المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب ما يقول من أيس من حياته - الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية - جـ ٤

[ابن علان]

فهرس الكتاب

- ‌أبواب الأذكار التي تقال في أوقات الشدة وعلى العاهات باب دعاء الكرب والدعاء عند الأمور المهمة

- ‌باب ما يقوله إذا راعه شي أو فزع

- ‌باب ما يقول إذا أصابه همّ أو حزن

- ‌باب ما يقوله إذا وقع في هلكة

- ‌باب ما يقول إذا خاف قومًا

- ‌باب ما يقول إذا خاف سلطانًا

- ‌فائدة

- ‌باب ما يقول إذا نظر إلي عدوه

- ‌باب ما يقول إذا عرض له شيطان أو خافه

- ‌باب ما يقول إذا غلبه أمر

- ‌باب ما يقول إذا استصعب عليه أمر

- ‌باب ما يقول إذا تعسرت عليه معيشته

- ‌باب ما يقول لدفع الآفات

- ‌باب ما يقول إذا أصابته نكبة قليلة أو كثيرة

- ‌باب ما يقول إذا كان عليه دين عجز عنه

- ‌باب ما يقوله من بَلِيَ بالوحشة

- ‌باب ما يقول من بلي بالوسوسة

- ‌باب ما يقرأ على المعتوه والملدوغ

- ‌باب ما يعوذ به الصبيان وغيرهم

- ‌باب ما يقال على الخرّاج والبثرة ونحوهما

- ‌كتاب أذكار المرض والموت ومما يتعلق بهما

- ‌باب استحباب الإكثار من ذكر الموت

- ‌باب استحباب سؤال أهل المريض وأقاربه عنه

- ‌باب ما يقوله المريض ويقال عنده ويقرأ عليه وسؤاله عن حاله

- ‌باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر على ما يشق من أمره وكذلك الوصية بمن قرب سبب موته بحدٍّ أو قصاص أو غيرهما

- ‌باب ما يقول من به صداع أو حمى أو غيرهما من الأوجاع

- ‌باب جواز قول المريض أنا شديد الوجع أو موعوك، أو أرى إساءةً ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن شيء من ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع

- ‌باب كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان وجوازه إذا خاف فتنة في دينه

- ‌باب استحباب دعاء الإنسان بأن يكون موته في البلد الشريف

- ‌باب استحباب تطييب نفس المريض

- ‌باب استحباب دعاء الناس في البلد الشريف

- ‌تنبيه

- ‌باب الثناء على المريض بمحاسن أعمال ونحوها إذا رأى منه خوفه ليذهب خوفه ويحسن الظن ويحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى

- ‌باب ما جاء في تشهية المريض

- ‌باب طلب العوّاد الدعاء من المريض

- ‌باب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه من التوبة وغيرها

- ‌باب ما يقول من أيس من حياته

- ‌باب ما يقوله بعد تغميض الميت

- ‌باب ما يقال عند الميت

- ‌باب ما يقوله من مات له ميت

- ‌باب ما يقوله من بلغه موت صاحبه

- ‌باب ما يقوله إذا بلغه موت عدو الإسلام

- ‌باب تحريم النياحة على الميت والدعاء بدعوى الجاهلية

- ‌باب التعزية

- ‌فصل في الإشارة إلى بعض ما جرى من الطواعين في الإسلام:

- ‌باب جوز إعلام أصحاب الميت وقرابته بموته وكراهة النعي

- ‌باب ما يقال في حال غسل الميت وتكفينه

- ‌باب أذكار الصلاة على الميت

- ‌باب ما يقوله الماشي مع الجنازة

- ‌باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها

- ‌باب ما يقوله من يُدخل الميت قبره

- ‌باب ما يقال بعد الدفن

- ‌فصل:

- ‌باب وصية الميت أن يصلي عليه إنسان بعينه أو أن يدفن على صفة مخصوصة وفي موضع مخصوص وكذلك الكفن وغيره من أموره التي تفعل والتي لا تفعل

- ‌باب ما ينفع الميت من قول غيره

- ‌باب النهي عن سب الأموات

- ‌باب ما يقوله زائر القبور

- ‌باب نهي الزائر من رآه يبكي جزعًا عند قبر وأمره إياه بالصبر ونهيه أيضًا عن غير ذلك مما نهى الشرع عنه

- ‌باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك

- ‌كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة

- ‌باب الأذكار المستحبة يوم الجمعة وليلتها والدعاء

- ‌فصل:

- ‌باب الأذكار المشروعة في العيدين

- ‌فصل:

- ‌فصل:

- ‌فائدة

- ‌باب الأذكار في العشر الأول من ذي الحجة

- ‌باب الأذكار المشروعة في الكسوف

- ‌فصل:

- ‌باب الأذكار في الاستسقاء

- ‌باب ما يقوله إذا هاجت الريح

- ‌باب ما يقول إذا انقض الكوكب

- ‌باب ترك الإشارة والنظر إلى الكوكب والبرق

- ‌باب ما يقول إذا سمع الرعد

- ‌باب ما يقوله إذا نزل المطر

- ‌باب ما يقوله بعد نزول المطر

- ‌باب ما يقوله إذا كثر المطر وخيف منه الضرر

- ‌باب أذكار صلاة التراويح

- ‌باب أذكار صلاة الحجة

- ‌باب الأذكار صلاة التسبيح

- ‌تنبيه

- ‌تتمة

- ‌باب الأذكار المتعلقة بالزكاة

- ‌فصل

- ‌كتاب أذكار الصيام

- ‌باب ما يقوله إذا رأى الهلال، وما يقول إذا رأى القمر

- ‌باب الأذكار المستحبة في الصوم

- ‌باب ما يقول عند الإفطار

- ‌باب ما يقول إذا أفطر عند قوم

- ‌باب ما يدعو به إذا صادف ليلة القدر

- ‌باب الأذكار في الاعتكاف

- ‌كتاب أذكار الحج

- ‌فصل:

- ‌فائدة

- ‌فصل:

- ‌فصل:

- ‌فصل في أذكار الطواف:

- ‌فصل في الدعاء الملتزم

- ‌فصل في الدعاء في الحِجْر:

- ‌فصل في الدعاء في البيت:

- ‌فصل في أذكار السعي:

- ‌فصل في الأذكار التي يقولها عند خروجه من مكة إلى عرفات

الفصل: ‌باب ما يقول من أيس من حياته

"صَحَّ الجِسْمُ يا خَوَّاتُ، قلت: وجسمكَ يا رسول الله، قال: فَفِ

اللهَ بمَا وَعَدْتَهُ، قلت: ما وعدتُ اللهَ عز وجل شيئًا، قال: بَلى إنهُ ما مِنْ عَبْدٍ يَمْرَضُ إلَّا أحْدَثَ اللهُ عز وجل خَيرًا فَفِ اللهَ بِمَا وَعَدْتَهُ".

‌باب ما يقول من أيس من حياته

روينا في كتابي الترمذي، وسنن ابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت

ــ

له صلى الله عليه وسلم بسهمه مع أصحاب بدر قال ابن الأثير روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وما أسكر كثيره فقليله حرام توفي بالمدينة سنة أربعين قال في التقريب أو بعدها وعمره أربع وتسعون وكان يخضب بالحناء والكتم قال الحافظ ابن حجر في التقريب خرج عنه البخاري في الأدب المفرد ومن لطيف ما يروى له معه صلى الله عليه وسلم وذلك ما رواه جمع عنه قال نزلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فرجعت فأخرجت حلة لي من عيبتي فلبستها ثم جلست اليهن وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبته فقال يا عبد الله ما يجلسك فقلت يا رسول الله جمل لي شرد أبتغي له قيدًا فمضى وتبعته فألقى ردائه ودخل فقفى حاجته وتوضأ ثم جاء فقال ما فعل شراد جملك ثم ارتحل فجعل لا يلحقني في منزل إلّا قال يا عبد الله ما فعل شراد جملك إلى أن قال فقلت والله لاعتذرن إليه فقال لي يومًا فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت. قوله: (صَحً الْجسمُ يا خوّاتُ) الجملة تحتمل أن تكون خبرية ويؤيده قوله قف لله الخ، ويحتمل أن تكون دعائية أي زاد صحة وعافية.

قوله: (مَا مِنْ عَبْدٍ) أي مؤمن قال الطيبي إذا مرض العبد المؤمن ثم عوفي تنبه وعلم أن مرضه كان سببًا عن الذنوب الماضية فيندم اهـ. أي ويعزم على ألا يعود لذلك ولا يقدم على ما هنالك.

باب ما يقول من أيس من حياته

قوله: (رَوَيْنَا في كِتَاب الترْمِذيِّ الخ) قال في المرقاة قال ميرك ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة قال الحافظ اللفظ الذي ذكره الشيخ الترمذي لم أره بلفظ عمران في غير الترمذي مع أن الحاكم وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث عن ابن

ص: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها سين مهملة عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت هذا حديث غريب من هذا الوجه بهذا اللفظ وابن سرجس اسمه موسى شيخ مدني مقل لم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا وقد خالفه في لفظه عبد الرحمن بن القاسم وهو شيخ موسى فيه فذكره بلفظ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتي وذقني فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ فإن كان حفظه استفيد من روايته بيان الشدة المذكورة في حديث عبد الرحمن، وعبد الرحمن متفق على عفته ودينه وفقهه أخرج حديثه المذكور البخاري من رواية الليث بن سعد عن يزيد وهو ابن عبد الله بن الهاد عن موسى وأخرجه أحمد عن منصور بن سلمة عن الليث عن يزيد بن الهاد وعن هاشم بن القاسم عن الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة وأسامة هو الهاد فيما قيل وقيل الهاد لقب (شداد) وهو والد عبد الله له صحبة ولابنه عبد الله رؤية فنسب عبد الله لجده كما نسب يزيد لجد أبيه في رواية منصور وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن الليث فقال عن ابن الهاد ولم يسمه وخالف الجميع ابن ماجة وخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة بالإسناد المذكور أولًا قال عن يزيد بن أبي حبيب وكأنه نسبه من قبل نفسه لكونه مضريًّا والليث مضري وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ومصنفه كما أخرجه أحمد لم ينسب يزيد وكذا أخرجه ابن سعد في الطبقات وأخرجه الحاكم في تفسير سورة ق عن قتيبة عن الليث عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وأخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات عن رشدين بكسر المهملة والدال المهملة بينهما شين معجمة ابن سعد وهو مصري عن يزيد بن الهاد قال الحافظ ووجدت لرواية موسى شاهدًا مرسلًا أخرجه ابن سعد من طريق جعفر الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت دعا بقدح فيه ماء فجعل يمسح وجهه بيده فذكر مثله وفي رواية أخرى اللهم أعني على الموت وهونه عليّ ووقع ذكر سكرات الموت في حديث آخر لعائشة أخرجه البخاري من طريق ذكوان مولى عائشة عن عائشة قالت من نعمة الله علي أن رسول

ص: 95

رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الموت، وعنده قَدَحٌ فيه ماء، وهو يُدْخِلُ يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول:"اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى غَمَرَاتِ المَوْتِ، أو سَكَرَات المَوْتِ".

ــ

الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي نوبتي وبين سحري ونحري الحديث وفيه وبين ركوة أو

علبة فيها ماء فجعل يدخل يده فيمسح بها وجهه ويقول إن للموت سكرات هذا آخر الحديث في البخاري فإن كانت رواية موسى محفوظة احتمل إنه قال ذلك بعد هذا ثم وجدت الحديث من طريق ابن وهب عن الليث عن ابن الهاد وابن وهب أعلم بالليث من غيره اهـ. قوله: (وهُوَ بالموتِ) أي مشغول أو ملتبس به والأحوال بعدها متداخلات. قوله: (يمْسَحُ وجهَهُ لي المَاءِ) قيل فعل ذلك تبريد الحرارة الموت وقيل دفعا للغشيان وكربه وقيل زيادة في وضاءة وجهه عند التوجه إلى ربه. قوله: (غَمَراتِ) هي جمع غمرة قال في المصباح الغمرة الشدة ومنه غمرات الموت لشدته وقال الراغب حالة تعرض بين المرء وقلبه وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق ولد من حب الدنيا والألم والنعاس والغشي الناشئ عن الألم وقد يحصل من الخوف وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى. قوله: (وسكَراتِ الموتِ) أتى بالمظهر موضع المضمر تفظيعًا وتخويفا والسكرات بفتحات جمع سكرة بفتح فسكون شدة الموت في القاموس سكرة الموت شدته وغشيته وغمرة الشيء شدته ومزدحمه اهـ. قال في الحرز الظاهر أن يراد بإحداهما هنا الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة قال القاضي في تفسير قوله تعالى: (وَجاءَت سَكرَةُ المَوت بِالحَقِّ)[ق: 19] أن سكرته شدته الذاهبة بالعقل اهـ.

فائدة

قال القرطبي في تشديد الموت على الأنبياء فائدتان إحداهما تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا بل هو كما جاء إن أشد النّاس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل والثانية أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت فقد يطلع الإنسان على بعض الموتى ولا يرى عليه حركة ولا قلقا ويرى سهولة خروج روحه فيظن الأمر سهلا ولا يعرف ما الميت فيه فلما ذكر الأنبياء الصادقون شدة الموت مع كرامتهم على الله سبحانه قطع الخلق بشدة الموت الذي يقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادق عنه ما خلا الشهيد قتيل الكفار على ما ثبت في الحديث اهـ. قال الشعراني في كتاب الأخلاق عن بعضهم

ص: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ما أحب تخفيف طلوع روحي وأنا أحب التشديد لأنه آخر عمل يثاب عليه المؤمن وما رواه كعب الأحبار من أن يعقوب عليه السلام لما جاء البشير قال له يعقوب ما عندي شيء أكافئك به ولكن هون الله عليك سكرات الموت فمحمول على من يخاف عليه السخط إذا شدد عليه اهـ، وقد ألف العارف بالله تعالى الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ أبي الحسن البكري الصديقي فيما حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مؤلفًا سماه القول الأجل في حكمة كرب المصطفى عند حلول الأجل وهو الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى هذا ما دعت إليه حاجة السائل عن وجه الحكمة فيما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الكرب في سكرات الموتى حتى قال واكرباه وقال لا إله إلّا الله أن للموت سكرات ويجعل يمسح وجهه بالماء، فأقول لا شك أن مزاجه الشريف النبوي من الاعتدال بالوصف الأعظم والحال الأكرم فلا جرم يكون إحساسه بالآلام أكثر ووجدانه لآثاره أكبر ومن ثم قال إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم وإذا اعتدلت كفتا ميزان فحصل في واحدة منهما أيسر شيء ظهر

الميل هذا مع ما ينضم إلى ذلك المزاج الشريف من قوة تشبث الحياة الإنسانية به كيف وهو كمادتها الأصلية وقوام حقيقتها العلية فإذا أحست بالترحال عن روضة جسمه المقدسة وخطيرة ذاته المكرمة عز عليها ذلك بما يظهر به مثل ما وقع له صلى الله عليه وسلم مع ما ينضم لذلك من أن الله تعالى إذا أجرى مثل ذلك الوصف على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك مسلاة لما تنازله أمته من تلك الشدائد ومحسمة لعرق القلق المتزايد فإنه وهو حبيب الله وأعز خلقه عليه جعل رد روحه عليه على هذه الصورة ليسهل على كل أحد حال نفسه في ذلك مع ما ينضم إلى ذلك من أن الله جعله طاويًا لأفذاذ أمته في حقيقته الشريفة بل لأفذاذ الكائنات ضرورة إنه سبب قيامها وملاك قوامها وسابق عليها والحق ناظر من مقلة جنابه الشريف إليها وأنه علته الأصلية ومنشأ وجوداتها الفرعية فإن الكون على جواهره وأعراضه مستمد من حضرته وهو سار فيه سريان حكمة الله تعالى في خليقته وبراهين ذلك تضيق به الطوامير والصحف فنشأ من ذلك أن فراق روحه الشريفة كأنه فراق كل روح لكل جسد وكل حياة لكل حي من كافة ما دارت عليه منطقة الوجود وأحاط

ص: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

به اسم الموجود فإذا حيث لم يحصل له الكرب المشهود والحال ما سطرناه أمر جلل وشرر من غرر وغيض من فيض وقل من جل مع ما ينظر إلى ذلك مما يحمله صلى الله عليه وسلم مما نازله في ذلك الوقت شدة أعبأ هذا الأمر عما ذكر منظورًا في ذلك إلى خصوص أمته بتكليف تحمل قوة هذا الأمر عنهم أو ما سمعت الله تعالى يقول: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] وأصرح من ذلك عليه ما عنتم ما معربة مبتدأ وخبرًا بجعل الوقف على عزيز كما قال به كثير وما جاء في السنة إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما ينضم إلى ذلك مما يستدل له بالعادات المستقرة لمن فوض الملك إليه أمر مملكة من الممالك واستحفظ عليها واستخلف فيها ثم أراد نقله عنها يستعرض عند ذلك جميع ما أحاط به نظره من أموره أيام ولايته عليها ويستعد لما يسأل عنه من أمورها ليكون على أهبة لما يطلب منه هذا مع كثرة وفود رسل الملائكة إليه بنقله إلى المملكة الأخرى فيصير بين أمرين من رعاية أحوال الوافدين ورعاية ما سبق شرحه وانظر أي مملكة كان فيها وأي دارة واسعة كان متوليًا عليها مع ما انضم إلى ذلك مما هو فذلكة القضايا وريده محض هذه الأسقية من أن الله تعالى اتحف رسوله صلى الله عليه وسلم ذلك الوقت بتنزلات أحدية وتجليات صمدية وأسرار كانت مستكنة في غيابة قدس الذات ومشاهدات كانت متبرقعة بالأسماء والصفات ولا شك في نقل أعبأ تلك التنزلات وعظيم ما يستطرق من تلك الفاتحات أو ليس كان يعالج من التنزيل شدة أو ليست الصديقة قالت ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقا كيف والله تعالى يقول: {سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، فموته الذي هو الحياة الأبدية بالإفاضة الإلهية له سكرات مشاهدات تبرز لأجل ضرورة ضيق نطاق الجثمان عن محض عالم العيان بسورة سكرات مجاهدات مع ما ينضم إلى ذلك من إحساسه صلى الله عليه وسلم باللقاء الخاص به سبحانه على ما عنده من مزيد الخشية وعظيم الهيبة ووافر الإجلال وزان معرفته بربه ومناسب حاله في العبودية في حظرات قربه فلهذه المعرفة وهذا الاستشعار أدركه من ملاحظة ذلك الجلال وادكار من الملك المتعال ظهر به عليه ما ظهر ولذلك قال أنا أعرفكم وأخوفكم منه

مع ما ينضم إلى ذلك بين استطارة الشوق إلى خصوص ذلك اللقاء الروحي الحامل على مفاخرة الإسراع لذلك اللقاء السبوحي حتى يريد أن يخرج نفسه إخراجًا ويدرجها بسرعة في غيب ذلك القرب الخاص إدراجًا

ص: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فلا جرم ينشأ من ذلك من قهر عالم الطبيعة وضغط حصص مزاج البشرية ما يقوي به الانتقال ويظهر به سلطان الحال ومن هنا وصف صلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه عند حضور أجله تتهوع نفسه وقال أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه والمنافق يبتلع نفسه وقال كره لقاء الله فكره الله لقاءه مع ما ينضم إلى ذلك من تعلق أهل عالم الدنيا ممن له نصاب إلى حضرته العلية بل من كل ما له تلق من تلك الإمدادات المحمدية ببقائه في هذا الوجود ومد أمد حياته التي هي حياة كل موجود وهو صلى الله عليه وسلم ذو المرآة التي لا أسطع من شعاع ضيائها ولا أبدع من صقالة صفائها لتنطبع تلك التعلقات من حضرته الشريفة بمرآتها ومقتضى ما ذكر في هذا الانطباع وتعلق هذا العالم باذيا له نقيض حالة ترحاله وانتقاله فيتقابلا على طرفي نقيض لا على إن الله تعالى يقهر أمره أمر وإنما هو على إعطائه تعالى الأشياء مقتضاها وإظهار سلطنة حبيبه بقوة تعلق الكائنات بما منح من تلك المرتبة الشريفة وإعطائه مع ما ينضم إلى ذلك من إجراء الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على أوصاف العبودية التي هي أشرف الأوصاف وأجل محاسن محامد الاتصاف أو ليس قد خيره الله بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدا فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا وقال أجوع يومًا وأشبع يومًا وآكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ومقتضى مزاج العبودية عدم الإرفاه بل منازلة المكاره ومعاناة الشدائد في جنب أوامر السيد وما جاء إنه بكى على ولده وقال إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن فإبقاء هذه الحصة البشرية المدركة لهذه الآلام تحقيقًا لما أحب وشرفه به من أوصاف العبودية ورام فإنها مجلبة الضراعة ومراعاة الافتقار إلى الحق ووازع الانكسار بين يديه وبها يظهر سلطان الربوبية ويقوم نواميس الألوهية والله أعلم. انتهت الرسالة وفي كتاب الأخلاق للشعراني سمعت سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول يسهل الله تعالى على العبد طلوع روحه بقدر ما ذاق من الغصص في مرضاة الله عز وجل فقلت له إن الأنبياء أكثر النّاس بلاء ومع ذلك فقد ورد أن أحدهم يشدد عليه المرض وغيره فقال تشديد المرض على الأكابر قد يكون تعظيمًا لأجورهم لا لعلاقة دنيوية تجذبهم إليها بل لا يجوز حملهم على ذلك وبعضهم يصعب عليه روحه لأجل تلامذته فيريد عدم الخروج من الدنيا حتى يكلمهم ويرشدهم إلى كمال مقام المعرفة ولولا ذلك

ص: 99

وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستند إليَّ يقول: "اللهُم اغْفِرْ لي، وارْحَمْنِي، وألْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأعْلَى".

ــ

لكان أسرع الناس خروجًا لروحه طلبًا للقاء الله عز وجل اهـ.

قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحَي البُخَارِيّ ومُسْلم الخ) ورواه الترمذي كما في السلاح قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم في المستخرج وطريق غيره وأخرجه الإسماعيلي وابن حبان وأخرجه البخاري من طريق في صحيحه وأخرجه الترمذي والنسائي ولم أره في شيء من الموطآت ولا في هذه الكتب التي ذكرتها بلفظ الإسماعيلي ولا في آخره ولا ذكره ابن عبد البر في التمهيد ولا القاضي ولا الحميدي في الجمع بين الصحيحين فلعلها وقعت في بعض النسخ من مسلم ثم رأيتها في رواية القلانسي عن مسلم ورأيتها في رواية النسفي عن البخاري لكن ضرب عليها من النسخ المعتمدة وقد ثبتت هذه اللفظة في طرق أخرى عن عائشة فأخرج البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عنها قالت لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض الذي مات فيه جعل يقول في الرفيق الأعلى وللبخاري ومسلم من طريق الزهري عن عروة عنها في حديث طويل في الوفاة فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه في حجري غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال اللهم الرفيق الأعلى ولها من رواية القاسم عنها في حديث طويل ثم رفع يده ثم قال الرفيق الأعلى ثلاثًا ثم قضى وللبخاري في رواية يزيد بن الهاد الماضية قبيل هذا الباب إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى فزاد في رواية سعيد بن المسيب فكان آخر كلمة تكلم بها ورواه أبو بردة بن موسى الأشعري عنها بزيادات أخرى قال قالت أغمي على رسول الله ورأسه في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء فقال لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل واسرافيل قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح فيه طرق أخرى أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه اهـ. قوله: (وأَلْحِقْنِي بالرفِيقِ الأَعلَى) قيل المراد به الملائكة المقربون والعباد الصالحون بالمعنى الأعم وهو الوجه الأتم المناسب لما جاء: توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين وفي السلاح الرفيق الأعلى قيل هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في قوله

ص: 100

ويستحبُّ أن يكثر من القرآن والأذكار، ويكره له الجزعُ، وسوءُ الخلق، والشَّتْمُ، والمخاصمةُ، والمنازعةُ في غير الأمور الدينية.

ويستحب أن يكونَ شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه، ويستحضر في ذهنه أن هذا الوقت آخر أوقاته من الدنيا، فيجتهدُ على ختمها بخير،

ــ

تعالى: {وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] يؤيده ما جاء في الحديث الصحيح مبينا فجعل يقول مع الذين أنعمت عليهم من النببين والصديقين الخ، والحديث يفسر بعضه بعضًا اهـ. قلت وفي رواية الصحيح للبخاري من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عمرو عن أبيه عن عائشة قالت فلما كان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قبض فيه أخذته فيه بحة شديدة فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين الخ، ومعنى كونه رفيقا لقاؤهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض وفي الحرز عن بعضهم إن هذا هو المعتمد وعليه اقتصر أكثر الشراح كذا نقله ميرك عن الشيخ ونكتة الإتيان بهذه الكلمة مفردة الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد نقله في الحرز عن السهيلي وصح أن هذا أيضًا آخر كلام أبي بكر رضي الله عنه وقال ابن الجزري قيل المراد به جماعة النبيين الذين يسكنون أعلا عليين اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع وقيل معناه أي بالله تعالى يقال الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل اهـ، والرقيق من أسمائه تعالى كما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه إن الله رفيق يحب الرفق والحديث عند مسلم عن عائشة والأعلى يحتمل أن يكون صفة مكان وأن يكون صفة فعل وقال الجوهري المراد منه الجنة ويؤيده ما وقع عند ابن إسحاق الرفيق الأعلى الجنة قال في الحرز أما بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يراد بالرفيق الأعلى فيه المولى أو وجه ربه الأعلى إذا ثبت إن هذا منه عليه الصلاة والسلام آخر كلامه كما إنه أول من قال بلى في جواب {أَلَسْتُ بَربكم} [الأعراف: 172] في الميثاق. قوله: (ويستحبُّ أَنْ يُكْثِرَ منَ الْقُرْآنِ الخ) أي وغير

ذلك من عمل الأبرار قاصدًا به وجه الله سبحانه مخلصًا فيه لينال من مولاه رضوانه. قوله: (شَاكرًا لله تعَالى بقلْبهِ وَلِسَانهِ) شكرًا على تأهيله لمقام الابتلاء

ص: 101

ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها: من ردِّ المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله: من زوجته، ووالديه، وأولادِه، وغلمانِه، وجيرانِه، وأصدقائِه، وكلِّ من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة، أو تعلق في شيء.

وينبغي أن يوصيَ بأمور أولاده إن لم يكن لهم جدٌّ يصلح للولاية، ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال، من قضاء بعض الديون ونحو ذلك. وأن يكون حسن الظنِّ بالله سبحانه وتعالى أنه يرحمه،

ــ

الذي يكون لأرباب الكمال كما ورد في الصحيح أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وفي حديث أبي داود فقال رجل يا رسول الله ما الأسقام والله ما مرضت قط فقال قم عنا فلست منا وفي بعض الروايات من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا لو كان الله يريد به خيرًا لطهر به جسده وفي حديث آخر إن الله يكره العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله وأورده في المرقاة ولا ينافي ذلك سن طلب العافية كما ورد في الأخبار لأن المراد العافية على ما يريد المولى لعبده بما فيه نهاية إسعافه ووده كما سبق عن العارف أبي العباس المرسي. قوله: (ويبادرَ إلى أَدَاءِ الحقَوقِ) بالرفع على الاستئناف إذ تجب المبادرة لرد المظالم والتخلية بين الوديع أو نائبه بشرطه والوديعة ورد العارية إذا طلبها المالك أو بالنصب عطفًا على أن يكثر فيكون الاستحباب باعتبار المجموع وإن كان بعض أفراده واجبًا وطلبت لأنه نزل به مقدمات الموت. قوله: (منْ رَدِّ المظَالم) بيان للحقوق والمراد بردها الخروج منها ليتناول رد الأعيان وقضاء نحو الصلاة وقد صرح السبكي بأن تاركها ظالم لجميع المسلمين وقضاء دين لم يبرأ منه والتمكين من استيفاء حد أو تعزير لا يقبل العفو أو يقبله ولم يعف عنه. قوله: (واستحْلالِ أَهلهِ الخ) أي وجوبا فيما علم إنه عليه وندبًا فيما لا يعلمه وكون المجهول لا يصح التحليل منه عندنا بالنسبة للأمور الدنيوية أما الأمور الأخروية فيحتمل الصحة مطلقًا لأن المدار فيها على الرضا وإن لم يعتد به ظاهرًا أخذا من قولهم في المعاطاة في البيوع ونحوها لا مطالبة بالمأخوذ بها في الآخرة وإن أخذت بعقد فاسد لأنها أخذت بالرضا من صاحبها ويحتمل الفرق. قوله: (وأَنْ يكونَ حَسَنَ الظن بالله تَعَالى) أي يظن أن

ص: 102

ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى، وأن الله تعالى غنيٌّ عن عذابه وعن طاعته، وأنه عبده، ولا يطلب العفو والإحسان والصفح والامتنان إلا منه.

ويستحب أن يكون متعاهدًا نفسه بقراءة آيات من القرآن العزيز في الرجاء، ويقرؤها بصوت رقيق، أو يقرؤها له غيره وهو يستمع. وكذلك يستقرئ أحاديث الرجاء، وحكايات الصالحين وآثارهم عند الموت، وأن يكون خيره متزايدا، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، وغير ذلك من وظائف الدِّين، ويصبر على مشقة ذلك، وليحذر من التساهل في ذلك، فإن من أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه.

ــ

الله تعالى يغفر له ما جناه ويرجو ذلك ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى وما وعد به أهل التوحيد وما ينشره لهم من الرحمة يوم القيامة ففي الحديث الصحيح لا يموت أحدكم إلّا وهو يحسن الظن بالله وفي الحديث القدسي أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء قال المصنف في شرح المهذب بعد تفسير تحسين الظن بما ذكر هذا هو الصواب الذي قاله جمهور العلماء وشذ الخطابي فذكر معه تأويلين آخرين معناه حسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم

فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه وهذا تأويل باطل اهـ. قوله: (بقراءَةِ آياتٍ الخ) ومنها "ورحمتي وسعت كل شيء"، . قوله:(وكَذلِكَ يَستقرئ أحَادِيثَ الرجاء) أي يتتبعها قال المؤلف وقد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف مع ظهور الرجاء فيهما قال في المرقاة ولو لم يكن إلّا حديث واحد هو سبقت أو غلبت رحمتي غضبي لكفي دليلًا على ترجيح الرجاء ويعضده ورحمتي وسعت كل شيء بل المشاهد في عالم الوجود غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف واتفق الصوفية على أن العبادة على وجه الرجاء أفضل منه على وجه الخوف وأن الأول عبادة الأحرار والثاني طاعة العبيد ولذا قال صلى الله عليه وسلم أفلا أكون عبدًا شكورًا. قوله: (ويحَافِظَ عَلَى الصَّلواتِ) أي الفرائض والرواتب كما يدل

ص: 103

وينبغي له أن لا يقبل قول من يخذُلُه عن شيء مما ذكرناه، فإن هذا مما يبتلى به، وفاعل ذلك هو الصديق الجاهل العدوُّ الخفيُّ، فلا يقبَل تخذيلُه، وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال. ويستحبُّ أن يوصيَ أهلَه وأصحابَه بالصبر عليه في مرضه، واحتمال ما يصدر منه، ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به، ويجتهد في وصيتهم بترك البكاء عليه، ويقول لهم:

صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ"

ــ

عليه آخر كلامه. قوله: (وَلْيجتْهِدْ في ختم عُمُره بأكمل الأَحوالِ) أي من الصدق والإخلاص والتنقي عن سائر الرذائل والأدناس وسلامة الصدر مما يتعلق بأحد من الناس ليرتفع عنه بذلك كل بأس والله أعلم. قوله: (وَيُسْتَحبُّ أَنْ يُوصي أَهلَه وأَصْحَابَه بالصبرِ عَلَيْهِ) أي على خدمته أو على ما يبدو منه من سوء الخلق ونحوه وعلى الثاني قوله واحتمال الخ. كالتفسير لما قبله وعلى الأول فهو مغاير وبه يترجح الأول لما فيه من التأسيس الذي هو خير من التأكيد.

قوله: (صحَّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنه قَال الميتُ يعذَّبُ ببكَاء أَهلِه عَلَيهِ) وفي رواية ليعذب قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح رواه الترمذي ورواه مسلم عن ابن عمر بلفظ إن الميت يعذب ببكاء الحي ولم يذكر عمرو وأخرجه الشيخان من رواية عمرو عن ابن عمر ومن رواية عبد الله ابن أبي مليكة عن ابن عمر عن عمر ولفظهما كرواية ابن شهاب أي يعذب الميت ببكاء أهله عليه وأخرجه مسلم من رواية نافع عن ابن عمر أن حفصة بنت عمر بكت على عمر فقال ألم تعلمي يا بنية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وأخرجه الشيخان من رواية أبي موسى الأشعري عن عمر بلفظ إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ومن رواية ابن عباس عن عمر بلفظ إن

الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه وفي هذا إشارة إلى أن بعض البكاء لا وعيد فيه وقد فسر ما فيه الوعيد بما اقترنت به نياحة ونحو ذلك وفيه أحاديث صحيحة والعلم عند الله اهـ، ورواه ابن ماجة من حديث عمر وسيأتي بيان الخلاف في تأويل هذا الخبر وأمثاله في باب تحريم النياحة

ص: 104

فإياكم - يا أحبائي - والسَّعيَ في أسباب عذابي". ويوصيهم بالرفق بمن يخلِّفه من طفل وغلام وجارية وغيرهم، ويوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه ويعلِّمهم: أنه صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ مِنْ أبرِّ البِرِّ أنْ يصِلَ الرَجُلُ أهْلَ وُدِّ أبيه".

وصحَّ

ــ

ذكر الحافظ في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب إنكار عائشة على عمرو بن عمر هذا الحديث.

قال الحافظ في أمالي الأذكار وجاء عن عمر التعبير بالبكاء عن ابن عمر قال قال عمر لا تبكوا على موتاكم فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح وجاء عنه بلفظ النياحة قال الحافظ بعد تخرجيه هذا حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وفي رواية بعضهم بما ينح عليه وجاء عنه تقييد النهي بما إذا اقترن بالبكاء نوح أو غيره وهذا المعتمد عن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة يبكين عليه فقيل لعمر أرسل اليهن فانههن فقال ما عليهن إن يهرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة قال الحافظ بعد تخريجه هذا موقوف صحيح أخرجه ابن سعد في الطبقات عن أبي معاوية وعن وكيع وزاد قال وكيع النقع الشق واللقلقة رفع الصوت وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث وحكي في تفسير النقع مثل ما تقدم وقيل هو وضع التراب على الرأس، وقيل رفع الصوت، وعن النسائي قال هو صنع الطعام لأجل الميت ورجح الثاني أبو عبيد وغيره ولم يحكوا في تفسير القلقلة خلافًا وسيأتي الكلام على النياحة بعد أبواب وعن أنس إن عمر رضي الله عنه لما طعن عولت عليه حفصة فقال يا حفصة أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول المعول عليه يعذب أخرجه مسلم قال أهل اللغة عول إذا بكى بصوت وأعول لغة فيه وهي اشهر اهـ. كلام الحافظ ملخصًا قوله:(فَإيَّاكُمْ) أي فأحذركم البكاء فحذف العامل وانفصل الضمير. قوله: (والسَّعيَ) بالنصب عطف على إياكم.

قوله: (صحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَال إِن منْ أَبَرِّ البر الخ) رواه مسلم في صحيحه هكذا وروه فيه أيضًا بحذف من وفي الجامع الصغير رواه كذلك أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي كلهم عن ابن عمر وقال العلقمي في شرحه رواية أبي داود إن أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه وعليه فأهل منصوب معمول صلة الذي هو مصدر يعمل عمل الفعل ويقدر

ص: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بأن والفعل ويدل عليه رواية مسلم إن يصل والود بضم الواو وقال في المصباح وددته أوده من باب تعب ودًّا بفتح الواو وضمها أحببته والاسم المودة اهـ، وقال ولده في التقريب وددت الشيء بالكسر ودًّا بهما مثلها أحببته انتهى (قلت) وفي كتاب المثلث لابن السيد البطليوسي إن الود من المودة مثلث اهـ، وفي رواية مسلم ومن ذكر زيادة بعد إن يولي أي بضم التحتية وتشديد اللام المكسورة أي بعد موته ففي الحديث فضيلة مودة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه ولا ينقطع ذلك بعد موت الأب بل يستمر إكرام صديقه بعد وفاته كإكرامه حال حياته ويلتحق به أصدقاء المشايخ إذ

هم في معنى الآباء أعظم حرمة قال عن أبي أسيد بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون التحتية واسمه مالك بن ربيعة الساعدي قال بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فقال هل بقي من بر والدي شيء بعد موتهما قال نعم خصال أربع الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعد موتهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلَّا من قبلهما قال هذا الذي بقي علي قال نعم قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم في صحيحيهما وأخرج الحافظ عن ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال احفظ ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد قال الطبراني لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا خالد بن يزيد قلت وهو من رجال الصحيح وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق البخاري وأخرج له شاهدًا مرسلًا من رواية ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن سلام قصة قال فيها فوالذي بعث محمدًا بالحق إنه لفي كتاب، لا تقطع من كان يصل أبوابك فيطفئ بذلك نورك وأخرج الطبراني في الأوسط أيضًا من حديث أنس رفعه إن من البر أن تصل صديق أبيك وسنده ضعيف وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده الكبير من طريق ثابت البناني عن أبي هريرة عن أبي موسى الأشعري قال أتيت المدينة فجاءني عبد الله بن عمر فقال أتدري لم جئتك قلت لا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده وإنه كان بين عمر أبي وبين أبيك إخاء

ص: 106

أن رسول صلى الله عليه وسلم: "كان يكرم صواحبات خديجة رضي الله عنها بعد

وفاتها". ويستحبُّ استحبابًا مؤكَّدًا أن يوصيَهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز،

ــ

وود فأحببت أن أصل ذلك وأخرج ابن حبان في صحيحه وأخرج الحافظ عن محمد بن طلحة عن أبيه أن أبا بكر الصديق قال لرجل من العرب كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الود يتوارث والعدواة تتوارث وفي رواية الطبراني الود والعداوة يتوارثان وقال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه البغوي في معجم الصحابة والبخاري في التاريخ وابن أبي عاصم في الوحدان والحاكم كلهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي بضم الميم وفتح اللام وتخفيف التحتية منسوب لجده الأعلى وهو ضعيف لم أر فيه توثيقًا لأحد قال الذهبي في مختصره للمستدرك المليكي واهي السند فيه انقطاع يعني بين طلحة وأبي بكر وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق يوسف بن عطية عن المليكي وهو أضعف من المليكي وزاد في روايته بعد قوله عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي بكر وكأنه أراد أن يوصل السند لكن الزيادة من مثله لا يعتد بها قال الذهبي يوسف بن عطية هالك والطريق الأولى هي الراجحة مع ضعفها وأرجح منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي بكر بن حزم أظن إنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري نسب إلى جد أبيه عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الود يتوارث وأخرج الطبراني من حديث رافع بن خديج الأنصاري قال قال رسول الله الود الذي يتوارث في أهل الإسلام وفي سنده الواقدي اهـ كلام الحافظ. قوله: (وأَنَّه كَانَ يُكرِم صَواحبَاتِ خَدِيجَةَ الخ) وأخرج الحافظ عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بالشيء يقول اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة اذهبوا به إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة وقال هذا حديث حسن أخرجه البزار وابن حبان والحاكم ورجال السند من رجال البخاري في

الصحيح لكن لم يخرج لمبارك بن فضالة إلّا متابعه وهو صدوق كان يوصف بالتدليس وقد رواه بالعنعنة وذكر البزار إنه تفرد به لكن يعتضد بحديث عائشة ما عزت على امرأة ما عزت على خديجة وما لي أن أكون أدركتها وما ذاك إلَّا لكثرة. ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وإن كان

ص: 107

ويؤكد العهد بذلك. ويوصيهم بتعاهده بالدعاء وأن لا ينسَوه لطول الأمد. ويستحبُّ له أن يقول لهم في وقت بعد وقت: متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء فنبهوني عليه برفق، وأدُّوا إليَّ النصيحة في ذلك، فإني معرَّض للغفلة والكسل والإهمال فإذا قصرت فنشِّطوني، وعاونوني على أهبة سفري هذا البعيد.

ودلائل ما ذكرته في هذا الباب معروفة مشهورة، حذفتها اختصارًا، فإنها تحتمل كراريس. وإذا حضره النزع، فليكثر من قول: لا إله إلَّا اللهُ، ليكون آخر كلامه.

فقد روينا في الحديث المشهور في "سنن أبي داود" وغيره، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ــ

ليذبح الشاة فيتبع بها صدائق خديجة يهديها لهن متفق عليه وأخرجه الحافظ من طريق أحمد بن حنبل قال وهي أتم من الرواية السابقة وقال في روايته ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين وأخرج الحافظ الحديث من طريق أبي نعيم في مستخرجه فذكر نحو الرواية السابقة وقال في روايته ما عزت عليّ امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقال وإني لم أدركها وكان إذا ذبح الشاة قال اذهبوا بها إلى أصدقاء خديجة أخرجه مسلم وأخرجه أبو عوانة عن مسلم والترمذي والإسماعيلي وقال في روايته وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها إلى صدائق خديجة وأخرجه أبو عوانة من رواية الدراوردي فيتتبع بأعضائها صدائق خديجة وخرجه البخاري من طريق الليث عن هشام بلفظ فيهدي في خلائلها ما يشبعهن ولبعض الرواة عن الفربري ما يشبعهن وهي رواية عند أبي عوانة والإسماعيلي وفي رواية للبخاري زيادة هي يؤتيها وربما قلت له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلَّا خديجة فيقول أنها كانت وكان لي منها ولد اهـ. قال المصنف وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته وإكرام أهل ذلك الصاحب اهـ، وفي الحديث عن عائشة أن حسن العهد من الإيمان قال في الجامع الصغير رواه الحاكم. قوله:(ويؤكدَ عليهم العهدَ بذلِكَ) أي بالإتيان بجميع ذلك المذكور مما طلب منهم فعله أو تركه. قوله: (برفقٍ) أي ليكون أدعى للقبول وبلوغ المأمول. قوله: (وإذَا حضَرَهُ النزعُ) أي داخل المريض النزع، فالنزع منصوب والفاعل ضمير يعود للمريض. قوله:(في سننِ أَبِي دَاوُد) قال ابن

ص: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

حجر في شرح المشكاة وسنده صحيح وقال الحافظ في أماليه بعد تخريج الحديث هذا حديث حسن غريب أخرجه أحمد ورواته من رجال الصحيح إلَّا صالح بن غريب بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها تحتية فموحدة فإنه روى عنه جماعة ولم أر للمتقدمين فيه جرحًا ولا تعديلًا إلَّا أن ابن حبان ذكره في الثقات على قاعدته فيمن لم يجرح ولم يرو ما ينكر وقد ورد للحديث متابع وشاهد فأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن معاذ نحو هذا ولفظه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا الحديث قال الحافظ وسأذكر بقيته

في الكلام على الحديث الذي بعده وفي سنده ضعيف بين مكحول ومعاذ وأخرج أحمد من حديث حذيفة مثل الرواية الأولى لكن زاد ختم له بها ورجاله رجال الصحيح إلَّا عثمان البتي فهو صدوق مختلف في الاحتجاج به وله شاهد عن أبي هريرة أخرجه ابن حبان ولفظه مثل معاذ في الأولى سواء وزاد أصابه قبل ذلك ما أصابه قال الحافظ وسأذكر الكلام عليه في الحديث الذي بعده وفي الباب عن جابر وابن عباس يأتيان أيضًا وقال في الكلام على حديث أبي هريرة بعد تخريجه بلفظ لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله وقال زاد الذهلي في روايته فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلّا الله دخل الجنة يومًا من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصابه أخبرني بهذه الزيادة شيخنا الحافظ يعني العراقي ثم ذكر سنده إلى أبي نعيم في الحلية وساق إسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا قال فذكر مثله لكن لفظه من قال لا إلَّا الله دخل الجنة يومًا من دهره أصابه قبل ذلك ما أصابه به قال أبو نعيم غريب تفرد به عمرو بن خالد عن عيسى بن يونس عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر كذا قال في ترجمة الثوري وقال في ترجمة منصور بن المعتمر بعد أن أورده من وجه آخر عن عمرو بن خالد غريب من حديث الثوري لم يثبت إلَّا من هذا الوجه (قلت) لم يتفرد به عيسى فقد أخرجه محمد بن إسماعيل عن سفيان أيضًا وقد توبع الثوري أخرجه البزار من رواية أبي عوانة عن منصور وقال رواه الثوري عن منصور وقد توبع منصور في روايته له عن هلال بن يساف بالمثناة التحتية وتخفيف المهملة آخره فاء فرواه وتوبع الأعرابي شيخ هلال في روايته عن أبي هريرة فأخرجه الحافظ من طريق الطبراني في المعجم الصغير عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلَّا الله

ص: 109

"مَنْ كانَ آخِرَ كلامِهِ لا إلهَ إلَّا اللهُ

ــ

دخل الجنة يومًا من دهره ولو بعد ما يصيبه العذاب قال الطبراني لم يروه عن موسى الصغير إلّا حفص الفاخري بمعجمتين تفرد به الحسين بن علي الصداي بضم الصاد وتخفيف الدال عن أبيه (قلت) الحسين من شيخ الترمذي والنسائي وثقوه وأبوه أخرج له النسائي وقال أحمد لا بأس به ولينه أبو حاتم وحفص هو ابن سليمان الكوفي القارئ صاحب عاصم إمام في القراءات لكن ضعفوه في الحديث من قبل حفظه وموسى الصغير بن مسلم الكوفي ثقة عندهم وأخرجه الحافظ عن موسى بن رودان عن أبي هريرة عن رسول الله قال أكثروا من شهادة أن لا إله إلَّا الله وحده قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوا بها موتاكم قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث حسن غريب أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء وأخرجه غيره وزاد فإنها تهدم الخطايا كما يهدم السيل البنيان قالوا فكيف هي للأحياء قال أهدم وأهدم قال الحافظ وروينا في فوائد أبي عمرو بن حمدان بسند رواه عن أبي سلمة بن عبد الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله فإنها خفيفة في اللسان ثقيلة في الميزان وأخرجه الحافظ عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلّا الله ولا تملوهم وقال بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه تمام الرازي في فوائده وفي سند الحديث ضعيفان هما محمد بن عيسى بن ديان وشيخه محمد بن الفضل بن عطية وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب من وجه آخر عن ابن سيرين وزاد بعد ولا تملوهم فإنهم في سكرات الموت وسنده أضعف من الذي قبله قال الحافظ وأخرج ابن عدي في ترجمة عكرمة بن إبراهيم من روايته عن أبي رزين الأسدي عن أبي هريرة

وضعف عكرمة ولفظه كالأول وزاد فإنه من كانت آخر كلامه في الدنيا دخل الجنة فهذه طرق لحديث أبي هريرة فيها زيادات كما عرفتها اهـ ملخصا. قوله: (مَنْ كَانَ آخرُ كَلامِهِ) برفع آخر وقيل بنصبه وقوله لا إله إلّا الله محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية وقضية كلام أئمتنا والخبر إنه لو قالها ثم مات ولم يتكلم بعدها كانت آخر كلامه وإن طال الفصل وخالف ذلك بعضهم فقال إذا طال الفصل سن إعادتها

ص: 110

دَخَلَ الجنةَ". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد.

وروينا في "صحيح مسلم" وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرها، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ــ

عليه والأول أصح ولو قالها ثم أتى بكلام دنيوي سن له إعادتها لتكون آخر كلامه ولو أتى بذكر غيرها على خلاف فيه والمراد بالكلام هنا كما قاله بعض أئمتنا اللساني والنفساني لرواية وهو يعمل لا يقال قد يتكلم الكافر بلا إله إلّا الله عند الموت ولا ينفعه ذلك لأنا نقول البحث إنما هو في المسلم أما الكافر فقد علم وأشعر في النفوس إنه لا ينفعه النطق بالشهادتين إلا قبل المعاينة فلم يحتج للاحتراز عنه فإن أريد في الخبر ما يشمله كان المراد بلا إله إلا الله كلمة التوحيد أي الشهادتان بالنسبة للكافر بشرطه وكلمة التوحيد المتضمنة للنبوة والبعث وغيرهما للمؤمن والله أعلم. قوله: (دَخَلَ الجنَّةَ) أي إما قبل العذاب دخولًا خاصًّا أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول أظهر ليتميز به عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة وفي شرح مسلم للمصنف ويجوز في حديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله أن يكون خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلصًا فيكون سببًا لرحمة الله إياه ونجاته من النار وتحريمه بخلاف من لم يكن آخر كلامه ذلك من الموحدين قال المصنف بعد نقله مع جملة كلام عن القاضي وهو في غاية الحسن اهـ. قوله: (قَال الحاكِم) صحيح الإسناد هذا من الحاكم على قاعدته في تصحيح الحسن وقد أخرجه من وجهين عن أبي عاصم. قوله: (وغيرِهَا) أي كابن ماجة قال الحافظ ورواه أبو عوانة وفي الجامع الصغير رواه أحمد ومسلم والأربعة عن أبي سعيد ورواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ورواه النسائي عن عائشة قال الحافظ قال الترمذي بعد تخريجه حديث أبي سعيد وفي الباب عن أبي هريرة وأم سلمة وعائشة وجابر وسعدي المرية اهـ. قال الحافظ وقد ذكرنا حديث أبي هريرة وحديث أم سلمة أخرجه الترمذي في الباب لكن ليس فيه التلقين صريحًا وإنما فيه الأمر بأن لا يقال عند الميت إلّا الخير وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن أم الحسن البصري قالت كنت عند أم سلمة فجاء إنسان فقال إن فلانًا بالموت فقالت انطلق فإذا

ص: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

رأيته احتضر فقل السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وأورده في باب تلقين الميت وحديث عائشة أخرجه النسائي عنها مثل حديث أبي سعيد ورواته رواة الصحيح لكن أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق آخر عن منصور ابن صفية أحد رواته في الطريق الأولى ولم يرفعه وحديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلا الله قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه البزار وعبد الوهاب بن مجاهد ضعفوه لكن يكتب حديثه في المتابعات وحديث سعدي المرية ظاهر إيراد الترمذي إنه من حديثها وليس كذلك إنما هو من روايتها عن زوجها طلحة وعن عمر أخرجه أحمد في مسند طلحة وأبو يعلى في مسند عمر ثم أخرج الحافظ

عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية قالت مر عمر بطلحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك كئيبًا أتسؤك ابنة عمك قال لا ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلَّا كانت نورًا لصحيفته وإن جسده وروحه ليجدان لها روحًا عند الموت فقال أنا أعلمها هي التي أراد عمه عند الموت علم كلمة أنجي له منها لأمره بهذا هذا حديث حسن رواته موثوقون لكن اختلف فيه على الشعبي فرواه شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي فأبهم يحيى بن طلحة أخرجه أبو يعلى أيضًا ورواه مجاهد عن الشعبي عن جابر عن عمر أخرجه أبو يعلى أيضًا وبعض الرواة عنه أسقط سعدى فقال عن يحيى بن طلحة قال رأى عمر طلحة حزينًا فقال مالك فقال سمعت رسول الله فذكر الحديث بنحوه وفيه إلا نفس الله كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره وما منعني أن أسأله عنها إلَّا القدرة عليها حتى مات فقال عمر إني لأعلمها فذكره أخرجه أحمد وأبو يعلى قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي ومما لم يذكره الترمذي عن أنس وحذيفة وواثلة بن الأسقع وشداد بن أوس قال الحافظ في الباب مما لم يذكراه جميعًا عن عمر وطلحة كما أسلفناه وعن أبي بكرة ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي أمامة وعبد الله بن مسعود وابن جعفر وعلي وابن عمر وجد عطاء بن السائب واسمه زيد وقيل مالك وصحابي غير مسمى ومن مرسل قتادة وغيره ومن الموقوف على جماعة من التابعين ثم بين الحافظ من خرج حديث كل من المذكورين وأطال فيه النفس في نحو نصف كراس فليراجعه من أراد وحاصل كلامه في حديث معاذ وهو الذي نقلناه عن الحافظ فيما تقدم إنه

ص: 112

"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إلَّا الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ورويناه في "صحيح مسلم" أيضًا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: فإن لم يقل هو: "لا إله إلا الله" لقَّنَهُ من حضره، ويلقِّنه برفق مخافةَ أن يضجر فيردَّها، وإذا قالها مرَّة لا يعيدها

ــ

يتم الكلام عليه في الكلام على هذا الحديث فقال حديث معاذ أخرجه سعيد بن منصور وأبو يعلى في الكبير وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق مكحول عنه متصلًا بالحديث المذكور في الباب الذي قبله بعد قوله هدمت ما كان قبلها من الخطايا فلقنوها موتاكم قيل يا رسول الله كيف هي للأحياء قال هي أهدم وأهدم وقد تقدم الكلام على سنده. قوله: (لقِّنوا مَوْتَاكم الخ) أي ذكروا من حضره الموت منكم بأن نزلت به مقدماته سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا لكن التلقين فيه محمول على حقيقته بخلاف ما أريد منه التلقين بعد الدفن فإنه وإن كان موتاكم فيه استعمل في حقيقته إلَّا أن التلقين يكون فيه مجازًا وقد صرح ابن حبان وغيره من أئمة الحديث بأن المراد بالموتى ما في الخبر من حضرهم الموت وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلَّا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلَّا الله فإن من كان أول كلامه لا إله إلَّا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد، أي لقنوا من حضره الموت بكلمة التوحيد أر بكلمتي الشهادة بتفصيله المار بما في الحديث قبله بأن يتلفظوا بها أو بهما عنده لا أن يأمروه بها: لئلا يقول لا أقولها فيكفر، على ما أطلقه بعض الأئمة ولا يلح بها عليه فلا يزيد على مرة وقال آخرون على ثلاثة فإن كررت ثلاثًا ولم يطق النطق لم تكرر عليه بل كان اعتقاده قائمًا مقام نطقه ذكره ابن الجزري ثم ظاهر الخبر يقتضي وجوب ذلك وبه قال بعضهم بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه ويجاب بأن المعنى وهو عدم ترتب المفسدة على تركه يقتضي إنه مندوب لا غير.

قوله: (وَرَوَيْنَا في صحيحِ مسلم) كذا في النسخة التي وقت عليها بحذف ضمير المفعول والمراد ورويناه أي خبر من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله الخ. عن أبي هريرة أخرجه مسلم وقد تقدم عن الجامع إن ابن ماجة أخرجه من حديث أبي هريرة أيضًا وكذا

ص: 113