المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى - الوحي المحمدي

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌على سبيل التقديم

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌ارتقاء البشر المادى، وهبوطهم الأدبى، وحاجتهم إلى الدين:

- ‌الحجب الثلاثة بين حقيقة الإسلام وشعوب الإفرنج:

- ‌الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن:

- ‌(أولها): جهل بلاغة القرآن

- ‌(ثانيها): قصور ترجمات القرآن وضعفها

- ‌(ثالثها): أسلوب القرآن المخالف لجميع أساليب الكلام

- ‌(رابعها): الإسلام ليس له دولة ولا جماعات

- ‌نتيجة هذه المقدمات:

- ‌بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام بما تقوم به الحجة على جميع الأنام

- ‌فاتحة الطبعة الثانية

- ‌دعوة الناس إلى الإسلام عامة وأهل الكتاب خاصة

- ‌دعوة الوحى المحمدى فى هذه الآيات:

- ‌رواج الكتاب وترجمته ببعض لغات:

- ‌الفصل الأول فى تحقيق معنى الوحى والنبوة والرسالة وحاجة البشر إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها

- ‌تعريف الوحى لغة وشرعا:

- ‌النبى معناه لغة وشرعا والفرق بين الرسول وغيره

- ‌حاجة البشر إلى الرسالة وأصول أديان الرسل الأساسية

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌العقل والعلم البشرى لا يغنيان عن هداية الرسل

- ‌تعريف الوحى والنبوة والأنبياء عند النصارى

- ‌بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها

- ‌وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى:

- ‌امتياز نبوة محمّد على نبوة من قبله فى موضوعيها والموازنة بينه وبين موسى وعيسى (ع. م)

- ‌صد الكنيسة عن الإسلام

- ‌الآيات والعجائب (أى الخوارق) وإثبات النبوة عندنا وعندهم

- ‌العجائب وما للمسيح منها

- ‌بحث في عجائب المسيح عليه السلام:

- ‌آية نبوة محمّد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية

- ‌تأثير العجائب فى الأفراد والأمم:

- ‌ثبوت نبوة محمد بنفسها وإثباتها لغيرها:

- ‌درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى شبهة منكرى عالم الغيب على الوحى الإلهى وتصويرهم لنبوة محمّد صلى الله عليه وسلم بما يسمونه الوحى النفسى

- ‌شبهة على الوحى

- ‌جواب المنار

- ‌تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة

- ‌المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى دعوى الأخذ عن بحيرا الراهب

- ‌المقدمة الثانية: دعوى الأخذ عن ورقة بن نوفل

- ‌المقدمة الثالثة: دعوى انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب

- ‌المقدمة الرابعة: حديث إسلام سلمان الفارسى

- ‌المقدمة الخامسة: رحلتا الشتاء والصيف لتجار قريش

- ‌المقدمة السادسة: ما قيل من وجود يهود ونصارى بمكة

- ‌المقدمة السابعة: ما زعمه من سبب نشوء محمّد صلى الله عليه وسلم أميا وما استفاد من رحلاته التجارية

- ‌المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها

- ‌المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه

- ‌المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب، وتعبد محمد فى الغار وسببها بزعم درمنغام

- ‌نتيجة تلك المقدمات العشر

- ‌باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌بسط ما يصورون به الوحى النفسى لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌تفنيد تصويرهم للوحى النفسى وإبطاله من وجوه

- ‌القول الحق فى استعداد محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة والوحى

- ‌الأمثال النورانية لفطرة محمد صلى الله عليه وسلم وروحه، ووحيه، وكتاب الله تعالى ودينه

- ‌آية الله الكبرى القرآن العظيم القرآن الكريم، القرآن الحكيم، القرآن المجيد، الكتاب العزيز الذى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)

- ‌الفصل الرابع فى إعجاز القرآن بأسلوبه وبلاغته، وتأثيره وثورته

- ‌أسلوب القرآن فى تركيبه المزجى:

- ‌الثورة والانقلاب الذى أحدثه القرآن في الأمة العربية فسائر الأمم

- ‌اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن فى العرب والتوراة فى بنى إسرائيل

- ‌المسلمون أرحم البشر بهداية القرآن:

- ‌فعل القرآن فى أنفس الأمة العربية وإحداثها به أكبر ثورة عالمية

- ‌فعل القرآن فى أنفس مشركى العرب

- ‌فعل القرآن فى أنفس المؤمنين

- ‌المقصد الأول من مقاصد القرآن فى بيان حقيقة أركان الدين الثلاثة التى دعا إليها الرسل وضل فيها أتباعهم

- ‌الركن الأول للدين الإيمان بالله تعالى

- ‌الركن الثانى للدين: عقيدة البعث والجزاء

- ‌البعث الإنسانى جسمانى روحانى

- ‌الركن الثالث للدين: العمل الصالح

- ‌سنّة القرآن فى تهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال والفرق بينها وبين كتب الفلسفة والآداب

- ‌سنّة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات

- ‌ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل

- ‌شبهة فلسفية على عمل الخير لمرضاة الله تعالى

- ‌المقصد الثانى من مقاصد القرآن: بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل

- ‌1 - بعثة الرسل فى جميع الأمم ووظائفهم:

- ‌2 - أطوار النصارى وما انتهوا إليه فى الدين:

- ‌3 - مسألة الشفاعة:

- ‌4 - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم:

- ‌بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها

- ‌آيات الله تعالى فى خلقه نوعان:

- ‌سنن الله فى عالم الشهادة وعالم الغيب:

- ‌الغيب قسمان حقيقى وإضافى:

- ‌الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم

- ‌الفرق بين المعجزة والكرامة

- ‌الكافرون بالآيات صنفان: مكذبون ومشركون، وعلاج كل منهما

- ‌علاج خرافات تصرف الأولياء فى الكون:

- ‌المنكرون للمعجزات وشبهة الخوارق الكسبية عليها

- ‌أعجوبة من خوارق الهنود

- ‌المعجزات قسمان: تكوينية، وروحانية تشبه الكسبية

- ‌عبادة بعض الناس للمسيح وللأولياء دون موسى

- ‌ختم النبوة وانقطاع الخوارق بها ومعنى الكرامات

- ‌لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن

- ‌الإيمان بالقدر والسّنن العامة وآيات الله الخاصة

- ‌الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين:

- ‌المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد والجماعات والأقوام

- ‌1 - الإسلام دين الفطرة:

- ‌2 - الإسلام دين العقل والفكر:

- ‌3 - الإسلام دين العلم والحكمة والفقه:

- ‌الحكمة والفقه

- ‌4 - الإسلام دين الحجة والبرهان:

- ‌5 - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير:

- ‌6 - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود:

- ‌دحض شبهة، وإقامة حجة

- ‌7 - الحرية الشخصية فى الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة السيطرة:

- ‌المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعى السياسى الوطنى بالوحدات الثمانى

- ‌الأصل الأول

- ‌الأصل الثانى:

- ‌الأصل الثالث:

- ‌الأصل الرابع:

- ‌الأصل الخامس:

- ‌الأصل السادس:

- ‌الأصل السابع:

- ‌الأصل الثامن:

- ‌المقصد الخامس من مقاصد القرآن «وتقرير مزايا الإسلام العامة فى التكاليف الشخصية من الواجبات والمحظورات» ونلخص أهمها بالإجمال فى عشر جمل أو قواعد

- ‌الأولى

- ‌الثانية

- ‌الثالثة

- ‌ الرابع

- ‌الخامسة

- ‌السادسة

- ‌السابعة

- ‌الثامنة

- ‌التاسعة

- ‌العاشرة

- ‌المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسى الدولى: نوعه، وأساسه، وأصوله العامة

- ‌القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى

- ‌أصول التشريع فى الإسلام

- ‌قواعد الاجتهاد من النصوص

- ‌العدل والمساواة فى الإسلام نصوص القرآن فى إيجاب العدل المطلق والمساواة فيه وحظر الظلم

- ‌حظر الظلم فى الإسلام الشواهد على حظر الظلم ومفاسده وعقابه:

- ‌قواعد مراعاة الفضائل فى الأحكام والمعاملات

- ‌المقصد السابع من مقاصد القرآن: الإرشاد إلى الإصلاح المالى

- ‌تمهيد:

- ‌القطب الأول: القاعدة العامة فى المال؛ كونه فتنة واختبارا فى الخير والشر

- ‌القطب الثانى: ذم طغيان المال وغروره وصده عن الحق والخير

- ‌القطب الثالث: ذم البخل بالمال والكبرياء به والرياء فى إنفاقه

- ‌القطب الرابع: مدح المال والغنى بكونه من نعم الله وجزائه على الإيمان والعمل الصالح

- ‌القطب الخامس: ما أوجب الله من حفظ المال من الضياع بالإسراف والاقتصاد فيه

- ‌القطب السادس: (إنفاق المال فى سبيل الله) آية الإيمان والوسيلة لحياة الأمة وعزة الدولة وسعادة الإنسان

- ‌القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال والإصلاح المالى فى الإسلام

- ‌المقصد الثامن من مقاصد القرآن إصلاح نظام الحرب ودفع مفاسدها وقصرها على ما فيه الخير للبشر نظرة عامة فى فلسفة الحرب والسلم والمعاهدات

- ‌أعجوبة القرآن فى فساد معاهدات الزمان:

- ‌أهم قواعد الحرب والسلام فى دين الإسلام، وشواهدها من القرآن

- ‌القاعدة الأولى: فى الحرب المفروضة على الأعيان

- ‌القاعدة الثانية: فى الغرض من الحروب ونتيجتها

- ‌القاعدة الثالثة: إيثار السلم على الحرب

- ‌القاعدة الرابعة: الاستعداد التام للحرب لأجل الإرهاب المانع منها

- ‌القاعدة الخامسة: الرحمة فى الحرب

- ‌القاعدة السادسة: الوفاء بالمعاهدات وتحريم الخيانة فيها

- ‌القاعدة السابعة: الجزية وكونها غاية للقتال لا علة

- ‌حكمة الجزية وسببها وما تسقط به:

- ‌المقصد التاسع من مقاصد القرآن إعطاء النساء جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية

- ‌المقصد العاشر من مقاصد القرآن تحرير الرقبة

- ‌هداية الإسلام فى تحرير الرقيق وأحكامه

- ‌الطريقة الأولى منع الإسلام جميع ما كان عليه الناس من استرقاق الأقوياء للضعفاء بكلّ وسيلة من وسائل البغى والعدوان

- ‌الطريقة الثانية: ما شرعه لتحرير الرقيق الموجود وجوبا وندبا

- ‌النوع الأول من أحكام الرق ووسائل تحريره اللازبة وفيه عشر مسائل

- ‌النوع الثانى من وسائل تحرير الرقيق الموجود: الكفارات

- ‌النوع الثالث من وسائل إلغاء الرق الموجود

- ‌النوع الرابع منها العتق الاختيارى لوجه الله تعالى (أى ابتغاء مرضاته ومثوبته)

- ‌علاوة فى عتق غير المسلم

- ‌الوصية بالمماليك

- ‌نتيجة التحدى بالوحى المحمدى: دعوة شعوب المدنية: أوروبا وأمريكا واليابان، بلسان علمائها إلى الإسلام لإصلاح فساد البشر المادى وتمتيعه بالسلام، والإخاء الإنسانى العام

- ‌علوم البشر لا تستقل بهدايتهم لأنهم لا يدينون إلا لوحى ربهم

- ‌الرجاء فى العلماء المستقلين دون السياسيين:

- ‌معجزات القرآن الطبيعية والفلكية:

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى

‌المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسى الدولى: نوعه، وأساسه، وأصوله العامة

الإسلام دين هداية وسيادة وسياسة وحكم، لأنّ ما جاء به من إصلاح البشر فى جميع شئونهم الدينية، ومصالحهم الاجتماعية والقضائية، يتوقف على السيادة والقول والحكم بالعدل وإقامة الحق، والاستعداد لحماية الدين والدولة، وفيه أصول وقواعد.

‌القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى

الحكم فى الإسلام للأمة، وشكله الشورى، ورئيسه الإمام أو (الخليفة) منفّذ لشرعه، والأمة هى التى تملك نصبه وعزله، قال الله تعالى فى صفات المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38]، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159]، وكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه فى المصالح العامة من سياسية وحربية ومالية مما لا نص فيه فى كتاب الله تعالى، وقد بينت فى تفسيرها حكمة ترك الشورى لاجتهاد الأمة لأنها مصلحة تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، ولو قيدت بنظام لجعل تعبديا «1» .

وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] فأولو الأمر أهل الحلّ والعقد والرأى الحصيف فى مصالحها الذين تثق بهم الأمة وتتبعهم فيما يقررونه بدليل قوله تعالى بعد تلك الآية من السورة نفسها: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء: 83] فأولو الأمر الذين كانوا مع الرسول وكان الأمر يرد إليه وإليهم فى الشئون العامة للأمن من الأمن والخوف وغيرهما: هم الذين كان صلى الله عليه وسلم يستشيرهم فى الأمور الدقيقة والسرية المهمة. وكان يستشير جمهور المسلمين فيما لهم به علاقة عامة ويعمل برأى الأكثر وإن خالف رأيه، كاستشارتهم فى غزوة أحد فى أحد الأمرين: الحصار فى المدينة أو الخروج إلى أحد للقاء المشركين فيه. وكان رأيه ورأى بعض كبار الأمة الأول، ورأى الجمهور الثانى، فنفذ رأى الأكثر، ولكنه استشار فى مسألة أسرى بدر خواص أولى

(1) راجع ص 99 ج 4 تفسير المنار.

ص: 198

الأمر، وعمل برأى أبى بكر كما فصّلناه فى تفسير سورة الأنفال، ولم تكن آية الأمر له بالمشاورة قد نزلت فهى إنما نزلت فى غزوة أحد (وكانت غزوة بدر فى السنة الثانية للهجرة وغزوة أحد فى الرابعة).

وقد بينت فى تفسير الآية الأولى [وهى الآية: 58 من سورة المائدة] ما تدل عليه من قواعد الحكم الإسلامى وكونه أفضل من الحكم النيابى الذى عليه دول هذا العصر «1» .

ومن الدلائل الكثيرة على أن التشريع القضائى والسياسى هو حق الأمة المعبر عنها فى الحديث بالجماعة: أن القرآن يخاطب بها جماعة المؤمنين فى هاتين الآيتين الخاصتين بالحكم العام والدولة وفى سائر الأحكام العامة كقوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 1] وما يليها من الآيات المتعلقة بالمعاهدات والحرب والصلح، وما فى معناها من سور الأنفال، والبقرة، وآل عمران، ومثل قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9].

وكذلك خطابه لهم فى أحكم الأموال كالغنائم وتخميسها وقسمتها، وأحكام النساء وغيرها (وقد بينا هذا كله فى مواضعه من التفسير).

وقد صرّح كبار النظار من علماء الأصول بأنّ السلطة فى الإسلام للأمة يتولاها أهل الحلّ والعقد الذين ينصبون عليها الخلفاء والأئمة ويعزلونهم إذا اقتضت المصلحة عزلهم.

قال الإمام الرازى فى تعريف الخلافة: هى رئاسة عامة فى الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص. وقال فى القيد الأخير (الذى زاده على من قبله): هو احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه.

وقال العلامة السعد التفتازانى فى شرح المقاصد عند ذكر هذا التعريف وما علل به القيد الأخير: وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر رياستهم على من عداهم أو على كل من آحاد الأمة. أ. هـ.

وقد فصلنا مسألة سلطة الأمة فى كتابنا «الخلافة أو الإمامة العظمى» .

فهذه القاعدة الأساسية لدولة الإسلام أعظم إصلاح سياسى للبشر قررها القرآن فى

(1) راجع ص 180 - 222 ج 5 تفسير المنار وكتاب الخلافة.

ص: 199

عصر كانت فيه جميع الأمم مرهقة بحكومات استبدادية استعبدتها فى أمور دينها ودنياها، وكان أول منفذ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يقطع أمرا من أمور السياسة والإدارة العامة للأمة إلا باستشارة أهل الرأى والمكانة فى الأمة، ليكون قدوة لمن بعده.

ثم جرى على ذلك الخلفاء الراشدون. فقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى أول خطبة خطبها على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب مبايعته: «أما بعد فقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينونى، وإذا زغت فقومونى» .

وقال الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «من رأى منكم فىّ عوجا فليقوّمه» فقال أعرابى: لو رأينا فيك عوجا لقوّمناه بسيوفنا، فقال:«الحمد لله الذى جعل فى المسلمين من يقوّم عوج عمر بسيفه» ، وكان يجمع أهل العلم والرأى من الصحابة ويستشيرهم فى كل مسألة ليس فيها نص من كتاب الله، ولا سنة أو قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه: «أمرى لأمركم تبع» . وكذلك كان عمل الخليفة الرابع على المرتضى رضى الله عنه وكرّم وجهه، ولا أذكر له كلمة مختصرة مثل هذه الكلمات على المنبر.

وإذا أوجب الله المشاورة على رسوله فغيره أولى، ولا يصح أن يكون حكم الإسلام أدنى من حكم ملكة سبأ العربية، فقد كانت مقيّدة بالشورى، ووجد ذلك فى أمم أخرى وامتاز الإسلام بجعله دينا ثابتا بقول الله وسنة رسوله العلمية وسيرة الخلفاء الراشدين وإجماع الأمة، وإن جهل ذلك من جهله من الفقهاء، فجعلوها فضيلة مندوبة لا واجبة لإرضاء الملوك والأمراء.

ذلك بأنّ ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن الصراط المستقيم إلا قليلا منهم، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون، وخطباء الفتنة الجاهلون، حتى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم، وكان من حسن حظ الإفرنج فى حربهم الصليبية أن كان سلطان المسلمين الذى نصره الله عليهم يقتفى فى حكمه أثر الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز بقدر علمه- وهو صلاح الدين الأيوبى (ر. ح) الذى قال لأحد رجاله المتميزين عنده وقد استجداه على رجل غشّه:«ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين؟ قاض يحكم بينهم، والحق الشرعى مبسوط للخاصّة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، فالحق يقضى لك أو عليك» ومعنى عبارة السلطان أنه ليس منفذا لحكم الشرع- كالشحنة وهو صاحب الشرطة- وأنّ القضاة مستقلون بالحكم لأنهم يحكمون بالشرع العادل المساوى

ص: 200

بين الناس. وقد اقتبس الصليبيون منه طريقة حكمه، ثم درسوا تاريخ الإسلام فعرفوا منه ما جهله أكثر المسلمين المتأخرين حتى أسّسوا حكم دولهم على قاعدة سلطة الأمة التى جاء به الإسلام، وصاروا يدعونها لأنفسهم، ويعيبون الحكومات الإسلامية باستبدادها، ثم يجعل الإسلام نفسه سبب هذا الاستبداد والحكم الشخصى، وصار المسلمون الجاهلون بدينهم وبتاريخهم يصدقونهم، ويرى المشتغلون بالسياسة وعلم الحقوق منهم أنه لا صلاح لحكوماتهم إلا بتقليدهم، فكان هذا من أسباب ضياع أعظم مزايا الإسلام السياسية التشريعية وذهاب أكثر ملكه، وصدق عليه أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى أعدائهم، وهم يعدون مئات الملايين، فتدبر قوله تعالى فى أعدائهم الأولين يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: 2].

ص: 201