الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: فما هو إلا أن طرحنا ذلك فى البئر، قال: وكأن من أخذ بيدى وأوقفنى على مكان، وقال: احفروا هاهنا. قال: فحفرنا وإذا بالماء يموج فى ذلك الموضع، وإذا طريق منقورة فى الجبل، يمر تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها، فجرى الماء فيها نسمع هزيزه، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام، وإذا بالماء بمكة، وأخبرنا من حول البئر، أنهم لم يكونوا يعرفون فى البئر ماء يردونه، فما هو إلا أن امتلأت وصارت موردا». انتهى (1).
والشيخ شمس الدين الحنبلى المذكور فى هذه الحكاية، هو ابن قيم الجوزية. وقال بعد ذكرها: وهذا الرجل الذى أخبرنى بهذه الحكاية، كنت نزيله وجاره، وخبرته فرأيته من أصدق الناس وأدينهم، وأعظمهم أمانة، وأهل البلد كلمتهم واحدة على صدقه ودينه، وشاهدوا هذه الواقعة بعيونهم. انتهى.
وبئر عبد الصمد المذكورة فى هذه الحكاية، لا تعرف الآن، والعين المشار إليها: عين بازان، والله تعالى أعلم.
* * *
من اسمه خليل
1140 ـ خليل بن ألدمر الناصرىّ:
توفى بمكة فى الرابع عشر من ذى الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة، مقتولا فى الفتنة العظيمة التى كانت بها فى هذا التاريخ، بين الحجاج المصريين وأهل مكة، وقد شرحناها فى ترجمة أبيه.
1141 ـ خليل بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله القسطلانى المكى المالكى:
إمام مقام المالكية بالحرم الشريف، يكنى أبا الفضل، ويلقب بالضياء، ويسمى محمدا أيضا، وإنما اشتهر بخليل. ولذلك ذكرناه هنا.
سمع على المفتى عماد الدين عبد الرحمن بن محمد الطبرى: صحيح مسلم، بفوت،
1139 ـ (1) قال ابن القيم الجوزية تعليقا على هذه الحكاية: وهذا نظير ما كان من عادتهم قبل الإسلام من تزيين جارية حسناء وإلباسها أحسن الثياب وإلقائها فى النيل حتى يطلع، ثم أبطل الله تلك السنة الجاهلية على يدى من أخاف الجن وقمعها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهكذا هذه العين وأمثالها لو حضرها رجل عمرى يفرق من الشيطان لجرت على رغمهم ولم يذبح لهم عصفور فما فوقه ولكن لكل زمان رجال.
1141 ـ انظر ترجمته فى: (التحفة اللطيفة 2/ 21، شجرة النور الزكية 222).
وعلى أخيه يحيى: أربعين المحمدين للجيّانى، وعلى أمين الدين القسطلانى: الموطا، رواية يحيى بن يحيى، خلا من أوله إلى قوله:«إعادة الصلاة مع الإمام» ، وسمعه كاملا على التوزرى، وسمع عليه الصحيحين، وسنن أبى داود، وجامع الترمذى، والشفاء للقاضى عياض، وعلى الصفى والرضى الطبريين: صحيح البخارى، وعلى الرضى بمفرده: السيرة لابن إسحاق، وتاريخ الأزرقى، وعليه وعلى الشريف أبى عبد الله الفاسى: العوارف للسّهروردىّ، وعلى ابن حريث: الشفاء للقاضى عياض، وغير ذلك كثيرا بمكة والمدينة عليهم، خلا ابن حريث، وعلى جماعة سواهم، منهم: جده لأمه، قاضى مكة جمال الدين بن الشيخ محب الدين الطبرى، وجد أمه المحب الطبرى، على ما وجدت بخط جدى الشريف علىّ بن الشريف أبى عبد الله الفاسى، ولم يبين ما سمعه عليهما، وما عرفت أنا ذلك.
ووجدت بخطه: أن خاله قاضى مكة نجم الدين الطبرى، أشغله فى مذهب الشافعى، فحفظ الحاوى والتنبيه، ثم اشتغل بمذهب مالك، على قاضى القضاة بالإسكندرية، شمس الدين بن جميل، وقاضى القضاة بدمشق فخر الدين بن سلامة، والشيخ أبى عبد الله الغرناطى بمكة.
وقرأ الأصول على الشيخ علاء الدين القونوى، وقرأ النحو عليه، وعلى الشيخ عز الدين النّشائى، وجوّد القراءات بالسبع، على الشيخ عفيف الدين الدلاصى بمكة، والشيخ أبى عبد الله القصرى. وصحب الشريف أبا عبد الله الفاسى بمكة، مدة طويلة، ورباه وسلكه، وأخذ عنه طريق القوم، وصحب الشيخ الصالح أبا محمد البسكرى، وتلقن منه، وأخذ عنه، وصحب الشيخ خليفة، وآخرين يطول تعدادهم. انتهى ما وجدته بخط جدى.
وحدث بكثير من مسموعاته، سمع منه جماعة من أعيان شيوخنا، منهم والدى، فروى لنا عنه غير واحد منهم، ودرس وأفتى كثيرا، مع الفضيلة والشهرة الجميلة، وكان وافر الصلاح، ظاهر البركة شديد الورع والاتباع.
وله من الجلالة والعظمة عند الخاص والعام ما لا يوصف، خصوصا عند أهل المغرب، كبلاد التّكرور (1) والسودان، فإنهم كانوا يرون الاجتماع به من كمال
(1) تكرور: مدينة فى بلاد السودان بقرب مدينة صنغانة على النيل، وهى أكبر من مدينة سلى وأكثر تجارة، ومن مدينة سلى وتكرور إلى سجلماسة أربعون يوما بسير القوافل وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة الصحراء أزقى وبينهما خمس وعشرون مرحلة. انظر: ـ
حجهم، وكانوا يحملون إليه الفتوحات الكثيرة، فيفرقها على أحسن الوجوه.
وكان كثير الإحسان إلى الخلق، ولم يكن له فى ذلك نظير ببلاد الحجاز؛ فإنه كان بسبب ذلك يستدين الدين الكثير، وربما بلغ دينه مائة ألف درهم، فيقضيها الله تعالى على أحسن الوجوه ببركته.
وقد ذكره ابن فرحون فى كتابه «نصيحة المشاور» فذكر من أوصافه الجميلة بعض ما ذكرناه.
ومما يحكى من كراماته، ما بلغنى عن شيخنا القاضى نور الدين على بن أحمد النويرى ـ وهو ربيب الشيخ خليل المذكور ـ قال: أخبرنى شيخ الفراشين بالحرم النبوى، وسماه شيخنا نور الدين، ونسى اسمه الحاكى لى عنه، قال: بتّ ليلة بالحرم النبوى، ثم أفقت وتطهرت، وأتيت الروضة، وقصدت وجه النبى صلى الله عليه وسلم لأسلم عليه، فإذا بالباب الذى فى هذه الجهة، قد فتح وخرج منه الشيخ خليل المالكى، وغلق الباب فى إثره، وقصد الشيخ خليل الروضة. قال: فسلمت على النبى صلى الله عليه وسلم، وخففت، وتعجبت من دخول الشيخ خليل إلى الحرم النبوى ليلا من غير شعورى، ثم قلت: لعل غيرى فتح له، وقصدت الروضة لقصد الاجتماع به، فلم أره بها. انتهى بالمعنى. ولأجل هذه الحكاية، قيل إن الشيخ خليل كان من أهل الحظوة.
ومنها: أن القاضى نور الدين، ذكر أنه دخل على الشيخ خليل فى زمن الموسم، وهو يتصدق على الناس، فسأله أن يكسوه، فأمر الشيخ غلامه أن يعطيه مائتى درهم، قال القاضى نور الدين: فقبلتها واغتبطت بها، فلما فهم ذلك عنى، دعا لى فيها بالبركة، قال: فتسببت فيها حتى صارت نيفّا وأربعين ألف درهم.
ومنها: أن القاضى شهاب الدين الطبرى، شكا إلى الشيخ خليل شدّة خوفه من المصريين؛ لأن بعض جماعة القاضى شهاب الدين، سعوا عند عجلان أمير مكة، فى منع الضياء الحموى من الخطابة بمكة، فمنع من ذلك، بعد أن صار فى المسجد، وهو لابس شعار الخطبة.
وكان صاحب مصر الملك الناصر حسن، قد فوض إليه ذلك بوساطة القطب الهرماس، أحد خواصه، فأنهى ذلك أعداء القاضى إلى السلطان، فكثر تآمره على القاضى شهاب الدين، وأمر فيه بالسوء، وشاع ذلك فى الناس، واشتد خوف القاضى
ـ معجم البلدان 2/ 38، الروض المعطار 134، الإدريسى 3/ 4، الاستبصار 217، البكرى 172، صبح الأعشى 5/ 286.