَةِ قَتْلِهِ (صَلَّيْت فِي بَيْتِي أَوْ تَرَكْتهَا بِعُذْرٍ إمَّا صَحِيحٍ) فِي الْوَاقِعِ (كَنِسْيَانٍ) وَنَوْمٍ وَإِغْمَاءٍ (أَوْ بَاطِلٍ كَكَانَ) أَيْ كَقَوْلِهِ كَانَ (عَلَى نَجَاسَةٍ) أَوْ تَرَكَهَا لِلْبَرْدِ أَوْ عَدَمِ الْمَاءِ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ تَرَكْتهَا نَاسِيًا أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ عَلَيَّ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْأَعْذَارِ صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ بَاطِلَةً (يُعْذَرُ) بِذَلِكَ (وَلَا نَقْتُلهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقُ) مِنْهُ (تَعَمُّدُ تَأْخِيرِهَا) عَنْ الْوَقْتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ نَأْمُرَهُ بِهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْعُذْرِ) وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ فِيمَا يَظْهَرُ بِأَنْ نَقُولَ لَهُ صَلِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِذَلِكَ (وَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ وَلَا أُصَلِّيهَا) بِأَنْ قَالَ ذَلِكَ أَوْ سَكَتَ لِتَحْقِيقِ جِنَايَتِهِ بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ (وَمَنْ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ أَوْ نَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا) بَلْ يَجُوزُ لَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرَاخِي «؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْضِ صَلَاةَ الصُّبْحِ الَّتِي فَاتَتْهُ بِالنَّوْمِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الْوَادِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (أَوْ بِلَا عُذْرٍ وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا) لِتَقْصِيرِهِ (لَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِفَائِتَةٍ)
ــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا إلَخْ) الْوَقْتُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقْتَانِ أَحَدُهُمَا وَقْتُ أَمْرٍ وَالْآخَرُ وَقْتُ قَتْلٍ فَوَقْتُ الْأَمْرِ هُوَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَ التَّارِكَ فَنَقُولَ لَهُ صَلِّ فَإِنْ صَلَّيْت تَرَكْنَاك، وَإِنْ أَخْرَجْتهَا عَنْ الْوَقْتِ قَتَلْنَاك وَفِي وَقْتِ الْأَمْرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَسَعُ مِقْدَارَ الْفَرِيضَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالثَّانِي إذَا بَقِيَ زَمَنٌ يَسَعُ رَكْعَةً وَطَهَارَةً.
(قَوْلُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) اسْتَشْكَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى التَّأْخِيرِ عَنْ الْوَقْتِ عَمْدًا أَوْ الْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ سَابِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَلَالُهُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَوْ بِأَنَّهُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَعَ تَرْكِهَا فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ فَإِذَا صَلَّى زَالَتْ الْعِلَّةُ وَقَالَ الرِّيمِيُّ فِي التَّقْفِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّوْبَةَ هُنَا تُفِيدُ تَدَارُكَ الْفَائِتِ بِخِلَافِ التَّوْبَةِ عَنْ الزِّنَا وَشِبْهِهِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تُفِيدُ تَدَارُكَ مَا مَضَى مِنْ الْجَرِيمَةِ بَلْ تُفِيدُ الِامْتِنَاعَ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ هُنَا فَإِنَّهَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يُحَقِّقُ الْمُرَادَ فِي الْمَاضِي وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ، وَهِيَ الْعَوْدُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ، وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ نَدْبَهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ) بَلْ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ تُسْقِطُ الْإِثْمَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ عَلَى هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: مَا نَقَلَهُ عَنْ فَتَاوَى النَّوَوِيِّ مِنْ كَوْنِ التَّارِكِ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَتْلِ إثْمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْقُطُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَعْنِي الْقِصَاصَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى أَمَّا التَّوْبَةُ مِنْ التَّرْكِ فَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِقْلَاعِ وَعَدَمِ الْإِصْرَارِ حَتَّى لَوْ قُتِلَ مِصْرًا عَلَى التَّرْكِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى عَاصِيًا بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ الْقَتْلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ فَقَتْلُهُ عَلَى إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ ثُمَّ أَنَّهُ يَبْقَى عَاصِيًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ تَرْكُ فِعْلِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ ثَانِيهَا تَرْكُ التَّوْبَةِ ثَالِثُهَا تَسَبُّبُهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِتَرْكِ التَّوْبَةِ مَعَ إمْكَانِهَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الْحَدَّ يُسْقِطُ الْإِثْمَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا إنْسَانٌ) أَيْ لَيْسَ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ كَأَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَجَّهَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ التُّرَابَ عَجَّلَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَحِيحَةً كَانَتْ الْأَعْذَارُ أَوْ بَاطِلَةً وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمَاءِ عَدَمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ س وَقَوْلُهُ قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِفَائِتَةٍ) قَالَ شَيْخُنَا لِعَدَمِ سَبْقِ التَّهْدِيدِ بِهَا بِخِلَافِ فَائِتَةِ عَدَدٍ عَلَى فِعْلِهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا فَيُقْتَلُ بِهَا